أخبار

الحُملان لا تحميها الذئاب

الخليل – قدس الإخبارية: الواحدة والنصف ظهرا، حضر جيب عسكري إسرائيلي إلى المنطقة القريبة من مدرسة التواني الأساسية، المهمة هذه المرة ليس لاعتقال “مواطنين” كعادته، بل اصطحاب 14 طالبا من المدرسة إلى منازلهم في قرية الطوبة، ومغاير العبيد، الواقعة جميعها جنوب مدينة الخليل.

يسير الطلبة خلف الجيب يوميا مسافة 7 كيلومترات ذهابا وإيابا، الذي بدوره سيمررهم من داخل مستوطنة “معون” التي تفصل قراهم عن مدرستهم، كون لا طريق أخرى للوصول على المدرسة سوى من داخلها.

يتحرك الجيب يوميا بالتنسيق بين ارتباط الاحتلال، والارتباط الفلسطيني، حيث تعد إدارة المدرسة جدولا شهريا بمواعيد الدوام، من أجل توفير حماية للطلبة الأطفال من اعتداءات المستوطنين داخل المستوطنة، لكن حتى الجنود الذين يؤمنون تجاوزهم لا يشكلون حماية لهم.

تتربص أعين المستوطنين بالطفل حمزة جندية (13 عاما)، وزملائه، ويتحدث عن تعرضه للضرب مرات ومرات، وعن شعوره بالخوف خاصة عندما يطل المستوطنون من النوافذ، ويقذفونهم بالحجارة، ويقول: “المستوطنون يهجمون علينا، ينظرون إلينا من خلف النوافذ ويضحكون، ويرشقوننا بالحجار، ويقومون بتخويفنا، نمشي مسرعين لنخرج من المستوطنة”.

الأمر لا يتوقف هنا، فالأطفال مضطرون للانتظار ساعات أحيانا في انتظار وصول الجيب، ولا مكان لهم في هذا الانتظار الطويل سوى خيمة صغيرة، نصبتها المدرسة على إحدى التلال القريبة المطلة على طريق المستوطنة، ليتسنى لهم رؤية الجنود وهم قادمون، ولكن في بعض الأيام يكون البرد أقوى من مراقبتهم لوصول الجيب، فأيديهم المرتجفة، ورؤوسهم المحنية لبث البخار في محاولة للتدفئة، تكون في لحظتها، أهم من أي شيء.

أحيانا، ينتظرون طويلا، ولا تأتي سيارة جيش الاحتلال، فيضطر الأطفال للسير مسافة مضاعفة أي نحو 14 كيلومتر، عبر طرق التفافية جبلية وعرة تحيط بالمستوطنة، وهناك يتصيد المستوطنون للصغار مجددا، وضربهم بالحجارة، والعصي.

يذهب الأطفال مع الجنود وحدهم، وكل محاولات مرافقتهم من قبل أحد من عائلاتهم، أو من الطاقم التعليمي قوبلت بالرفض من الاحتلال، يقول مدير المدرسة محمد أبو الحلاوة: “رغم خطورة الوضع، إلا أنه لا بديل لدينا، الطلبة يريدون التعلم، ولا يوجد سوى هذه المدرسة”.

حال القرى الثلاث (التواني، الطوبة، ومغاير العبيد) يرثى له، فالطوبة أول قرية بعد مستوطنة “معون”، وتقع على بعد كيلومتر واحد منها، ولا تصل إليها المواصلات لوعورة طريقها، لكونها جبلية أولا، والوصول إليها يحتاج لشق طريق معبد، أما ثانيا، فلا بديل لطريق تصل القرية بالعالم الخارجي، دون المرور بالمستوطنة، أو حولها.

حوادث عدة مرّ بها طلبة المدرسة، أصعبها كانت حين أتهم مستوطنون طالبتين بسرقة وردتين من أطراف المستوطنة، حينها جاء جنود الاحتلال واعتقلوا الطالبتين إلى مستوطنة “كريات أربع” حينها اضطر أبو حلاوة للاتصال مع الارتباط الفلسطيني قال: “ساعات من التحقيق من أجل وردتين”.

كل هذا يحصل مع 120 من طلبة المدرسة القادمين من قرى: التواني، والمفقرة، وسوسيا، وطوبا، ومغاير العبيد، والجوايا، وأجزاء من يطا، هؤلاء يصرون على التعليم، وحتى مدرستهم تئن من فقر الخدمات والتجهيزات من ساحة ملعب وصالة ألعاب رياضية للطالبات وأجهزة حواسيب، خاصة وان المنهاج الفلسطيني يعتمد على الادوات التكنولوجية، لذا فالمعلمون يضطرون لإحضار حواسيبهم الشخصية لعرض المادة للطلبة.

المستوطنون ذاتهم من يعمدون بالاعتداء على صغار المدرسة، يعتدون دائما على الثمانينية فاطمة الهدار، وهم من حطموا أسنانها، بعدما ضربوها بحجر كبير على وجهها، لم تملك للدفاع عن نفسها سوى عصاها التي تتوكأ عليها في مشيها.

لم يكتفوا بما فعلوا بها، عادوا ليسمموا بئر المياه القريب منها، رموا فيه دجاجا ميتا مطعم بالسم، قالت فاطمة: “أرادوا قتلي، لكني اكتشفت فعلتهم باللحظات الأخيرة”.

التواني ليست وحدها في يوميات القهر، فقرية أم الخير المجاورة، تشهد اعتداء للمستوطنين جهارا نهارا وفي كل حين، أقساها يتم على منزل عيدة ياسين، التي تسمع تهامسهم بمحاذاة غرفتها منتصف الليل، بعدها يرشقون الحجارة على النوافذ والأبواب.

منزل عيدة، غرفة واحدة، لا تبعد أكثر من عشرين مترا عن منازل المستوطنين في مستوطنة “كرمئيل” المقامة على أراضي المواطنين هناك، يفصل بينها وبيهم أسلاك شائكة فقط، ولأنها أمية لا تعرف القراءة والكتابة، استغل جنود الاحتلال ذلك، أتوا إلى منزلها وأجبروها على وضع بصمتها على ورقة والسلاح في رأسها، وفي اليوم التالي هدموا بيتها.

تقول: “لأنني لا أعرف أكتب بصموني”، ثم عاد الجنود بعد مدة قصيرة، أخرجوها، وهدموا مأواها الوحيد، إلى الآن هدمت غرفتها أكثر من سبع مرات.

عيدة حالة من بين 200 شخص يقطنون أم الخير، ليس بوسعهم البناء بسبب التهديد الإسرائيلي المستمر بالهدم.

العام الماضي فقط، تجاوزت الخسائر 600 ألف يورو، قدمها الاتحاد الأوروبي ضمن مساعدات، بلغت قيمتها خلال السنوات الثلاث الماضية 33 مليون يورو للمناطق المسماة “ج”، والخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية.

هذه المساعدات قسمت إلى مساعدات تنموية، وأخرى إنسانية، تتركز على بناء المنشآت المؤقتة، ودعم التجمعات البدوية في 22 موقعا من المناطق المصنفة “ج”، في مختلف مناطق الضفة الغربية، وتقديم الاحتياجات الأساسية للحياة، فيما تتركز المشاريع التنموية على بناء رياض أطفال، وعيادات طبية، وإضافة غرف صفية إلى المدارس، كذلك عمل شبكات طرق، ومياه.

وفي حال عزم الاتحاد الأوروبي على تنفيذ أي من المشاريع هناك، فإنه يتقدم بطلب للجانب الإسرائيلي بالمخططات الهيكلية، ثم يمهله مدة 18 شهرا، للرد على الطلب، وفي حال عدم وجود رد، فإن الاتحاد يأخذ على عاتقه تنفيذ المشروع.

وفي أم الخير وحدها، وفّر الاتحاد 23 منشأة، حصلت ستة منها على أوامر بالهدم، بحجة أن المواطنين لا يملكون تراخيص للبناء فيها.

عيدة لا تعرف لغاية الآن متى تنشب الجرافات الإسرائيلية مخالبها، لتلتهم غرفتها وغرف المواطنين هناك من جديد، لكنها قالت:”ليس بوسعي الذهاب إلى أي مكان آخر، إذا هدموها، سأبنيها”.

“البيوت
“البيوت
إلى الأعلى