مدوّنات

نَقْش تل القاضي “بيت داود”

إن الوثائق الأثريَّة، لا تَذكُر مملكة “إسرائيل” قط ؛ كما لا تأتي على أي ذِكر لداود، أو سليمان، في بلادِنا فلسطين. ولكن يرى بعض الآثريّين التوراتيّين؛ ويساندهم في ذلك أصحاب الفكر الآسن العربي، وحُرَّاسه؛ أنه يتعيَّن الآن تخفيف حِدَّة الهجوم على داود، مع اكتشاف نقوش “تل القاضي / Tel Dan”. فخلال موسم التنقيب، للعام 1993، بموقع “تل دان” المزعوم؛ اكتشفَ عالِم الآثار الإسرائيلي “أفراهام بيران” (Averaham Biran) قِطعة من نقشٍ محفور على الحَجَر؛ سرعان ما صار موضِع جَدَل حامى الوطيس، بين الباحثين الكتابيّين؛ نظراً لأهميته في الإجابة عن السؤال المتعلِّق بتاريخيَّة المَلِك داود.

والأهمية تأتي من ورود تعبير “بيت داود / Betdawod”، في السطر التاسع من القطعة الأولى للنَقش. وبعد هذا الاكتشاف بسنتيْن؛ أي عام 1995، عُثِرَ على نقشيْن آخريْن، قد تكون القطعتان الجديدتان، جزءاً من القطعة الرئيسيَّة، التي احتوت على النقش السابق، وربما لا؛ وقد جَرَت العادة، على الإشارة إلى هذه القِطع الثلاث، بالرموزِ (A) للأولى، و(B1)، و(B2)، للقطعتيْن الجديدتيْن.

بعد ذلك كله؛ يتبقَّى السؤال الأهم؛ هل هناك إشارة في النص إلى الملك داود؛ أو إلى يهوذا؟ يزعُم الباحثون التوراتيّون، ويساندهم في ذلك أصحاب، وحُرَّاس الفِكر الآسن، من الأكاديميّين العرب، أن هذه النقوش ذُكِرَ فيها داود. فقد نظر هؤلاء إلى الإشارة إلى تعبير “بيت دود / Betdawod”، في السطر التاسع من النقش، على أنها لا تُثبِت وجود داود التاريخي، فحسب، وإنما تؤكِّد صِحَّة روايات التوراة، حول الملك داود.

لكن هذا يتناقض مع المنهج المُتحفِّظ لعلماء الآثار؛ الذين نقَّبوا عن هذه القطعة، ويتعارض مع ما نشروهُ من هذا الجزء؛ فيَذكُرُ العالِمان؛ “بيران”، و”نافيه”؛ أن طبيعة المصادر التوراتيَّة من جانب، والطبيعة الجزئيَّة لنقشِ “دان، من جانب آخر؛ لا يسمحان لنا باستنتاجات قاطِعَة؛ قد تكون هناك تفسيرات أخرى مُحتَمَلَة؛ ولن يُمِدّنا بالدليل، إلا اكتشاف قِطَع إضافيَّة، من هذا النقش، للإجابة عن الأسئلة، التي أثارتها اكتشافاتنا لهذه العيِّنَة.

أما العلاَّمة “طُمسن”؛ فيَذكُرُ في كتابِهِ “الماضي الخرافي (التوراة والتاريخ)”: “.. ك بيتدود”. سرعان ما قُرِئت الأحرف (ملك بيت داود). وقد حُدِّدَ تاريخ النقش، بأوائلِ القرن التاسع قبل الميلاد. كان يُعتَقَد أنه يروي قِصَّة معركة، وُصِفَت في سِفرِ الملوك الأول (15: 16 ـ 20)؛ وهو حَدَث يعود تاريخه، إلى عام 883 ق.م.. هذا النَقش الجديد، لم يَكُن، فقط، أقدم إشارة معروفة إلى مَلِك إسرائيل، وإن يَكُن غير مُسمَّى؛ بل زُعِمَ، أيضاً، أنه يُقدِّم الدليل القاطِع، على أن داود الكتاب، كان موجوداً ذاتَ مَرَّة، وكان المؤسِّس للسلالة الحاكِمة ليهوذا، في أورشليم. وقد احتفت المجلات العلميَّة، إضافة إلى الصُحف، والمجلاَّت الشعبيَّة، بهذا الاكتشاف بحماسة كبيرة.

مع ذلك كان ثمَّة مشاكل مع الاكتشاف، مع قراءةِ النص، وتأريخِهِ، وتفسيرِهِ، لم تُحَل حتى الآن”. ويستطرِد “طُمسن”، بقولِهِ: “إن قراءة [ حرف ] (ك)، على أنه الحرف الأخير من كَلِمَة (مَلِك)، إنما كان مجرَّد تخمين بالطبع، لا شيء في النقشِ ذاتِهِ، يقضي بأن تربط كلمة، أو اسم “بيت داود”، مباشرة، بأورشليم، أو يهوذا، فقد كان من الممكن أن تُشير إلى مكان، أقرب كثيراً إلى (تل دان). كما في أسماء أماكن كثيرة؛ فإن (بيت) يمكن ترجمته بمعنى بَيْتْ، ويعكس اسم المحميَّة التي تَحكُم البلدة.

كذلك، بشكل عام، خصوصاً، عندما يُضَم إلى اسم، أو نعت إله، أو آلهة، ترجمته بمعنى (معبد / هيكل)، هذا ما نجدهُ، بين أسماء أماكن في فلسطين، مثل بيت إيل [تعنى معبد الإله]، وبيت دجن. يضيف “طُمسن”، أن الكِتاب لا يستعمل المُصطلح (بيت داود)، بالطريقة التي يستعمل بها البريطانيّون مصطلحاً مشابهاً، هو (بيت ستيوارت) (House Of Stuurt)؛ أي بالمعنى المحدَّد لسلالةٍ حاكِمَة. ويُتابِع “طُمسن” تحليله لهذا النَقش، قائلاً: “عندما تمَّ نشر المزيد من كسر النقش، أو النقوش المُتَّصِلَة بِهِ؛ أصبح إثبات أن القراءة الأصليَّة أكثر مراوغة. في حين أنني، أصبحت مُقتنعاً بأن الكسر المنشورة، تعود في الحقيقة، ليس إلى نقش واحد؛ بل إلى نقشيْن مرتبطيْن مختلفيْن؛ فقد وجد باحثون آخرون، مؤشِّرات قادتهم إلى المُجادَلَة، بأن النقشيْن هما شيئان مُزَيَّفان. في الوقت الحالي؛ فإن هذه القضية غير محلولة، وتَنتظر تَقصِّي إدارة (إسرائيل) الآثاريَّة”.

إن هذا النقش، الذي دخل في “عِلم الآثار التوراتي”، على أنه أول وثيقة من “مصدر مُستقِل”، تُثبِت الصِلَة ما بين الرواية التوراتيَّة، والآثار، لم يستطع أن يقف صامداً أمام النقد الصارم، الذي وُجِّهَ له، والذي أظهر، في النهاية، أنه “مُزيَّف”. وقد أثبت الزيف، طائفة من عُلماءِ الآثار، واللاهوت، واللُّغات الساميَّة القديمة، والنقوش “الإبيغرافيا”؛ كان أهمها “فرد كراير”، والمُستشرِق الإيطالي “جيوفاني غاربيني” (Geovani Garbini)، الذي عدَّتهُ أوساط الدراسات التوراتيَّة، بمثابة الخوارجي الرجيم، بعد أن نَشر كتابه المعروف “History and Ideology in Ancient Israel”، عام 1986. وعلينا هنا ألاَّ ننسى، أن “غاربيني”، هو باحِث، على درجة عالية من الكفاءة، في اللُّغاتِ الساميَّة الغربيَّة، وبضمنِها الآراميَّة.

لقد عَبَّرَ “غاربيني”، عن اقتناعِهِ التام، بأن نَقش “تل دان”، هو نَص مُزوَّر. وأن الحالة الماديَّة، للنُصُبِ الحجري، هي أفضل من أي نُصُب آخر، ينتمي إلى تلك الفترة. إنه يبدو وكأنه نَص نُقِشَ حديثاً. أما لغتهُ فآراميَّة، ذات طابع عام، أي إنها تحتوي على ذخيرة من الكلمات المتداولة، في غير العصر الذي ينتمي إليه النَقش، قد احتوى على كلمات، تنتمي إلى عصرِهِ. ومن ناحية ثانية، يرى “غاربيني” تشابُهاً في أسلوب التعبير، والأفكار، بين نَقش “تل دان”، ونَقش ميشع ملك مؤاب. وهذا يعني أن الشخص الذي كَتَبَ نص “تل دان”، كان مُطَّلِعاً على نَص “ميشع”، وأنه قلَّد العديد من جُملِهِ، وعباراتِهِ.

أما الباحث “كراير”، فيبني نظريَّتهُ في تزوير النَص، اعتماداً على فحصِهِ المباشر لقِطَع النَقش، في متحف “إسرائيل”. وقد بَسط نظريَّته هذه في محاضرة شفهيَّة، ألقاها في ندوة متخصِّصة بكوبناغن، منذ عِدَّة سنوات؛ حيث وَزَّع على الحضور، صورة فوتوغرافية التقطها زميله الأمريكي “رونالد غميركن” (Ronald Gmyrkin)، للقطع في متحف “إسرائيل” بالقدس. تُظهر الصور الجوانب المكسورة من القطعة (A)، وعليها آثار من الأزميل، الذي استخدمه من كَتب النَقش على الحجر، بحيث أن رسم بعض الحروف، قد استمر من السطح الأمامي للنَقش، إلى الجانب المكسور. وبما أنه من المفترض، أن الكاتب قد نَقَشَ نَصَّهُ على سطح النُصُب، قبل أن ينكسر؛ فإن مثل هذه البقايا على الجوانب المكسورة، لا يمكن أن تدل إلا على أن الكِتابة لم توضَع على قطع مكسورةَ، في الأصل، وأنها حديثة العهد .

أما “ناداف نعمان” (Nadav Neeman)؛ المؤرِّخ، والأستاذ في جامعة تل أبيب؛ فقد ألقى ظلالاً كثيفة من الشكِّ، على هذا النَقش، حتى مالَ إلى رفضِهِ، وهو يُعلِّل ذلك بما يلي: “إن النقش مثير للشَك، والجَدل؛ فهو ليس كأي نَقش ملكي، من الشرق الأدنى القديم، أنا على دراية به، فهو وحيد في نوعِهِ، في جميع الأحوال، إنه يحتوي على كلمات عديدة لا تظهر في التوراة، وخاصة خاتمة هذا النَقش، المُفترَض به أن يكون ملكياً، وهي تدعو إلى أن تَحِل بَركة الرب على الشعب، ذلك بأن النقوش الملكيَّة من الشرق الأدنى القديم المعروفة لدينا، تنتهي عادة بإنزال اللَّعنة، على أي شخص يصيب النقش بالضرر، أو تنتهي أحياناً باستمطار البركة، على الشخص الذي كَتب النَقش، أما الدعاء بالبَركة على الشعب، فليس هناك شيء آخر يُشبِههُ”.

كذلك يرى أن التأكيد الذي جاء في النَقش، على مساهمة الشعب في “يهوذا” بأعمال الترميم، التي قام بها “يهوآش” في المعبد، هي حالة فريدة، لأن العادة جَرت في النقوش المَلكيَّة، على تأكيد المَلك على نشاطاتِهِ هو شخصياً، مع تجاهُل تام لجميع الآخرين، الذين شاركوا في البناء؛ ومع هذا فهو يتساءل؛ أليس من الجائز أن يكون مُلوك “يهوذا”، قد كتبوا بأسلوب مُغايِر لما فعلهُ أندادهم غير اليهود، في الشرق الأدنى القديم؟ وهو يُجيب بأن الوسيلة الوحيدة لإثبات، أو عدم إثبات الزَعم، بوجود أسلوب كِتابة مختلف في “يهوذا”، هي العثور على نَقش ملكي يهوذي آخر، يمكن أن يُشكِّل أساساً للمقارنة.

غير أن الشكل الأسلوبي للنَقش، لم يكن هو موضوع النقد الوحيد، فقد توقَّف آخرون عند اللُّغة المُستخدَمَة فيه؛ وفي هذا الصدد، توصَّل “إد. جرينشتاين” (Ed Greenstein)، خبير اللُّغات الساميَّة، والأستاذ بجامعة تل أبيب، إلى أن هناك استعمالات لُغويَّة، وردت في النَقش، لا تنتمي إلى عبريَّة القرن التاسع قبل الميلاد – الزمن المُفتَرَض للنَقش – بل هي استعمالات أَخَذَت دلالاتها، بعد ذلك بقرون، وأساء، أو أخطأ من اختلق هذا النَقش، عندما أدرجها في النقش على أنها قديمة؛ ومن هذه الاستعمالات تعبير (ب ي د ك ب ا ي ت) (bedek bayit) ، وِفْقَ ما رسمهُ “جرينشتاين” بالأحرف اللاتينيَّة، الذي يعني في العبريَّة التوراتيَّة “تشقُّقات البيت”.

وقد وَرَدَ في النَقش، أن “يهوآش”، هو مَن صَنع هذه التشقُّقات، ما يعني أن هذه التشقُّقات، قد حدثت بسَبب تصدُّعات في البِناء، وخرابه، وهو خِلاف ما قُصِدَ من النَقش؛ فقد أراد مُختلِقَهُ أن يقول، أن “يهوآش” عَمل ترميمات في البيت، فاستعار تعبير “bedek “، كما تطوَّر في العبريَّة الحديثة، بمعنى “الترميم”، دون أن يعرف مدلولَهُ القديم؛ كذلك استعمل مُختلِق النَقش كلمة (ي د و ت)((edut ، بمعنى الشاهِد؛ “ليكُن هذا اليوم شاهداً على العمل؛ بينما لم تعرف العبريَّة التوراتية القديمة هذه الكلمة بهذا المعنى؛ فقد كانت تُشير إلى معنى “الميثاق”، أو “الاتفاق”، وتطوَّر بعض مشتقَّاتها في العبريَّة الحديثة، ليَعني “الشاهد”، فانتزعها المُختلِق من هذا الاستعمال الحديث، واستخدمها في النَقش “القديم”، ويستخلِص “جرينشتاين”، من هذيْن المِثاليْن، وغيرهما، أن النَقش مزوَّر، بالتأكيد.

كذلك تعرَّضت الأحرُف، التي كُتِبَ بها النَص للنقد الشديد، وهي قد أظهرت زَيف النَقش، فـ”روبرت دويتش” (Robert Deutsch) – من جامعة حيفا، وهو نفسه تاجر آثار – وَجَدَ أن النَقش عبارة عن “تزييف هزيل، وكائن خُرافي هَجين؛ فقد جَمع معًا، ما بين الأحرف المؤابيَّة، والفينيقيَّة، والعبريَّة”، كما ذهب إلى هذا الرأي “كريستوفر رولستون” (Christopher Rollston)، الخبير بالنقوش الساميَّة القديمة، ورئيس تحرير مجلة “Maarav” المتخصِّصة باللُّغات، والكِتابات الساميَّة، الذي رأى أنه “ليس من الصعب فضح التزوير في النَقش؛ لأنه ليس مُتقَن الصُنع؛ فهو يختلف كلِّياً عن جميع النقوش المؤكّدَة، التي تعود إلى لُغَة عصر الحديد العبريَّة – من حيث الدمج بين أشكال من أزمِنة، ولُغات مختلفة – حتى إنه لا يمكن أن يُؤخَذ بجدِّية، على أنه قديم”.

“البيوت
“البيوت
إلى الأعلى