آراء

ابتسامة أم السعيد

“عددوا المهرة وهاتوا البارودة..زفولي الباسل لباب العامود” هكذا خرج جثمان الثائر باسل الأعرج مودعا ذكرياته على عتبات منزله إلى مثواه الأخير.

وصلنا للولجة، حشودات جماهيرية واسعة، عيون مترقبة، الكل ينتظر بلهفة الاشتياق وداع الباسل.. جلست هناك على عتبات المنزل وبدأت التحديق في وجه والدة الشهيد “أم السعيد” بقيت أحدق في ملامحها ساعتين، تُرى بماذا تفكر؟، لم كل هذا الصمت؟، وأقول في عقلي هيا إبكِ، أعلم أنك أقوى منا جميعا، ولكني غرقت في التفكير، كيف سترين الباسل؟، ماذا حل بجسمه؟، كم رصاصة اخترقته؟، لربما رأيت في وجهك تساؤلات عديدة، الكل ينظر إليك وأنت بقلبك وعقلك عند جثمان الباسل، أتساءل تُرى أين خبأت دمعتها وهل سنراها اليوم أم سنرى ابتسامة ستكسرنا جميعاً ..

بقيت صامتة قوية العزيمة، إلى أن جاء أحدهم وقال: “باسل وصل المستشفى ونصف ساعة ويكون هنا”، في هذه اللحظة حين شعرت أم السعيد باقتراب عناق الوجع والقبلة الأخيرة بكت أم السعيد وتسربت دمعاتها ولكن سرعان ما مسحتها وأخفتها، وهنا تذكرت مقولة لباسل بأن “بكاء أهل الشهيد حق وعلينا أن لا نستنطق البطولة والتحدي دائماً، فنحن بشر ولدينا مشاعر وأحاسيس”.

في اللحظات الأخيرة قبل قدوم الباسل، قوة في العيون، وصمود رهيب، حملنا الزهور وسلال الورد، تحضرت النساء والصبايا على الجانبين “بدكن تغنيلوا زي ما طلب، لا تخافوا جهزنا كل شي”، في تلك اللحظة كان هناك صبر يحيط بكل من هو موجود ولم نر دموعاً بل رأينا لهفة لقاء في عيون كل الحاضرين، إلى أن دخل أحد أبناء عمومه وكانت عيونه قد اغرورقت بالدموع “لا تبكو الرصاص كلو بوجهو كلو بوجهو لا تبكو”.. فردت أم السعيد، “ولا دمعة”، فكانت الأقوى بين الحضور التي خانتهم دموعهم وبدأت بالتساقط.

عيون مملوءة بالصدق وحب الباسل ترقبت كل ثانية وصوله بعيداً عن النفاق والكذب، زهور انتظرته علم فلسطين شامخاً بعيداً عن أية أعلام أخرى، جنازة فلسطينية خالية من أي مناكفات سياسية، قرية صامدة رغم الألم وسعت جسده الطاهر ومشيعيه.

دقائق وكان جثمان الباسل محمولاً فوق الأكتاف، استقبلته المشيعات بالزغاريد والأهازيج كما كان يتمنى أن يزف وسط إطلاق للمفرقعات النارية..نُثر الورد على جثمانه وسط هتافات ممزوجة بدموع ألم ووداع لم يكن ينتظره أحد” مع السلامة يا باسل مع السلامة يا غالي” حين قدموا حاملين جثمانه الذي كان بوضعية الاستحكام كما قال الأطباء” لفو الشهيد بدمو ألف تحية لأمو”
“باسل ما مات ترك ورا بواسل بواسل وراح يجي الف باسل”..وقفت أم السعيد وسط دموع النساء وزغاريدهن مبتسمة مكبرة حين رأت وجه الباسل للمرة الأخيرة.

“عددوا المهرة وشدوا عليها، نادوا للباسل تيركب عليها”..كانت تلك الدقائق سرعان ما مشت لكل من عرف الباسل وأحبه فخرج من عتبات المنزل كما أراد مكللاً بالزهور.

هناك خارج المنزل كان والد الباسل مؤدياً تحيته العسكرية لـ21 رصاصة اخترقت جسد الباسل وبقي يقاتل لآخر رمق، وابتسامة والدته قائلة :”دم باسل مش رخيص ونصبر ما بننسى” تابعها زغاريد كما طلب الباسل وهتافات أشقائه.

مثقفاً مشتبكاً كان الحي فينا تاركاً وراءه علامات سؤال كثيرة خلفه، كل شهد لجنازته أسوار القرية المزينة بصوره، أطفال حاملي الأعلام مرتدين قمصان تحمل صور الباسل حجارة انتفضت في جنازته تكبيرات صدحت حتى وصلت داخل المستوطنات وسط حشود جنود الاحتلال، هكذا ودع الشعب باسل.

دقت ساعة الوداع الأخيرة، الساعة التي لم ينتظرها رفاق الباسل وعائلته، لم تنتظرها كتابات الباسل وما قرأه..إنها لحظة دفن الباسل التي سبقها تحية عسكرية أخرى من والد الشهيد ودموع رفاق مخبأة بتكبيرات” عيد عيد عيد باسل الأعرج شهيد”..هناك من اتكأ على صخرة ومن نظر مطولاً إلى حشود المشيعين عائدة بلا باسل ، عائدة بفكر الباسل ونهجه.

وجوه امتلأت بحزن ممزوج بأمل أن ما حصل اليوم هو شهادة على أن باسل حيٌ في كل شخص فأفكاره صامدة لم تمت، عاد الجميع من الدفن يتحدثون فيما بينهم عن ابتسامة الباسل والدموع تذرف على وجوههم، يتحدثون عن ذلك المهرجان الذي لاق به واستحقه، عاد الجميع وهو يفكر بما تركه الباسل في وصيته “هذا سؤالكم أنتم الأحياء فلماذا أجيب أنا عنكم فلتبحثوا أنتم؟”

إلى الأعلى