الثائر باسل

إنّهم قد جنحوا للسلم فاجنح للذخائر

في خضمّ هذه الحالة المأساوية التي نعيشُها من التاريخ، وفي الوقت الذي سادت فيه مفاهيمُ الانتفاع على التضحية، وعلا فيه الصوتُ الناشزُ عن نغم الثورة، وبرز فيه المُثقفون الزائفون والمُخادعون والمُتسلقون على تضحيات الجميع، عادت قضيتنا مرةً أخرى لتُثبت، كعادتها، أنّ حياةً لا تزال تنبض في قلب الشرفاء، وأنّ صوت الثورةِ لا يُمكن أن يخبو بسهولةٍ تخيّلها بعضنا، فتُرسل لنا ريحًا من الجنة على هيئة أمثال باسل الأعرج، لتقول لنا مُجددًا، أنّ الثورة الفلسطينية مُستمرة بهؤلاء، وتطلق فينا نداء خالدًا لم يخبُ يومًا أن فينا خاب من تولّى.

شهدت قضيتنا في صراعها الأزلي مع الاحتلال نماذج خالدة في مقارعة العدو عرفت بثورية روحها وعمق انتمائها وإبداعها في الشكل الذي ارتأته مناسبًا فاختارته لنفسها فداءً لقضيةٍ خالدة، شهدنا تنوعًا فريدًا في صور المقاومة والاشتباك، وعهدنا أسماء عظيمة سكنت قلوبنا وألهمت أرواحنا وكانت سببًا في إيقاظ وعينا الثوري من سباته المُتكرر، أمّا النموذج الذي تقدمه الثورة هذه المرة فلم نعهدهُ بهذا الشكل من قبل بلا أدنى شك، ولا بدّ أنّه يستحقّ الوقوف مرارًا والتأنّي في الدراسة جيدًّا.

الأنموذج الذي قدمهُ باسل باستشهاده للتاريخ وللثورة ولنا أنموذجًا جمع بين الوعي والروح والتطبيق، فرادةُ المحتوى الفكري الذي يطرحهُ باسل كافرًا بكل ما بات يُشكل جزءًا طبيعيًا في حياة الفلسطيني، عدم المُهادنة في الخطاب والترفّع عن الاستقطاب الفصائلي أو التنظيمي، المُعاداة والاشتباك مع كل ما هو خائن لقضيّتنا شخصًا كان أم إطارًا، التدرّج في العمل المقاوم والدمج بين أشكاله المُختلفة، فكريّة وسلميّة وعسكريّة، هذا الأنموذج الشامل فريد من نوعه، ولا يُمكن أن تصادفهُ كل يوم.

باسل أعاد صياغة تعريف المُثقف لنا مرةً أخرى، وصحّح مفاهيم خاطئةً لدينا شكّلتها عوامل غياب المُثقفين المُشتبكين في زمن الانتفاع والزيف، هو الصادق الذي يجمعُ وطنيّة روحهِ الثائرة مع الوعي بقضيّةِ وطنه جيدًا، هو أولّ من يقاوم وآخر من ينكسر، ولا يكون انكسارهُ إلا انطلاقًا لمزيدٍ من الفعل المُقاوم، هو حالة نادرة في صدقِ شعورها وفعلها وكلمتها يعجزُ الجميع عن استقطابها لصالحهم فينبذونها، هو الذي يدفعُ ثمن كلمته وقلمه غاليًا من دمه. باسل دعانا إلى الوعي، وكان وعيه ثورة.

كثرتُنا لم تكن على قربٍ من الفكر النضاليّ الذي طرحه باسل في حياته، ولم تتعرّف على شخصيّته إلا بعد وفاته، وهذه الحالة ليست غريبة، بل مألوفة ويشهدها التاريخ، فلا يأخذُ الفكر عادةً شكلًا مميزًا ويبرزُ في منهجٍ واضح المعالم يُمكن التعرفُ عليه ودراسته وتبنيه والمُناداة به إلاّ بعد قضاء صاحبه. أضف على ذلك أنّ الأطروحات الثورية كثيرة ومن غير المُمكن الوصول إليها جميعًا، وخاصة في حالة تكوّرها وانبثاقها عن غير المُتأطرين من الشباب، فيكونُ صوتها خافتًا ولكنّه مسموعٌ من الاحتلال جيدًا.

ثم نقول إنّ الحالة الوحيدة التي تقطعُ بشكل نهائيّ بصواب الخطاب المطروح وفرادته وطُهر صاحبه وصدق ثوريّته من بين كل هذه الخطابات هي في اغتيال صاحب القلم وبتر الصوت عن المناداة مُجددًا، فالتصورات مُتعددة، والأقلام التي تكتبُ كثيرة، وبالتالي فإنّ عملية اغتيال بعض هذه الأقلام ببساطة هي عمليّةُ تصفيةٍ للخطير منها عن الآمن بالنسبة للعدو، وللفريد منها عن العاديّ بالنسبة لنا، وباختصار هنا، من الصعب أن تُكمل نهارك حيًا أو حرًا وعدوك يرى في قلمك أيّ خطرٍ عليه، والعدو هنا مُتعدد الأشكال. باسل دعانا إلى مراجعة أقلامنا مرةً آخرى فخطرُ القلم لا يقل عن خطر السلاح، غسان كنفاني وناجي العلي مثالان واضحان.

باسل كان باحثًا ملمًا وصاحب قلمٍ جريء، كتب باستمرار ضد سياسات الاحتلال وحذر من مخاطر التطبيع والمُهادنة، أطلق نظرياته في تعريف المُثقف والشهيد ثم لم تستو له حياةٌ أو يطيب له عيشٌ حتى جعل منها واقعًا حيًا ومثالًا حقيقيًا، وحين كانت كذلك بات باسل ليلتهُ في السماء. لم ير شيئًا قط أفصحُ وأبلغُ من فعل الشهيد فمنحهُ الله ما أراد وجعل منه مثالًا صادقًا لفعل الشهيد. دعا المُثقفين إلى الاشتباك وكان أولّ المشتبكين. أراد باسل من المُشتبك أن يكون مُثقفًا فبغير ذلك كان قاطعًا للطريق أكثر من كونه ثائرًا، ومن المُثقف أن يكون مُشتبكًا لا يُهادن في خطابه، ولا يُصاب قلمهُ برجفة الخوف أو التردّد حين يكتب، يشتبكُ مع الخيانة أينما كانت، المُثقف المُعادِي والمُعادَى، يكرههُ الزائفون والمُتسلّقون والمُنتفعون لأنّه يفضحهم دائمًا، المُثقف الذي لا يُسقط ثوابتهُ ولا يخونُ مبادئه، وباسل جمع بين الأمرين، فكان مثقفًا مشتبكًا، بكلامه وسلاحه، وكان اندفاعه إلى الشهادة حلمًا وعشقًا لطالما انتظرهُ واقعًا يذوقُ بفعلهِ لذّة تجسيده لكلامه،

باسل دعانا إلى أيّ شكلٍ من أشكال الاشتباك نراه لأنفسنا مناسبًا.

“البيوت
إلى الأعلى