أخبار

“مين الزلمة فيكم؟” .. حكاية شهداء سجن النقب وحوض النعنع

ضمن أسبوع النقب الأعلامي، كان لا بد أن نتحدث عن تجمع فلسطيني صامد في صحراء النقب غير معترف به هو الآخر، محاط بالجند والأسلاك الشائكة، لا يمكن دخوله الا بقفص من حديد، ساكنوه يتغيرون حسب رياح الصحراء وحسن النوايا والتبادلات. بلغ عدد من سكنوه 300 الأف أو يزيد. إنه سجن النقب أو أنصار 3 كما أطلق عليه الأسرى تيمنا بأنصار 1وأنصار 2. في أنصار نسجنا الاف الحكايا سنذكر اثنتين أو يزيد، في انصار أبطال مصرون على العطاء مهما حاصرتهم القيود وأحلام الغائبين.

من أنصار نستذكر محمد الأشقر و أسعد الشوا وبسام السمودي وعبدالله علاونة وكل الشهداء الذين عمدوا الرمل بالدماء فكانت انجازات الحركة الاسيرة التي لم تتوانى بتقديم الشهيد تلو الشهيد لضمان حياة كريمة يحياها كافه الاسرى، لهم نكتب ولهم منا الوفاء.

السادس عشر من آب عام 1988، لم يكن يوماً عادياً في حياة أسرى سجن النقب، الذين كانوا قد اتخذوا قراراً داخلياً، تم تعميمه على كافة الأقسام في “أنهم لن يسمحوا بأي إهانة لأي أسير من الآن فصاعداً، وأن الموقف لا يحتمل إلا أن نقف صفاً واحداً، تجاه هذه الإهانات المقصودة، مهما كانت النتائج”.

عند الظهيرة، سمع الأسرى صراخاً، تجمهروا على الشبك، وإذ بحراس السجن يسحلون أسيراً على الأرض الخشنة، مكبل اليدين والقدمين الى الزنزانة، دامياً من شدة الضرب، موقناً بالنصرة من إخوته فصاح “الله أكبر”، وما هي إلا ثانية أو أقل حتى كانت “الله أكبر” تخرج من أفواه سبعة آلاف أسير كانوا قد بدأوا لتوهم استنفاراً سيكون الأقسى في تاريخ الحركة الأسيرة.

88

 لم يتركوا شيئاً في الخيم إلا ورموه على الجنود، من طناجر وصابون، أحذية وحجارة. بدأ الجنود بدورهم بإطلاق النار والغاز بصوره عشوائية، حتى وصل بهم الأمر إلى تطويق السجن بالدبابات، وإدخال ناقلات الجند بين الأقسام، وما أن هدأت الأقسام بعد الظهيرة، حتى تفاجأ الأسرى بقائد المعسكر العقيد “تسيمح” يصيح ويعربد في قسم “ب”، ووقف أمام الأسرى قائلاً: “الزلمة فيكم يوقف”!

 ساد الصمت لبرهة صفوف الأسرى، نظروا إلى بعضهم البعض فوقف الأسير أسعد الشوا منتصباً متحدياً له. نظر إليه “تسيمح” وتناول بندقيته من جندي مجاور له وأطلق عليه رصاصتين في الصدر فاستشهد على الفور.

 تقدم الأسير بسام السمودي، وسط صيحات الله أكبر واقترب من الشيك محاولاً اصابة “تسيمح” بحجر فأطلق عليه النار وأرداه شهيداً. عندها هرب “تسيمح” وبدأ الجنود -المتمركزون على الأبراج- إطلاق الرصاص على الأسرى الذين حاولوا الوصول الى الشبك فأصيب عددٌ كبيرٌ منهم.

 استنفرت كافة الأقسام في سجن النقب مرة أخرى، وتم تكسير سيارة ضابط إسرائيلي في قسم “أ”، وبعد ساعات من الرصاص الحي والمطاطي والغاز هدأت ثوره الأسرى وتم إجلاسهم على الأرض. أمر الضباط الأسرى أن يحملوا الجرحى ويضعونهم أمام بوابات الأقسام لنقلهم الى المستشفى، ففعل الأسرى، ودخل الجنود الأقسام وصادروا كل شيء فيه، وتم ترك الأسرى في العراء لأكثر من أربع ساعات.

 بعد أقل من نصف ساعة، شاهد الأسرى طائرة هيلوكبتر تهبط في معسكر جيش الاحتلال، مما أكد لجميع الأسرى أن هنالك شهداء في الأقسام المجاورة. لم يمضِ وقت طويل حتى أبلغت الإدارة الأخ منير العبوشي ممثل المعتقل آنذاك، أن الشهداء هم أسعد الشوا وبسام السمودي وأنه تم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، التي ستقرر فيما بعد أن الشهداء كانوا يشكلون “خطورة أمنية”.

 على إثر ذلك، أعلن الأسرى الإضراب عن الطعام، حدادا واحتجاجا. استمر الإضراب تسعة أيام حتى استجابت إدارة السجن إلى بعض مطالبهم، فتم السماح للمحامين بالزيارات، ومنعت الإهانات وطرأ تحسن خفيف على نوعية الأكل، إذ حصل الأسرى على مطبخ خاص بهم يوزع الأكل على كل الأقسام يطبخون به ويشرفون عليه.

كما أجبرت إدارة السجن على الاعتراف بممثلي الأسرى والتعامل معهم. والأهم من ذلك كله بأنهم حصلوا على المياه الساخنة واستبدلوا “برش” البلاستيك بألواح خشبية تسمى “مشتاح” مع إدخال القهوة كوجبة أسبوعية للأسرى.

 “أخيراً رأينا الصليب الأحمر “

في أواخر العام 1988، سمحت إدارة سجن النقب للصليب الأحمر بالزيارة، فدخلت امرأة سويسرية برفقة شاب فرنسي، كوفد من الصليب الأحمر ليسمعا مطالب الأسرى. وضعهم الأسرى في صورة الأوضاع الداخلية للسجن، وقدموا مطالبهم بتحسين شروط الإعتقال، وحقهم في زيارة الأهل والمحامين وكذلك حقهم في توفير الصحف اليومية والكتب و القرطاسية.

صورة أرشيفية

صورة أرشيفية

 يقول المتوكل طه: “ما أن انتهت الزيارة حتى تركت الفتاة دفترها الصغير ونسي الشاب قلمه عمدا لعلهم استشعروا المحيط المرعب الذي يلفنا فتعاطفوا معنا”، بعد أقل من شهر من تلك الزيارة تفاجأ الأسرى بسيارة كبيره محملة بالكتب والورق الأبيض والأقلام والمساطر مع وفد من الصليب الأحمر، وبدأوا بتوزيعها على الأقسام التي رقصت فرحاً على هذه الحمولة التي لم يحلموا بها! وأخبروهم :بإمكانكم كتابة الرسائل الشهرية الى ذويكم لكن قبل أن تصل الى البريد ستراقب إدارة السجن كافه هذه الرسائل وستمنع أي رسالة يرون أن محتواها خطير على الأمن”.

 يضيف المتوكل في شهادته: “عندها استطاع الأسرى قراءة روايات غسان كفاني وإميل حبيبي وعبد الرحمن منيف وسميرة عزام وحنا مينا، وأشعار محمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وكمال ناصر .. وأن يحفظوا منها الكثير، وأن يناقشوا لاحقا، في الجلسات الثقافية مضامينها وصورها وأشكالها الفنية”.

 أما عن الجرائد والصحف فبعد يومين بدأت إدارة المعتقل بتوزيع صحيفة على كل معتقل لكنها كانت عبارة عن أخبار مقصوصة من عدة صحف عبرية وعربية وإنجليزية تم مونتاجها على أربع صفحات، وتصوريها وتوزيعها على الأسرى. ومن المفهوم ضمناً إن تلك المختارات الصحفية كانت تتحدث بلسان الإحتلال فهجرها الأسرى واستخدموها في الأعمال اليدوية. ولما تم السؤال عن جدوى توزيعها قال الضابط :ألا يقرأها واحد من كل ألف ؟ فقال الشاويش ممكن! فقال له: أذا استطعنا كل يوم أن نؤثر في سبعة معتقلين يكفينا هذا.

 حوض النعنع

 اضطهاد وقمع السجان الإسرائيلي لم يقتصر فقط على إطلاق الرصاص والغاز وضرب الأسرى، وإنما امتد ليشمل كل صغيرة في حياة الأسرى حتى لو كان حوضاً من النعنع.

 يقول الأسير المحرر أبو رشدي الزغل في معرض شهادته التي رواها لشبكة قدس عن سجن النقب: “لم يتخيل الأسرى يوماً أن نبات النعنع قد يعرض إدارة سجن النقب للخطر. كنا نحن الأسرى الإداريون قد زرعنا شتلة نعنع كان ملك النار أبا سلوى قد أحضرها لنا من خارج المعسكر، كونه كان يحضر لنا تهريبا كل ما تيسر من الأمور والمواد التي قد تخلق أو تصنع مقوم من مقومات الحياة المعدومة في هذا السجن الصحراوي، حين زرعنا شتلة النعنع على مدخل خيمتنا لترسم لونا اخضرا يغير كل الصفار الذي يلفنا فشارك كل أفراد الخيمة المقيمون فيها بترتيب حوض النعنع وجمع الرمل وتصفيف الحجارة حوله، هذا العمل البسيط فيه متعة لا توصف ..كان في نظرنا انجازا عظيما ..أن نزرع النعنع الأخضر لنغير مذاق أكلنا وشربنا ونكهة حياتنا”.

“هذا الأمر الذي لم يرق لضابط الاحتياط الإسرائيلي الذي صعق من رؤية حوض نعنع اخضر، فتوجه نحو حوض النعنع وسأل ممثل المعتقل :ما هذا ؟ تبسم وأجاب: أعتقد أنه نبات النعنع وليس سلاحا ..نظر إليه الضابط نظرة استهزاء وقال: “أنا شايف بس هذا ممنوع وبدكم تشيلوه “..فكان الرد : “ما بشيل شي جميل زرعناه وبهددش أمنكم “..فانذره قائلا: “شيلوه بأيديكم بدي أجي العدّ الجاي أشوفه مش هون” ..فكان الرد:”بدك تشيله شيله بأيديك “جاء الصباح وجاء العد وكان السجال مجددا :”ليش ما شلته؟ ..أنا بفرجيك”.

يكمل أبو رشدي: “استمر الحال لعدة أيام دون أن نلقي اهتماما بهذا الضابط الذي اكتشفنا لاحقا أنه أستاذ جامعي في جامعة بار ايلان ويدرِس الكيمياء، الأمر الذي يعطي الانطباع الحقيقي عن عقلية ونفسية تعبر عن ذاتها بممارسات بغيضة على الأرض بصرف النظر عن أسماء وألوان ومستويات جنودهم وضباطهم، عوقبنا لكن بقي حوض النعنع ..في النهاية لم يكن لدى الضابط طريقة في التعبير عن عدم كسر قراره ورفضه إلا بدوس النعناع ببسطاره العسكري وبعثرة الرمل والحجارة أمام أعيننا. لكن حوض النعنع عاد من جديد بأيدينا التي أعادت له الحياة بعد أن قتله الاحتلال، لقد أخرج سجن النقب أجمل ما في الأسرى وأسوأ ما في الاحتلال”.

 يقول المتوكل في كتابه سيرة كتسعوت: “إن ذهابنا بالجمال الى أقصاه، هو الذي خلق لدينا قوة إضافية ولا أعني هنا جمال المكان، بقدر ما أعني عيوننا الجديدة ورؤيتنا العميقة المختلفة، التي رأت المكان وسبرت غوره، وأحاطت به وأدركته، واجترحت الأشكال والآليات المناسبة، للتعاطي معه، بحيث ظل المكان تحت سيطرتنا ما أمكننا ذلك، هذا الجمال الداخلي الذي تجاوز كل نقاط الضعف في المعتقلين أو الثغرات في التربية الجمعية”.

ما بعد النقب 

لا وجه للصحراء ولا فؤاد، ولكن لها ذاكرة اختزنت صرخات آلاف الأسرى وآهاتهم وأحلامهم، والصحراء أيضا هي ذاكرة المناضلين ومنارة الجماهير. والأكثر توحشاً هو محاولة قتل تلك الذاكرة وهدم تلك المنارة.

الحركة الاسيرة هي حركة لها ثوابتها ومتغيراتها ومبادئها التي انتجت نظرية ملحمية رسخت معنى الحريه فتغلغلت في وجدان الشعب وعقلية الاسير نفسه. وما بعد الأسر ليس كما قبل الأسر، فالفعل المقاوم اليومي الذي عاشه أي اسير يفوق آلاف المرات أي جهد سياسي حالي على الارض، فالقتل هنا يتجاوز المادي الى القيمي. يقول الأستاذ خالد عوده الله محدثاً عن سرحان “وبعد الكثير من الصخب والركض الموضعي، وصل سرحان الى الحقيقة المرة : النضال في السجن ومن السجن أسهل بكثير من النضال خارجه ، وحدث ذاته بضرورة إعادة تعريف السجن والحرية”.

فارقني أخي أبو رشدي الزغل بعد حديثنا عن تجربته، ولم يتركني حتى أجاب  عن سؤالي لذاتي “لماذا أكتب عن تجربه سجن النقب؟”، فقال لي: “أخ والله أيام حلوة، إحنا لقينا حالنا في السجن”، ومن ثم استشهد بكلام عبد الرحمن منيف قائلا: “اذا كتبنا عن معاناتنا، عن ذلك الوكر الأسود المشؤوم، فلا لكي نظهر بطولاتنا، وإنما لكي نساعد الأخرين، ونجنبهم ما عانيناه، فنحن على وشك أن نمضي، وهم سيبقون بعدنا، وهذا ما يدعونا لأن ننبه، لأن نحذر قبل فوات الأوان، وأن تعرف أن الحياة دون حرية، دون كرامة، لا تستحق أن تعاش”.

تقرير عن سجن النقب في القناة الإسرائيلية الثانية

إلى الأعلى