تقارير وملفات خاصة

أرض “المسكوبية” تشعل مواجهة قضائية بين آل التميمي والسلطة

الخليل- خاص قُدس الإخبارية: تدور الاحتمالات أن تشكل قضية الأراضي الوقفية في الخليل والتي صدر بخصوصها قرار رئاسي يقضي بمنح ملكيتها للكنيسة الروسية، بالرغم من أنها ملك وقفي للصحابي الجليل، تميم الداري، والذي تشكل أوقافه 60% من مساحة مدينة الخليل، بمساحة تُقدر بنحو 85 ألف دونم ممتدة في أرجاء المحافظة، قضية رأي عام خلال الايام المقبلة.

بدأت الأحداث بالتوتر، بعدما أصدر مجلس الوزراء  الفلسطيني قراراً بتاريخ 17 كانون الثاني 2016، باستملاك أرض وقف آل التميمي في الخليل لصالح الخزينة العامة لمنفعة البعثة الروسية لبطريركية موسكو في القدس، استملاكا كاملا ومطلق الحيازة الفورية لصالح الخزينة العامة، وذلك استنادا إلى قانون الإستملاك رقم (2) لسنة 1953.

قرار غير شرعي

وأكد عضو لجنة متابعة وقف أرض تميم الدكتور إبراهيم القصراوي التميمي على بطلان قرار مجلس الوزراء الخاص بوقف المسكوبية، قائلا إن المتولي ونظار المجلس الذين تم انتخابهم قبل خمس شهور بالإضافة للقاضي الشرعي هم المخولين قانوناً وشرعاً بالتصرف في أرض الوقف.

وأضاف لـ”قدس الإخبارية”، “السلطة تضرب بعرض الحائط وتدوس على القانون والدستور بنقلها الوقف إلى البعثة الروسية في فلسطين، بسبب عدم بت محكمة العدل العليا الفلسطينية في القضية المرفوعة ضد قرار مجلس الوزراء، لهذا توجهنا إلى أهلنا من عائلات الخليل وقمنا بتشكيل لجنة جديدة لحماية الوقف من التسريب”.

وأدان القصراوي “اعتداء الأجهزة الأمنية” ورشها الغاز وإلقاء القنابل الصوتية على المتظاهرين، ومنعهم من الوصول لأرض الكنيسة، وثمن مشاركة ومساندة عشائر الخليل بوقوفها مع الحق، وتعهد بمواصلة النضال حتى يعود الوقف لأصحابه، وأن الرسالة وصلت للسلطة الفلسطينية والبعثة الروسية، رغم التشبيح والقمع الذي تعرض له المشاركون، على حد وصفه.

انعكاسات أمنية!

وهاجمت الأجهزة الأمنية المشاركين في وقفة احتجاجية أمام أرض وقف تميم الداري في الخليل، نظمت قبل عدة أيام، واعتبرت الأجهزة الأمنية المظاهرة “خارجة عن القانون، بسبب عدم تقدم أي شخص بطلب خطي حسب القانون، لإقامة التجمع الاحتجاجي بجوار كنيسة المسكوب”، قائلة في بيان لها: “إن التجمع معارض للأمن العام ومخالف لقرار مجلس نظار آل التميمي والقوى السياسية وممثلي العشائر والعائلات في المحافظة وتعرض السلم الأهلي للخطر الشديد والفتن”.

كما انعكست الخطوات المندلعة على الأرض على موقع التواصل الاجتماعي “الفيسبوك”، بين الأهالي، بين مؤيد ومعارض للقرار من جهة، وبين مؤيد ومعارض للتظاهرة التي حدثت أمس، فيما طالب العديد من النشطاء بضرورة الاحتكام للقانون والشرع بما يخص أرض الوقف.

حقن الدماء

من جهته، قال رئيس مجلس نظار عائلة آل التميمي باسم التميمي لـ”قدس الإخبارية”: “نحن لم ندعَ لأية وقفة أو تجمع، لتجنب ادعاءات “الفتنة” والحفاظ على السلم الأهلي والمجتمعي في المدينة، ولتجنيب الناس ويلات سفك الدماء وإثارة النعرات العشائرية في المدينة، ونترك الأمر للقضاء للبت في قضية الوقف”.

وتابع، “طالبنا الجهات الحكومية في أكثر من مراسلة استغلال المساحة الجغرافية في المسكوبية بما يخدم المصلحة العامة، مثل بناء مستشفى تعليمي أو جامعة ولكنها رفضت عن فعل هذا دون أن تقدم أدلة مقنعة للمتولي والنظار”، وأوضح أن المساحة الخالية في المسكوبية هي 58 دونما.

ونفى ممثل مكتب القوى الوطنية والإسلامية في الخليل اللواء باسم البكري، أن يكون هناك طلب من آل التميمي بتنظيم تظاهرة ضد قرار مجلس الوزراء، متهما حزب التحرير الذي قاد التظاهرة بـ”تسييس الوقف خدمة لأهدافه”.

رأي القانون والشرع

من جانبه قال مدير مكتب الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في الخليل فريد الأطرش: “إن الوقف معترف به لدى سلطة تسجيل الأراضي، وحينما يتقدم أحد السكان لتسجيل أرضىه، أو لتبادل المنفعة بينه وبين شخص آخر، لا بد أن يأتي إلى إدارة الوقف بناء على كتاب يصدر من سلطة الأراضي لتسوية أمره مع الوقف، ودفع الاستحقاقات ليحصل على وثيقة بمثابة “طابو” تحفظ حقوقه”.

وأضاف، “نحن مع حق التظاهر السلمي وحرية الرأي والتعبير التي كفلها القانون للأهالي، ونرفض الاعتداء على المتظاهرين، كما نرفض أيضا اعتداء المتظاهرين على قوى الأمن والممتلكات العامة”

وتنفق إيرادات الوقف على المحتاجين، بينما كانت تنفق في السابق على تكية سيدنا إبراهيم “عليه السلام”، لمدة طويلة من الزمن، حتى قامت وزارة الأوقاف والتي كانت المتولي عليه، باقتطاع جزء من أراضي الوقف لمنفعة التكية الإبراهيمية، وسمي الوقف في حينه بوقف خليل الرحمن للإنفاق على التكية وخدمة المسجد الإبراهيمي.

وأصدرت هيئة علماء فلسطين في الخارج بياناً جاء فيه “أنه لا يحق لأي أحد كان منصبه لو صفته، أن يمنح الوقف لغير المسلمين، ويعتبر المنح انتهاك لحدود الله، ومن يقدم على هذه الخطوة هو استفزاز لمشاعر المسلمين في فلسطين، ونحذر من مغبة الظلم على المسلمين في فلسطين”.

الرئيس تجاوز القانون

الدكتور رجب بيوض التميمي ناظر الوقف ومحاميه الشرعي والقانوني قال: “هناك اعتراضات مقدمة للجنة القضائية لتسجيل الأراضي غير المسجلة في الخليل، وإن قرار الاستملاك الصادر عن الرئيس ومجلس الوزراء غير قانوني، ولم ينتظروا قرار المحكمة، وأصدر الرئيس عباس قرارا باستملاك الوقف لصالح البعثة الإرسالية المسكوبية الروسية”.

وأضاف في حديث لـ”قدس الإخبارية“، “هذا القرار تجاوز للقانون والقضاء، ويتوجب من الرئيس والحكومة الانتظار حتى يصدر قرار عن محكمة العدل العليا الفلسطينية الجهة المخولة بالبت بالقضية، وقدمنا طعن ضد الرئيس والحكومة الفلسطينية وسلطة تسجيل الأراضي ووزارة المالية لمنعهم من البت بالوقف بشكل نهائي”.

وتابع، “مرسوم الرئيس باطل ومطعون فيه لدى محكمة العدل العليا، على الرغم من أن القضية لا زالت في أروقة المحاكم”.

ولفت إلى أن أرض وقف تميم لم يسجل أي اعتداء عليها منذ تسجيلها في السنة التاسعة للهجرة، وتم رفع قضية في محكمة القدس برئاسة القاضي خليل الخالدي، عام 1925 ضد سلطات الانتداب البريطاني، وانصاعت سلطات الانتداب للقرار، ولم يسجل عليها أي اعتداء مند تسجيل الوقف.

أصول دينية وتاريخية

ومما يُذكر في التاريخ الإسلامي والأثر، أن تميما الداري قد جاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسأله أن يقتطعه قطعة في أرض “حبرون”، وفي معجم البلدان حبرون هي الخليل، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم له كتابا جاء فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم، “هذا ما أعطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه، إني أعطيتهم بيت عينون وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم بذمتهم وجميع ما فيهم، عطية بت، ونفذت وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم بعدهم، أبد الآبدين، فمن آذاهم فيه آذى الله، شهد أبو بكر بن أبي قحافة وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب”. (كتاب بلادنا فلسطين، صفحة 323/ القسم الثاني/ الجزء الخامس)

يشار إلى أن فلسطين لم تكن حينها بيد المسلمين لكنها كانت في أيدي الروم ولكنها كانت بشارة من النبي محمد عليه السلام بأنها ستصبح في يد المسلمين، ولما فتحت القدس في عهد عمر وفّى عمر بوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقفها تميم على ذريته وعلى خيرات حددها، فهو أول وقف في الإسلام في أرض فلسطين.

كما يذكر كتاب “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم” إشارة لهذا الوقف وحسن ضيافة أهل الخليل بالقول الآتي: ” … وجود دار ضيافة دائمة مع خباز وطباخ وخدام يقدمون العدس بالزيت لكل حاجّ أو زائر يمر بمدينة الخليل، وهذه الضيافة والإطعام من وقف تميم الداري رضي الله عنه”، بينما نقل القلقشندي عن الحمداني قوله “وبلد الخليل عليه السلام معمور من بني تميم الداري رضي الله عنه وبيد بني تميم هؤلاء الرقعة التي كتبها النبي صلى الله عليه وسلم لتميم وإخوته بإقطاعهم بيت حبرون التي هي بلد الخليل عليه السلام وبعض بلادها”.

إلى الأعلى