تقارير وملفات خاصة

يوميات “بربرة” المُهجرة.. مقاومةٌ مزينة بالفرح

غزة – خاص قدس الإخبارية: “خانونا ويا ريتهم في الديار تركونا”، يردّد أحمد أبو نحل طوال الوقت، وصفارات الإنذار ما زالت تدوي في أذنيه منذ 69 عامًا، عندما هُجر من جنة بربرة.

15 تشرين أول 1948، وبعد خمسة شهور من المقاومة والتصدي، أوردت وكالـة “يوناتيـد بـرس” خبر احتلال القوات الصهيونية كل من مجـدل وغـزة وبربـرة، بعد قصفهم جويًا ودحر القوات المصرية. إلا أن بربرة لم تسقط إلا في 15 تشرين ثاني، إذ أعلن أحد الضباط الصهاينة، سقوط القرية بعد احتلال المجدل، وذلك حسب ما جاء في كتاب قرانا الفلسطينية المدمرة في لواءي غزة والرملة الصادر عن مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني.

ففي ببيت من الطين محاطًا بثلاث دونمات مزروعة بشتى أنواع المحاصيل، عاش أحمد محمد أبو نحل (16) عامًا في أرض ورثها عن والده وجده في قرية بربرة الواقعة فـي الجـزء الجنـوبي مـن سـاحل فلسـطين المحتل، وتحديدًا على الطرق الرئيس الممتد بين غزة ويافا.

يوميات في بربرة

يتنهد أبو نحل مجددًا، وهو يستعيد تفاصيل منزله في بربرة الممتدة على 13978 دونمًا – حسب وثائق الدولة العثمانية عن أراضي بربرة – “كنا نعيش في منزل مبني من الطين والقش كباقي منازل القرية، ونعمل في الزراعة وتربية الدواجن والأغنام التي كانت مصدر رزق كل من يعيش بالقرية”.

توسعت عائلة أبو نحل بعملها بالزراعة حتى أصبحت تملك 120 دونمًا من أراضي القرية، المزروعة بالزيتون والعنب والمزروعات الموسمية، فيما امتلك باقي أفراد العائلة 175 دونمًا، لتصبح العائلة مصدر مهم في تصدير المزروعات للأسواق المحلية في فلسطين، وخاصة الضفة.

60 منزلًا كان في القرية يسكنها 700 نسمة، يقول أبو نحل لـ قدس الإخبارية، “كان أهالي القرية يتعاونون مع بعضهم في حصاد أراضيهم ثم نقله إلى أسواق يافا والمجدل”، مشيرا إلى أن أهالي بربرة كانوا ينقلون بضاعهم على الجمال قبل أن يشتروا ثلاث شاحنات.

في مدرسة بربرة الأميرية، التحق أبو نحل بعد أن أكمل السبع سنوات، “كنت أحمل حقيبة مصنوعة من القماش وأذهب بعد أن أخذ من والدي مصروفي المكون من واحد مليم (..) كان يدير المدرسة مصباح العلمي وبرفقته سبعة مدرسين”

بسبب ارتفاع تكاليف التعليم لم يستطع أبو نحل استكمال الدراسة، وهو ما دفع معظم الأهالي لإعادة أبنائهم للعمل برفقتهم بالأرض ورعي الأغنام، “الانتداب كان يفرض رقابة شديدة على المواد المدّرسة، لا أذكر أني تعلّمت عن فلسطين، ولكن أذكر جيدا تلك المواد التي كانت تتحدث عن  أمريكا واسبانية والراحلة كريستوفر كولومبس”.

بربرة والمقاومة

بربرة لم تهدأ يومًا بوجه المحتل، وكانت من أشد القرى المقاومة للانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية أصحابها، فحسب كتاب “بلادنا فلسطين” للكاتب مصطفى الدباغ، فقد عرف عن أهالي بربرة بمشاركتهم بالعمل الوطني والثورات الفلسطينية المتتالية مستغلين موقع القرية لنصب الكمائن للقوافل الصهيونية.

فيما يبين  كتاب قرانا الفلسطينية المدمرة في لواءي غزة والرملة الصادر عن مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني، أن أهالي القرية شاركوا في معركة دارت بين بربرة وهربيا حيث نصبوا كمائن بالألغام، لقافلة يهودية ما أدى لتدمير مركباتها وإصابة عدد كبير ممن كانوا فيها.

ويضيف الكتاب نقلا عن فايز علي الأشقر، أن معركة أخرى مشابهة وقعت بين بربرة والجية، بعد نصب كمين بقيادة رجل سوري، قتل خلال الكمين 12  صهيونيًا، واستطاع الثوار أخد ثلاث مصفحات وتوزيعها على الجية وبربرة والمجدل.

ومن أهم المعارك التي شارك بها أهالي القرية أيضًا، نقلا عن ذات المصدر، اقتحام مستعمرة “دير سنيد”، إضافة لإرسال نجـدات لمسـاعدة أهـالي المجـدل وحمامة وغيرهما.

أفراح بربرة

ورغم المقاومة المستمرة في القرية، إلا أن الأفراح لم تتوقف يومًا في القرية، فطوال سبعة أيام بلياليها كانت تتواصل الاحتفالات بزفاف أحد أبناء القرية.

يروي أبو نحل، “قبل قدوم موعد الزفاف بثلاثة أيام تقام ليال ساهرة، نغني ونرقص على أنغام الأغاني الشعبية والآلات الموسيقية (..) وقبل العرس بيومين، يقام للعروس حفل حناء فتحضر الماشطة وتعد الحناء وترسم بها على يدي وقدمي وكتفي العروس بحضور الأقرباء والأصدقاء” مبينا أن أهالي القرية كانوا يعتبرون الحناء تجلب الفال الحسن للعروس.

وأما في يوم الفرح، فيبين أبو نحل أن “الماشطة” والتي مهمتها تحضير العروس، تقول بتزينها بمساحيق التجميل، ورشها بماء الورد والعطور،  وتزينها بأشرطة الحرير وتسريح شعرها.

يضيف أبو نحل، “أثناء تحضير العروس، يحضر أهالي العريس الغداء فيذبحون الخراف ويسلقون الرز ويوزعونه في أسلال كبيرة قبل تقديمه للمعازيم، وما أن ينتهي الغداء حتى يبدأ استعراض الخيول”، مبينا أنه في ليلة الزفاف “تجلل العروس” أي تغطى، “يكون مع العريس 20-30 قرشًا، يبلل كل قرش بريقه ويضعه على وجه العروس، ثم تأتي إحدى نساء القرية تسمى الحافلة وتصدم رأس العريس برأس العروس فتتساقط العملات المعدنية عن وجهها”.

النبي أيوب والنبي صالح

وأما عن مراسم وعادات الحداد التي كانت تسود القرية بعد إعلان وفاة أحد أبنائها، يقول أبو نحل “كانت تعلن المآذن الوفاة يتخللها تسابيح خاصة ثم تدق الطبول في بيت المتوفي كل نصف ساعة، حتى يسمع الناس مصدر قرع الطبول على مدار أيام العزاء السبعة”.

وتميزت قرية بربرة أيضًا باستقبال شهر رمضان والأعياد في طقوس خاصة، يروي أبو نحل، “كنا نحضر لرمضان قبل بشهر من قدومه، فالحوانيت تبدأ بعرض مستلزمات الشهر كالفواكه المجففة والمخللات والعصائر”.

وتابع، “السهر في المساجد وداخل البيوت كان أهم ما يميز شهر رمضان، فيما كان يطوف الأطفال والصبية حول البيوت وينشدون الأناشيد الخاصة، فيخرج أهل كل بيت ويقدمون حلوى رمضان لهم”.

وما أن يأتي العيد،حتى كان يتوجه أهالي القرية إلى قصر الحاكم حافظ العلمي – حاكم هربيا وبرير وسمسم- “كان يتجول الأطفال بألعابهم في الشوارع والكشافة تخرج في مسيرات احتفالية”.

موسم النبي أيوب كان المواسم المهمة التي كان يشارك بها أهالي بربرة، فيقول أبو نحل، “في موسم النبي أيوب عليه السلام، كان الرجال والنساء يذهبون للبحر ويأخذون معهم الحلاوة النفّسية والقرعية والجوزية بكميات كبيرة، وفور وصولهم يتم عقد سباقات للخيول ويلعبون في البيض المسلوق الملوّن”.

ويتابع، “في اليوم الذي يليه يكون موسم النبي صالح فيكون الجميع متلهفين لحضور هذا الاحتفال، فكنا  نأخذ الكعك والمعمول وبعض الأكلات معنا لتناولها خلال الاحتفال”، مبينًا أن شبان القرية كانوا يستغلون الموسم لتعبئة الأهالي وتوجيهم وطنيًا وذلك بحمل الأعلام وترديد هتافات ضد الصهيونية ووعد بلفور”.

المكان الذي كان يحتفل فيه أهالي بربرة بمواسمهم وأعيادهم، شوّهت ملامحه حتى اختفى، “عدنا عليه بعد سنوات من التهجير، فلم نعرفه، فهناك أقام الاحتلال مشفى تل هاشومير الإسرائيلي”.

“البيوت
إلى الأعلى