مدوّنات

شهادة حية: يا حضرة الضميري الكاذب.. هذا ما حصل

حسناً إذاً، بما أن الضميري يعيد خطأه للمرة الثانية ويطلُّ علينا مجدداً بإنكار الوقائع التي شهدناها على الأرض وفي الإعلام، توجب عليّ الرد من باب التوثيق وفضح ما يُحاول إخفاءه، حيث أننا كلنا شاهدنا الفيديو الذي يُكذِّب فيه الضميري شهيدنا الباسل عام 2013، بافتعال جرحه الذي كان سببه اعتداء قوات الأمن عليه أثناء تظاهره.

سأقدم شهادتي توثيقاً لما جرى يوم الأحد ١٢ آذار، وهو ما ينافي ادعاءات الضميري، بأنه لم يتم الاعتداء أو إصابة أي فتاة.

لم أكد أصل مجمع المحاكم يوم الأحد ١٢ آذار، وإذ بسائق التاكسي يتفاجىء من هذا الكم من عناصر الأجهزة الأمنية يغلقون الطريق ويشكلون حاجزاً بشرياً أمام المتظاهرين المنددين بمحاكمة السلطة للمقاومين، “بدهم يحاكموا مقاومين وشهيد، عشت وشفت هيك لحظة”.

مشهدٌ لم أره من قبل، كنت أعلم أن الأجهزة الأمنية مدربة على أيدي أجنبية، أنستهم ارتباطهم بهذا الشعب وهذا الوطن، وسمعت قصصاً كثيرة تُثبت أنهم شركاء للاستعمار، ولكن لم يحدث أن شهدتهم في مواجهة مباشرة.

عندما حضرت إلى المظاهرة لم يكن في قلبي حقد على أفراد الأجهزة الأمنية، إنما على المنظومة ككل، وذلك لأنني جهدتُ لإقناع نفسي أنه لابد فيهم مَن ما زال ضميره حياً.

خابت ظنوني، فأبناء الأجهزة الأمنية الذين يتحدثون بلغتنا، و يلبسون زياً يطرزه علم فلسطين، ودروعاً تحمل صورة قبة الصخرة في منتصفها، كانوا عبيداً مغسولي الأدمغة، مكعبات بلا ضمائر، أطراف تتحرك بلا عقل بلا إدراك.

أعترف، حاولت الحديث مع بعضهم، حثّه كي يستيقظ، كي يكون رجلاً لمرة واحدة ويعصي أوامر سيده، أن يقول لا، أن يكون وفياً لدماء الشهداء، حاولت عبثاً أن أُذكره بإخوته من شهداء الكتائب، ولكن بلا جدوى.

احتد الاشتباك بين العناصر الأمنية التي تحاول قمع المتظاهرين الذين كانوا يرفعون وجه الباسل ليذكروا أبناء الأجهزة بعارهم، بشرفهم الذي فرّ هارباً في قدورة، عندما اقتحمت قوات الاستعمار ونفذت اغتيال باسل على مرأى ومسمعٍ منهم.

أمام هذه المظاهرة السلمية، كانت الدروع تتدافع والهروات تنهال على رؤوس المتظاهرين، تحركت كتلة ضخمة أمامي تقذف أوامراً لتوجه قوات دعم كانت خلفي مباشرة، “يلا تقدموا، إلى الأمام” .

كان هنالك الكثير من الحقد، الكثير من الضرب، اعتقالات من اليمين ومن اليسار، شابٌ سُحبت يداه إلى الخلف و أُنزل رأسه للأسفل، هذا بالنسبة لي أقسى لحظة ممكن أن أسمح لها أن تمر دون أن أُحرك ساكناً.

فهذا الشاب سيُجر إلى لا أدري أين ولكن سيكون أسيراً لديهم، لم أتمالك نفسي، لحقت بهم وحاولت إفلاته من بين أيديهم، فكانت قبضة إبن الأجهزة أكبر حجماً مني، حيث سحبني بقوة للخلف من حجابي ومعطفي، وترك لهم المجال ليتمموا عملية الاعتقال.

لم أعي ما حصل إلا عندما شاهدت الفيديو الذي نُشر فيما بعد، الشخصية التي اعتدت عليّ، كان في الميدان كالطفل الذي أعطيته لعبة ليلهو بها في ساحة البيت، كان يحمل رشاش الفلفل الحارق، ولم تمر لحظات حتى رأيت يداي ملطختان باللون البرتقالي، وأناس من حولي يمسحون ما رشه على وجهي بشكل مباشر، لم أحس بشيء بعدها.

كان هذا آخر مشهد أراه، فبعد الدخان المسيل للدموع الكثيف لم أستطع أن أفتح عيناي وكان وجهي يحرقني، ولم أكن أعرف إلى أين سأمشي وأنا لا أتمكن من الرؤية بتاتاً.

استندت على سور قريب ولكن الغاز كان يزداد حولي، وكدت أختنق و أنا مكاني، إلى أن التفتت إلي إحدى الفتيات وأخذت بيدي لمركز الإغاثة الصحية الذي كان يبعد قليلاً عن المكان. مشيت الطريق وأنا لا أستطيع فتح عيناي.

هذا ما مررت به يا حضرة الضميري الكاذب، ستقول أنني افتعلت أو ألفت، ربما لا أستطيع أن أؤلِّف دواوين شعر مثلك وبعدها أصبحت تنطُق بما لا ينطق به حمار.

لا أعتذر عن ما قلت، فمثلك قليل عليه ما ورد من شتائم، من لا يحترم دماء الشهداء، وتضحيات الشعب، يستحق أن يُحقّر وأن يُحطّ مِن قدره كل ثانية.

‏أخيراً، إنَّ ضرب السجين أو المتظاهر هو تعبير مغرور عن الخوف .. فلتخافوا، إنّ القادم سيُزعزعكم أكثر!”

“البيوت
“البيوت
إلى الأعلى