آراء

مشهدٌ لا رِياء فيه

اعتصار في القلب تظن أنه الأقوى منذ أن فهمت معنى الوجع في القلب، يطغى على كل الناس، بادٍ في عيونهم، اصطففنا في ساحة البيت بانتظار لحظة دخول الفارس، في قلوبنا انفجار وسكينة من هول الفجيعة، أحقاً خسرنا باسل!؟ ونبكي الآن على حالنا من بعده!؟ لحظات انتظار الأبطال ليس كأية لحظات انتظار، بعد ١١ شهرا ونصف من الغياب في سجون السلطه وفي ربوع الوطن مطارداً من الاحتلال، يعود الفارس، في ساحة البيت انتصبنا ننتظر لنؤدي التحية، الدموع لا تبخل، البنات يحملن سلال الورد لينثرنها على العريس، 21 رصاصه يقول الرفاق، اعتصار في القلب أكبر، 21 رصاصه في جسم الفارس تساوي 21 رأس، وهل كل الرصاصات سواء؟! نزلت الرهبة والهيبة على المشهد المهيب والانتظار لا يطول، الانتظار الذي لا يشبه أحدا، حتى للانتظار وقع آخر في حضرته، وخيالنا يرشح بمشاهد من جنازات شهداء سابقين.

كيف سيصل الحبيب؟، محمولاً على الأكتاف؟ يطوف في ساحة الدار؟ يتربع في قلب البيت والقلوب من حوله تفديه؟ يتفقد حال الجميع ويبتسم، يدور بؤبؤ عينيه دورةً حول نفسه ويستقر في الأرض خجلاً كما كان يفعل؟. وعندما وصل، ترجل الباسل من حصانه العربي الأصيل، ربطه في مدخل الولجة مدخل البيت، رفع يده اليسرى يحيي الناس (فاليمنى كما تعلمون في وضعية الاستحكام تضغط على الزناد)، مبتسما ابتسامة واسعه لم نرها يوماً، انهال الورد مع الزغاريد، سار باتجاه ساحة البيت وصل إلى القلب، طاف طواف الإفاضة وامتطى الأصيل وانطلق مقبلاً غير مدبر.

لم نشهد، أن فعل باسل شيئاً بلا معنى، وعندما اختار السَّله، وهي من شيمه وأصله، وفيها الرسالة لكل مظلوم صابر على الظلم، وأما نحن أهل البلاد فقد اختصنا بالوقت والتوقيت، يعلم أن القِطاف قد حان، وأن دمهُ سمادٌ لأرض الكرامه والكرم.

لم نشهد، أن فعل باسل شيئا بلا معنى، امتطى خيله من بدايةِ “الطريق”، على يساره الناس والبيت وعلى يمينه المستوطنة والجند، وجسده كامن في وضعية الاستحكام، صعدنا الى الشارع، ليكرمنا الله ونكون شاهدين على مشهدٍ جعل من الزمان مفترق طرق، تكتب له الكتب ويشتبك لأجله المشتبكون، وتتصافى لأجله القلوب والعقول، ويتعاهد منا مع بذرةٍ يزرعها تخدم الادراك والكيان والمحيط.

وما إن رأينا الجيش يحيط المستوطنة على طول الجدار، زغردنا بأعلى الصوت والدموع تنهمر “كي لا يشعر العدو للحظه أنه هزمنا”، لن يشعر المحتل الواقف من أعلى سور المستوطنة، أمام جنازة الباسل، إلا بالانهزام.

وتحولت الولجه إلى بحر يجود بالناس والغناء والأهازيج والدموع والزغاريد وابتسامة أم الشهيد، في كل ثانيةٍ يا عباد الله، مشهد، يفتح في خلاياكَ أفاقاً وعزيمة، مشاهد لا رياء فيها، تؤكد بأن باسل لا زال وسيظل يعلمنا ويعطينا العبر ويوجه لنا الطريق حتى بعد السادس من آذار، ويا لكرمه حين قال فلتبحثوا أنتم، بعد أن علمنا بالحب والصدق معنى الاشتباك بالرصاص والدم.

عندما قال باسل: “أسير الى حتفي راضيا مقتنعا وجدت أجوبتي”، وجه باسل بذلك بوصلة هذا الجيل، ولم يعطِ في وصيته غير الفاقدة للبلاغة حلاً واحداً بل كان أكرم حينما، قال: ” فلتبحثوا أنتم” بعد أن صحح المسار ورفع السقف فوقنا عاليا، وأعاد الإيمان في المقاومة كفكر عليه أن يسود وأن يُعمل به، كل في مساره ومجاله، لكن المعلم ذكَّرنا، انه لا يوجد أبلغ أو أفصح من فعل الشهيد.

يسير العرس باتجاه الأبدية، يسير الباحثون عن أجوبتهم خلف البطل ابنا لهذا الشعب، رفيقا لهذا الجيل، أملا للجيل القادم، وحتى يكتمل المشهد أصالةً أدى أبو الشهيد الرسالة لأبناء جيله هو، بوقفةِ عزٍ وشموخ أدى التحية العسكرية ومن بعده أبناؤه، تحيةً للفارس المغوار، ضج بحر الناس وهتفوا لجبروت المشهد، وفي القلوب رددنا بايعناك بايعناك.

مشينا باتجاه القدس وراء الفارس، حافظين عن ظهر غيب وصيته التي كتبها أهل الولجة على جدران بيوتهم، وعلا صوتٌ من بين الزحام تعرف أنه لأمٍ من أمهات الولجه، إذ قالت بصوت واثق وهي تقرأ العبارة المكتوبة على السور، “عِش نيصا وقاتل كالبرغوث”، فردت أخرى: “هاظ هو قايلو وشارح عنو، قراني اياه محمود”، اسمع يا صديقي معنى التفاعل اللاسلمي يفيض بالأرجاء.

سألته مرةً عن معنى البندقية المعلقة على الحائط، (وكان ذلك استشارة حول ورشة تصوير مشروع الدقيقة الأخيرة) قال انتهى عملها، وعن المركونة على الحائط؟ قال إذا كانت فوهتها للسماء فصاحبها يستريح قليلا، على أُهبة الاستعداد، غزت هذه المكالمة عقلي، ونحن جالسين على تلةٍ ننظر إلى الولجة القديمة (الأصلية) وقرية الجورة المهجرة والتي بنيت من فوقها مستوطنة “اورة”، تلاصقها قرية المالحة، تتوسطهن مقبرة الولجة، ننظر إلى الجموع تتهافت من حول الفارس، فسأل طفلٌ صغير كان يجلس بجوارنا مع شاب قريب له، سأله بعد أن نظر في الناس والأعلام والغضب والهتافات: – وين الجيش !؟

قريبه: قتلهم باسل كلياتهم.
الطفل مستغرباً: والي شفناهم عند المستوطنه؟!
قريبه: هدول جداد جابوهم اليوم.
الطفل صدَّق الرواية وأكمل هتافاته مع الهاتفين.

وكيف نرسم مستقبل أرضٍ لا نعرف ماضيها؟، كان هذا باب العلم الأول في منهاج الباسل، وأن ماضيها يضج بأفعال المقاومين، من زقاق الموت في الخليل وحتى طائرات اليعسوب في ترشيحا، وبطولات مرج ابن عامر وسهل جنين، واستبسال البحريّ في ناحل عوز وقصص الشجاعية، وانتفاضة السكاكين وقصص تطول عن الأبطال كما وصفهم الباسل “قاطعو طرق بمشروع سياسي”.

كان باسل ذو التزام أخلاقي عالي، يجعلك تعيد صياغة وعيك وترتيب الضمير وإدراكك لذاتك والمحيط، تخيلو أنه فعل هذا بكل من التقاه، وكلنا شهود.

لم يكن باسل مثقفاً يسعى لخدمة نهجٍ سياسي أو النضال السياسي بمفهومه العام، لم يسعَ يوما إلى الاشتباك مع مثقفي العدو، كان يسعى إلى خلق ثقافة ومعرفة مقاومة تسود وتصبح نهج حياة، فلم يعلمنا المعلم نظريات من سيكولوجيا الجماهير وعلم المقاومة وقصص الأبطال فحسب، وإنما طبقها حرفيا، فمن لم يدرك الدرس نظرياً أدركه عملياً.

“البيوت
“البيوت
إلى الأعلى