الثائر باسل

القلب الباسل في أربعينه

يعرفُ عَددٌ لا بأسَ به من الأصدقاء مدى ولعي بفيلم “قلب شجاع”، أو Braveheart، الملحميّ، الذي يصور ثورة وليام والاس، قائد المقاومة ضد الإنجليز المحتلين لإسكتلندا إبّان حروب استقلال اسكتلندا.

أشاهدُ هذا الفيلم منذ سنين كلّما شعرتُ بالمَلل أو ثبطت عزيمتي. هكذا، كمن يجد ثلاث ساعات فراغ يريد أن يملأها بعملٍ مفيد؛ أو عندما أحبط ممّا يدور حولي لمّا أرى زميلًا سابقًا قد تجنّد للخدمة العسكرية أو حتّى أن استشهاد شابّ على حاجز قلنديا أصبح مشهدًا روتينيًّا عابرًا.

لطالما سحرتني شخصيّة ويليام والاس؛ هذا الثائر المغوار الذي عاد لبلاده المحتلّة شابًا بعد انقطاع وجلّ ما أراده هو أن يعيش “حياة طبيعية” بكرامة وهدوء. ومع الوقت، أدرك أن ليس هنالك عيشٌ كريم تحت رحمة محتلّ، وسرعان ما تحوّل لـ”قاطع طريق في مشروع سياسي” رغمًا عنه وباختياره معًا. أدرك والاس بعد خسارته أهله وزوجته ما فهمه باسل منذ البداية؛ أن الخلاص الفردي كذبة، ويجب علينا أن نسعى لخلاص جماعي كي نحصّل أدنى حقوقنا الطبيعية والأساسية كبشر. وهكذا، نضطرّ إلى حمل مشروع سياسيّ ونتحوّل إلى ثوّار.

في يومِ استشهاد باسل –تقبلّه الله وجمعنا وإيّاه في عليّين- سمعت صديقًا يقول، “إنتوا بتعرفوا إنّه حكم تهمة باسل سنتين؟”

تعجّبت، صمتت لوهلة وسألت بعدها نائحةً: “عنجد؟! بس سنتين؟.. الله يسامحك يا باسل، على سنتين بس؟”، فردّ عليّ قائلًا: “سنتين ولا يومين، هون بالزبط الفكرة: هو رفض واستشهد عشان المبدأ”.

بعد انتهاء أيام العزاء وعودتي لمنزلي استوقفتني هذه المحادثة، وفكّرت مليًا فيما قاله هذا الصديق. لم أصدّق ما يعالجه عقلي. استحضرني مشهد ما قبل إعدام والاس بعد أن غُدِرَ من نبلاء اسكتلندا وسلّم للعدوّ (يسقط التنسيق الأمني بين الاحتلال وأعوانه في كلّ مكان وزمان)، فيه تنزل أميرة إنجلترا لزنزانته لتتوسّل إليه ليعلنَ الوفاء للملك كي ينال الرحمة، فيقول: “لو أعلنت الوفاء له الآن، لو خضعت له، فكلّ شيءٍ أمثّله سيموت”. لم أستطع إلا أن أقارِبَ بين البطلين.

تمتدّ أفكار المقاربة إلى يوم الجنازة، عندما اكتشفنا بأن باسل قد تعرّض لـ21 رصاصة، مقبلًا غير مدبر، استمرّ السيناريو بالدوران في رأسي. إذ أنّها عندما ترى أنه لا طائل من إقناعه بالتخلي عن ثورته حتى النهاية، تعرض عليه مخدرًا لئلا يشعر بآلام التعذيب، فيقول: “يجب على حواسي كلّها أن تكون حاضرة، فلو خدّرت نفسي وفقدت إحساسي بآلامي وتعذيبي؛ سيكون إدوارد طويل الساقين (ملك إنجلترا) قد انتصر عليّ”. كان بإمكان رصاصةٍ واحدة أن تنهي حياة باسل، أو تجعله يستسلم لموته ورميه السلاح جانبًا؛ لكنّه جابَه حتّى النهاية، حتى استنفذ ذخيرته وحواسه كلّها، قاتلَ حتى عجزوا عن رمق إرادته الأخير، حتّى الرصاصة الواحدة والعشرين.

كنت أرى في والاس أبعاد البطولة مجتمعة في أسمى تجليّاتها. وحقيقةً، كنت أرى في رومانسية بطولته وشخصيته التاريخية حسًّا لم أحسبه موجودًا في وقتنا هذا. كنت أستمدّ من هذا البطل قوّة وإلهام يحفزانني على عدم اليأس، والتشبث بالأمل والمقاومة. ولكنني لم أعد بحاجته بعد السادس والسابع عشر من آذار، فقد وجدت ويليام والاس الفلسطينيّ خاصتي، وحظيت بشرف معرفته، والنَّهل منه وعنه.

– عزيزنا باسل،

نعلم بأنّ فكرة الأسطرة لا تستهويك، وأن أيقنة الشهداء والأبطال من قبلك كانت في نظرك سقيمة، غير صحّية، لِما فيها من إبعاد أعمال الشهداء عن أرض الواقع، وإفقاد الناس عزيمتها على أن تأتي بمثلها، وأكثر. لكنك تركت في كل تفصيل، في كل حركة، في كل توقيت من الرمزية ما لا يسعنا إلا أن نفكّر فيك ونندهش. أعني، كم يسع للصدفة أمامك مكان؟.

كيف تدبّرت أن تبدأ مشوار سنةٍ في يوم الأرض، وأن تعتقل في زنازين السلطات الفلسطينية في ذكرى مذبحة دير ياسين، وأن تستشهد في ذكرى ميلاد من أحببت من الثوّار، في ذكرى العيّاش الواحد والخمسين؟ وفوق هذا كلّه، أن يتزامن أربعينك اليوم مع انتهاء أربعين يوم صيامٍ لأحبّة الفادي، الشّهيد الفلسطينيّ الأول، السيّد المسيح، كما صمنا نحن عن الفرح طيلة هذه الأيّام؟.

وأنت ابن الولجة، ترقد بترابها في روضتك، وهي الواقعة بين بيت لحم والقدس، ما بين كنسيتيّ المهد والقيامة، وأن تقوم يوم قيامته، وأن تنهض فينا في تأبينك كما نهض هو من الموت للحياة، متجدّدًا في كلّ يوم، “تقوم أقوى وأعنف، وتأتي من آخر القتلِ أعصف”، كأنّنا قد تلقّينا نبأ استشهادك للتوّ؟

وكنت آنفًا قد صرّحت أثناء اعتقالك وإضرابك عن الطّعام، كما قال الحسين في كربلاء: ” أَلا وَإِنّ الدّعِيّ بن الدَّعِيّ قَد رَكَّزَ بين اثنتين؛ بين السّلة والذِّلة وهَيْهات مِنّا الذِّلة!”، صرخت نداءً للحريّة منتفضًا بأمعائك بدل الخضوع وطلب الرّحمة، كما فعل ويليام والاس يوم استشهاده.

نحن لا نستطيع تجاهل هذا كلّه يا باسل، وألّا نغوص في التفاصيل وأن نعتبر كلّ ما يمرّ علينا محض مصادفة، وربّما أيضًا نحن لا نريد ذلك. فندوبٌ قاسية قد دُقّت في عمق روحنا، كفقدانك، هي جزءٌ منّا على أيّة حال، وإذا كانَ التجاهل وحجب الأعْيُن عن أن نرى عظمتك التي فقدناها وأن نفجع بها هي حكمةٌ عاقلة تعلّمناها كي تمرّ الأيام، فإنّ التحديق في المصاب والفكرة وحده هو أول خطوات الخلاص، فلم يقم في اليوم الثالث إلا من واجهَ بكل شجاعة وَخز الأشواك على جسده والجبين!

لِذا، فرُبّما الأفضل ألّا نحجبَ ضوءَ الشّمس ونهرُب من سيرة وسيرورة نعلم يقينًا أنه لا هروب منهما، بل أن نحدّق في ضوء الشمس بكلّ قوة، مضحّين ببصرنا في البحث عنك، نعم. فَلَكَمْ يَهونُ البَصرُ على الباحثِ عن بَصيرة!

أستمرّ في تقليب مقاطع الفيلم مرارًا وتكرارًا، حتى أرى في تفاصيله مدى التشابه بينكما، لأنتبه أن حتى اسم الفيلم يبدو كأنه قد أعدّ خصيصًا ليشبهك، ليرمز إليك، فهو قلب والاس الشجاع، كقلبك الباسل؛ وكم له من اسمك نصيب.

*هذا وقد نويتُ سابقًا أن أعدّ نصًا أقارب فيه بين والاس وباسل، لكنني أدركت أثناء إسهابي في التفكير والكتابة أنه يمكن أن يشبَّهَ والاس بباسل؛ لأن في باسل من رمزية الأبطال المختلفة ما لا يمكن حصره في والاس.

هذا ليس مقالًا ولا نصًّا، هي بعض الأفكار المتبعثرة التي تهيم برأسي وأردت أن أفرّغها.

إلى الأعلى