مدوّنات

عن حمادة والهندسة الاجتماعية

“هيرو أونودا”، مقاتلٌ يابانيّ الجنسية، آخر من استسلم في الحرب العالمية الثانية؛ استسلم بعد انتهائها بأكثر من ثلاثين عاماً! قصته مثيرة للاهتمام فعلاً، لكن ما أريده منها هُنا، أن هذا الشخص، عرف الظروف الموضوعية التي تحيط به وبدولته، واستمر بأفعاله بناءً على ذلك حتّى النهاية. لماذا ذكرته هُنا؟ حتى أتحدث فيما بعد عن صديقنا حمادة، من هو حمادة؟

في مسلسل “the night of” تقوم الشرطة بأخذ معلومات مهمة عن المتهم من خلال صفحته على الفيسبوك، وإحضار مشتبه بهم لاستجوابهم من خلال التعليقات التي علقوها للمتهم على صفحته؛ فنوعية معينة من التعليقات والتفاعل بين أي شخصٍ والمتهم تؤهله لأن يكون مشتبهاً به. وفي مسلسل “Mr Robot” تقوم الشرطة بالعثور على طرف خيط، ولائحة من المشتبه بهم من خلال صورة جماعية نُشرت على الانستجرام. في المسلسل ذاته يتم التطرق بشكلٍ كثيف لفكرة “الهندسة الاجتماعية”؛ وهي القيام باختراق الشخص ليس من خلال استخدام أدوات برمجية أو إلكترونية، بل من خلال الحيّز الاجتماعي الذي يُحيط بالهدف، حيث أي معلومة تُعتبر مفيدة، ويتم الاستفادة بشدّة من المعلومات التي يُعطيها الشخص طواعية، من خلال الاحتيال عليه(الاتصال عليه منتحلاً شخصية وهمية وطرح أسئلة عشوائية وأخرى محددّة لسحب أكبر كمية ممكنة من المعلومات)، أو من خلال مُهملاته(فضلاته). ويُمكننا في هذا العصر أن نُدرج السوشيال ميديا من ضمن فضلات الأشخاص، فكل ما ينشره الشخص ويرمي به إلى السوشيال ميديا، يُمكننا نبشه جيّداً لاستخلاص كمية هائلة من المعلومات، هذا من دون الأخذ بالاعتبار كل تلك المعلومات التي يبروزها الشخص على “صفحته التعريفية”، تلك المعلومات التي سيصعب عليك الوصول إلى بعضها بدون هذا التصرف الكريم جداً.

هل تتذكرون صديقنا “هيرو أونودا” وحسّه الوطني العالي؟ في عالمٍ موازٍ، كان يعيش صديقنا حمادة الذي لا يقل وطنيةً أبداً عن “هيرو أونودا”، فهو ناشط في فصيل شبابي مناوئ للاحتلال الذي يُعاني منه وطنه. لكن الفرق بين صديقنا حمادة والياباني، أن حمادة – والحمدلله – يمتلك الانترنت، ويمتلك معه مرض اسمه “البواسير الافتراضية”، هذا المرض يدفع صديقنا حمادة كلّما جلس على الكُرسي إلى نشر أي شيء على السوشيال ميديا (نعم، في هذا العالم الموازي الذي يعيش فيه صديقنا حمادة يوجد سناب شات وانستجرام والذي منّه، وفي رواية أخرى، وغيرو). ما بين قيامٍ وجلوس، وما بين منشورٍ لم يُقصَد، ومقصودٍ يُنشر(مع الاعتذار لجبران خليل جبران)، نجد في نهاية اليوم العشرات من الصور والمنشورات لحمادة، فحمادة عندما يصحو من نومه ينشر صورةً للإطلالة البهيّة، وعندما يشعر بملل الطريق إلى الجامعة، يُشغل نفسه بنشر صورةٍ للطريق، وحمادة لا يستطيع أن يشعر بالسعادة عندما يُسافر أو يلتقي بأصدقائه إلا إذا شارك تلك اللحظات على السوشيال ميديا. ومع الإدمان المٌستمر لا يستطيع حمادة أن يمنع نفسه من التصرف وكأنه “نجم” وله جُمهور يتعطّش لسماع أخباره ومشاهدة صوره، والاستماع لأدبِ رحلاته. بهذه الطريقة استطاع حمادة أن يجمع بين المقاومة ضد الاحتلال والعمل التطوعي، عند الاحتلال طبعاً.

“العميل المتطوع” هو الشخص الذي يقوم بمساعدة الاحتلال تطوّعا، بقصدٍ أو بغير قصد، كبعض الصحافيين الذين ينشرون صوراً للمواجهات أو أخباراً تُساعد الاحتلال على اعتقال الشبّان، أو عندما يلعب الناس دور الناشط الشبابي، والمٌفصح بالأحوال، لينشر معلوماتٍ قد يجدها الاحتلال مفيدةً ضد صاحبها.

في مشهدٍ آخر وفي ذات العالم الموازي، وعلى صوت المغنّي “موشيه الياهو” (نعم، ترشيحات أبو مازن تخترق الكون وتصل إلى العوالم الموازية)، يقوم الضابط في المخابرات شلومو، بتصفح الحسابات الشخصية لحمادة، فبعد أقل من ساعة من التصفح، استطلع شلومو أن يعرف متى يستيقظ حمادة، وأي طريقٍ يسلكها، ما يحب وما يكره، وما هو الأسلوب الأمثل للتحقيق معه من خلال شخصيته التي حللها بناءً على المعلومات الهائلة التي قدمها حمادة عن نفسه بحريّة. والصيد الثمين لشلومو كان أن استطاع معرفة من هم أصدقاء حمادة في الحزب، فالصور الجماعية، والتضامنية، بالإضافة إلى التعليقات اللطيفة، أنجزت كلّ العمل المطلوب من شلومو.

لم ينشر “هيرو أونودا” الالاف من الصور والمنشورات عن تجربته، بل كتب الناس عنه، وبصورةٍ يتيمة وهو يمسك بسلاحه حتّى النهاية. صديقنا حمادة، تم اعتقاله هو و مجموعته كاملة(هل توقعتم غير ذلك مثلاً؟ أن يقوم الضميري باعتقالهم من أجل حمايتهم من الاعتقال عند الاحتلال؟). النصر لم يكن كلّه لشلومو أيضاً، فقد ذهب إلى مستشفى المجانين لسبب مجهول حيث بقي يردد بشكل هستيري مُضحك “شو اللي كنت بتفكّر فيه يا زلمة؟” لا أحد يعرف ماذا حدث مع شلومو حتى ينشلّ لسانه إلا من تلك الجملة. مساعده الشخصي يقول أنه دخل مكتب شلومو بعد نقله إلى المستشفى، ليجد حاسوب شلومو مفتوحاً على صورة في الفيسبوك لمثلثّم يقوم برشق الحجارة على الاحتلال، في هذه الصورة، كان أحدهم قد عمل “تاغاً” لحمادة.

“البيوت
إلى الأعلى