آراء

رام الله ليست “عاهرة”

لماذا كل هذا التعهير؟، فالتعهير بات طريقة سالكة بين صفوف شعبنا طيب الأصول والأعراق، فالنيل من الرموز السياسية والوطنية والأكاديمية والدينية بات مباحا، والتشهير بات سمة سائدة، وأجزم بحق المعرفة أن هذا المنهج التعهيري يجعلنا غير متفقين على شيء، فلا حصانة لسياسي أو أكاديمي أو شيخ دين أو حتى شيخ قبيلة أو مثقف أو حتى مواطن… فحقوقنا الشخصية يستبيحها البعض، وحقوقنا الجمعية مستباحة أيضًا.

من أين لكم كل هذا الحقد وكل هذه الكراهية، كم أمضيتم من حياتكم حتى تتعلموا فنون وأساليب بثها بين الناس وافتعال الفتنة تلو الفتنة للاستفراد بالوعي العام وسلب كل مقومات الحكم من المواطن الذي يجد نفسه تائها بين أقوالكم وأفعالكم غير قادر على معرفة الصواب من الخطأ، أوليس هذا ما بشرنا به حينما بدأ الحديث عن الفوضى الخلاقة؟، أوليس هذا الذي يدفع المواطن العربي ثمنه حاليًا نتاج تعرضه للتضليل والتسويف والخداع.

وفي حالتنا الفلسطينية لا يمكن القبول بمنطق سريان التعهير والتشكيك، فلا يمكن قبول تعهير رام الله من أبناء جلدتنا، كما لا يمكن قبول تعهير الأشخاص والرموز والأماكن الأخرى في وطننا الذي دفعنا وندفع وسندفع أثمان باهظة لحمايته.

رام الله المدينة الوادعة التي ذكرها أحد المؤرخين الفلسطينيين في كتاب له باسم “تلال الله”، لا تستحق من كل الناعقين بلغاتهم وألسنتهم المعوجة ما يقال عنها، فهي التي فتحت ذراعيها للكل الفلسطيني حتى لمن نعق بحقها وأساء لها.

رام الله مدينة متسامحة ومتساهلة مع كل من دخلها، ورام الله أكبر من أن تتحول إلى مجرد ألعوبة خطابية أو ثقافية أو حتى دينية لدى البعض ممن يشربون من الكأس ويبصقون فيه.

رام الله باقية على تلال الله متسامحة عن كل ما لحق بها من أذاكم لأنها هي هكذا بتنوعها وصبرها وحكمتها ووطنيتها، لكنها لن تتسامح مع كل من حاول أو يحاول دب الفتنة بين أهلها وسكانها، ومع كل من ألصقوا بها تهما جائرة وشتموها بأوصاف خرجت من حناجرهم المتواطئة أو أقلامهم المأزومة بدمها وحبرها وأوراقهم المبعثرة.

فتعهير رام الله لا يمكن فصله عن منهج التعهير السائد لدى قيادات وبعض من يسمون أنفسهم بـ”المثقفين”، فمن يعطيهم حق التعهير والشتم والقدح والذم والإهانة؟، ومن أعطاهم حق منح أوسمة الطهارة والعفة وإصدار أحكام العهر والزندقة؟!.

ويستحضرني في هذا المقام قصة ملك الغابة “الأسد”، حينما استخف به” الواوي” أمام الحيوانات قائلا له: هل حقا أنت ملك الغابة؟، فرد عليه الأسد: نعم، فقال له الواوي: أثبت لنا ذلك!، فسأله الأسد: وكيف أثبت لك ذلك؟، فقال له الواوي: اسمح لي أن أربطك بحبل حول الشجرة فإذا كانت لديك القوة في فك وثاقك فإننا نعترف بأنك ملكًا للغابة ولك ننصاع.

فأحرج الأسد ولم يكن أمامه سوى القبول، فشد الواوي وثاقه حول الشجرة، ولم يستطع الأسد أن يفك وثاقه، وبقي مربوطًا حتى خرج من الشجرة فأر جائع فأخذ يقضم الحبل حتى تحرر الأسد.

فأسرع الأسد إلى عرينه وحمل أمتعته تاركًا الغابة، فوقفت الحيوانات مذهولة من رحيل الأسد، فسأل لماذا الرحيل عن الغابة، فرد عليه الأسد بعبارة مشهورة: “البلاد الي فيها الواوي بربط والفأر بحل ما بنقعد فيها”.

ورغم ما تحمله هذه القصة من معاني متنوعة، فإن أسود رام الله باقون يحرسون منارتهم وتلال قراهم وبلداتهم، ويحمون كرامة كل من فيها برموش عيونهم، ولكل من عهر ويعهر الأماكن والرموز يكفية القول: “الإنسان صنيعة بيئته”.

“البيوت
إلى الأعلى