ثقافة ومعرفة

أن تحيي الفصعون الذي بداخلك!

“الفصاعين، كائنات لا عمر لها، تمشي، تتحدث وقد تموت، ولدوا في مرحلة لا تنتهي، وقد استغرقت ولادتهم عشرة أعوام بشكل تدريجي، خُلق فيهم الجمال.

لا عائلة للفصاعين سوى الأصدقاء، لا يملكون بيتاً لأنهم يرون به سجناً، لهم العالم بأكمله، حيث يعيشون اليوم، هم عرضه للتغيير كباقي الكائنات الحية، وللموت أيضاً، حيث أنهم شخصيات متلبسة بين الرداء البشري والغير بشري، ولأن مجد كردية لم يرد أن يحسم الأمر سريعاً، لم يخلقهم بشراً.

تستيقظ الفصاعين في موعدين فقط، يوم تشرق الشمس ويوم تغيب. فهم أول النهار وأول الليل، قد لا تصادفهم خلال الأيام المملة، لكنك ستجدهم حتماً في كل مرة تقرر بها أن تحيي الفصعون الذي بداخلك. حيث لا تعد الفصاعين لوحات فنية، وإنما عمل امتد خيطه ليربط الأحداث سوياً، خيط كالوريد يغذي كل وقفة لك معهم بروح مختلفة.

ربما تقل العناصر في أحيان كثيرة، لتكتشف في النهاية أن كل ما مررت به معهم لم يكن سوى مأساة انسانية من نوع آخر، تشاركهم فيها كافة لحظاتهم، كل شيء يزعجهم  وتتعب معهم، وأحياناً كثيرة تعجز عن المضي قدماً.. كما مضوا.

عاشت الفصاعين حالات كثيرة، رأينا فيها فصعون الذي عاش عمره في كل شيء، وعندما كان يبكي، نسي أن يمحي ابتسامته ليقول عوضاً عن ذلك حقيقة أخرى، مع أول الشروق أو أول الغروب، حيث كانت تولد كل يوم حكاية جديدة.

هم طريقة يصاغ بها الكثير من المختلف المؤثر، نوع فريد من الفن( حيث يمتزج الرسم والشعر والروح المتحررة المكتملة)، كسرت هذه الكائنات قوالب العنصرية والتمييز، نشرت الاحساس العارم بالسلام وان لم يتحقق بعد، وأجادت الحديث عن الحقائق التي نخبئها تارة ونخافها تارة أخرى، ليصبحوا هم: الحقيقة الوحيدة التي لا تجيد الاختباء!

هم الحقيقة الأولى التي اجتمع عليها كل من أحبهم وتابعهم، هي نفسها الحقيقة التي دفعتنا يوماً للهروب عنها بعيدًا، وشوهنا بذلك أجمل ما فينا، لنتعلم منهم كل ما في الأمر، أن الأشياء الصادقة والحقيقية يجب أن لا يصحبها سبب لحدوثها.

فأتت الفصاعين لتؤكد هذه النظرية، وتحكي عن لسان حال الانسان في أيام لم تحمل أرقامها إلا ذكريات موجعة أحياناً، هم حالة من الفرح، أو من هذا وذاك، وأحياناً كثيرة، شريط حياة، مرّ بنا دون أن نلقي عليه التحية.

هناك مشاهد حزينة لا تحمل فيها الفصاعين وجهاً عبوساً، الحزن هو ما لا يجيد كردية رسمه ولا قدرة للفصاعين على إظهاره، إنه شيء يقلتا وحدنا، ومن يعرف ألم الحزن الذي يقتل صاحبه، يدرك كم من الصعب اظهاره، وان عبس الفصاعين يوماً، أدركنا أنهم رحلوا هذه المرة، بلا عودة.

“الفصاعين” عالم موازٍ جميل يحاول كل منا الانتماء اليه، يُطرح فيه اسئلة كثيرة تكمن اجاباتها في داخل كل منا. أجمل ما يمنحونه لك هو الدهشة التي يخلقوها بفن يجيد فيه مجد القدرة على اخراج الدمعة والابتسامة والمحبة والرغبة بالحياة في لقطة واحدة فقط. بإمكانك أن تكون صديقاً لهم، انهم أوفياء وصالحون لباقي العمر!

عالم الفصاعين هو ذاته عالمنا، لكنهم يرونه من زاوية مختلفة عنا، هم حكايات العمر أحياناً، وقصة لأربع وعشرون ساعة في أحيان أخر، قد يكونوا جملة لدقيقة، أو لحظة تولد لثانية تشوبها علامات الحزن والفرح والحكمة، والحياة التي رسمت بهم، لنحلم نحن بها.

فصعون وفصعونة، ميزان الدنيا، كالليل والنهار، كفصل الشتاء والصيف، كلوحة كلها أبيض تحمل روحين لا حدود لهما وأمل في آخر الممر، وحدك من تقرر هناك كيف ترى القصة، لتدرك حينها إن كنت تجيد البقاء أو الهروب.

يقول مجد كردية، “لم يلهمني أحد، أكتب بينما أخبط بالألوان على الورق لأنهي رسمة ما، إني أشارك في لوحة واحدة كل أجزائي، وأحيانًا الأرواح التي لا يراها أحد غيري، والأصوات التي وحدي أسمعها!”.

  • كُتبت هذه المادة، كتعقيب وتوثيق لمعرض فني أقامه الفنان السوري مجد كردية، تقوم لوحاته الفنية على ما يُسمى “الفصعون” ويحمل رسائل انسانية وروحية.
إلى الأعلى