تقارير وملفات خاصة

المرأة الفلسطينية شريكة النضال ما قبل النكبة وحتى النهاية

فلسطين المحتلة- قُدس الإخبارية: لم يقتصر دور المرأة الفلسطينية على كونها مجرد مساندة معنوية في القضية الفلسطينية أو ممارسة لمهامها الاجتماعية كفتاة وزوجة وأم، إنما ساهمت بشكلٍ واضح بقضية بلدها ومقاومتها، على الصعيد السياسي، وحتى العسكري وحمل السلاح والانخراط في صفوف المجموعات الفدائية.

ويُلاحظ أن دور المرأة الفلسطينية بقي ممتدًا في مسيرة النضال والمقاومة منذ الانتداب البريطاني مرورًا بالنكبة الفلسطينية وما بعدها من نكسة وانتفاضات، حيث شرعت النساء الفلسطينيات بإنشاء جمعياتٍ خيرية، هدفها تقديم مساعدات مجتمعية لجميع فئات المجتمع وبالأخص الفتيات. وكانت “الجمعية الأرثدوكسية لمساعدة الفقراء” أول جمعية شكّلتها الفلسطينيات في مدينة عكّا عام 1903، وتبعتها فيما بعد جمعية “عضد اليتيمات الأرثودكسيّات” في يافا عام 1910.

ومع وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني عام 1920، تغيرت المسارات التي كانت تتخذها الجمعيات والمؤسسات النسائية في فلسطين، فتحولت من العمل الخيري إلى العمل السياسي والاجتماعي، حيث بدأت هذه الجمعيات، مع بداية السنوات العشرين من القرن الماضي، بحمل جدول أعمال سياسي وذلك بهدف منح المرأة الحق في التعاطي في الشؤون السياسية في فلسطين.

وكانت جمعية السيدات العربيات أول جمعية ينص دستورها على هذا الحق، حيث أسست هذه الجمعية مقرها في القدس عام 1928 ومن ثم أنشأت فروعاً لها في باقي المدن الفلسطينية.

واحتاجت المرأة الفلسطينية إلى نقطة تحوّل بالنسبة للتواجد النسائي على الساحة السياسية في فلسطين، حيث جسدّت ذلك في “ثورة البراق، ” وعقدت الحركة النسائية الفلسطينية أول مؤتمرٍ لها عام 1929 وانتخبت لجنة نسائية، ذهبت فيما بعد والتقت المندوب السامي البريطاني، وسمُيّت هذه اللجنة باللجنة التنفيذية للسيدات العربيات.

وكانت أبرز انجازات المؤتمر، تكوينه لإطار نقابي سياسي جامع للحركات النسائية في فلسطين، وقيام جمعيات نسائية أُخرى في المدن الفلسطينية الاُخرى.

Arab-Revolt

نساء فلسطينيات يحاربن هنّ والرجال جنباً إلى جنب خلال الثورة الفلسطينية في الثلاثينيات من القرن الماضي. المصدر: كتاب Before Their Diaspora

في الثلاثنيات، بدأ الوضع السياسي في فلسطين بالتأزم. وقتها لم تكن الجمعيات والحركات النسائية تابعة للأحزاب التي بدأت بالظهور على الساحة في تلك الفترة، إلّا أن هذه الحركات تقاسمت دورها الوطني بين المدينة والقرية، فقد قامت النساء الفلسطينيات في القرى بتزويد رجال الثورة في الجبال بالأكل والشرب والسلاح، كما أن العديد منهن انضممن للثورة وتسلّحن من أجل الدفاع عن بلادهن وأرضهن.

أمّا في المدن، فقد قامت النساء بالتجنيد للإضراب عام 1939، كما أنهن حثثنّ النساء الأخريات على التبرع بصيغتهن وحُليّهن للثورة ودعوّن الشعب الفلسطيني إلى مقاطعة البضاعة البريطانية. كما أنهن قمن وهدى شعراوي بإقامة مؤتمرٍ لدعم فلسطين وقضيتها في مصر. بالإضافة إلى ذلك فقد اتخذت الأطر النسائية في المدن من السلاح وسيلةً هذه المرّة لقيادة المشهد الفلسطيني، والدفاع عن الأرض بكل الوسائل.

2- 1948 – 1967 ما بين النكبة والنكسة

tumblr_m4r97xiWgR1rqli7jo1_1280

مهيبة خورشيد مؤسسة حركة زهرة الأقحوان في يافا، وهي أول حركة نسائية مسلحة منظمة للمحاربة الغزو الصهيوني. المصدر: Google Images

عندما قامت العصابات الصهيونية المسلحة بغزو فلسطين عام 1948 مستخدمة أحدث الأسلحة، قامت كلٌّ من ناريمان ومهيبة خورشيد في يافا بتأسيس حركة «زهرة الأقحوان»، وهي أول حركة نسائية مسلحة تقوم في فلسطين لمواجهة الغزو الصهيوني آنذاك. مهيبة وناريمان قامتا بحمل السلاح وبتدريب الرجال والنساء بأنفسهما على مهاجمة مستوطنات يهودية في المنطقة خلال العام 1948.

adla-kopie

المصدر: Uprooted Palestinians

وبعد أن حقق الغزو الصهيوني مآربه بتدمير القرى وبتشريد أهلها، تشتت الشعب الفلسطيني بفعل النكبة التي وقعت على رأسه وتشتت معه بطبيعة الحال المرأة الفلسطينية والتجمعات التي كانت تأسسها في سبيل خدمة القضية. النساء اللواتي بقين في الأراضي الفلسطينية المحتلة في تلك الفترة، لم يستطعن إنشاء حركات وتجمعات نسائية وذلك بسبب الحكم العسكري الذي أقامه الاحتلال في مدن ال48، والذي منع الأحزاب والتجمعات السياسية، والذي كان كأي نظامٍ استعماريٍ آخر، قمعيّاً وهمجيّاً إلى أبعد الحدود.

Al-Nakba-1948-7

النكبة شرّدت الفلسطينيين نساءً ورجالاً. المصدر: The Muslim Vibe

على الرغم من التشتت الذي عاشه الشعب والحركات النسائية في ذلك الوقت، إلّا أن الفلسطينيات في لبنان استطعنّ فيما بعد لمّ شملهن والعمل على تأسيس جمعيات لمساعدة اللاجئين وتعليمهم وذلك بالتعاون مع هيئاتٍ إنسانية أُخرى.

أما نساء المخيمات فكنّ ولازالن عماد الصمود وروح القضية والشاهد على كل ما حدث للشعب الفلسطيني من قتلٍ وتهجير، كما أن الفضل في زرع حب الوطن والمحافظة على تراثه ولهجته ولابسه وتقاليده، يعود لهؤلاء النسوة اللواتي لم يتخلينّ عن الوطن ولو للحظة.

3- المرأة الفلسطينية والنكسة

كانت نكسة 1967 وضياع الضفة الغربية والقدس، ووقوعهم تحت الاحتلال الصهيوني سبب في حدوث تغيير كبير في نضال المرأة الفلسطينية. حيث خرجت المرأة الفلسطينية من دائرة المؤسسات، والجمعيات الخيرية إلى دائرة النضال الوطني الذي وصل إلى قمة نشاطه في تلك الفترة. وبدأت المرأة الفلسطينية تنضم إلى العمل المسلح والحركات الفدائية في فلسطين، مثل المناضلة عايدة سعد، والتي قامت بإلقاء قنبلة ضد الآليات الإسرائيلية الموجودة أمام مركز الشجاعية 1967، وفاطمة برناوي، التي اعتقلت بعد تفجيرها لقنبلة في سينما “صهيون”، وليلى خالد التي قامت بخطف طائرة شركة العال الإسرائيلية من أجل إطلاق سراح المعتقلين في فلسطين، ولفت أنظار العالم إلى القضية الفلسطينية، وشهيدة حرب الأيام الستة شادية أبو غزالة التي استشهدت أثناء إعدادها لمتفجرة في تل أبيب في عام 1968، والشهيدة دلال المغربي قائدة المجموعة الفدائية، والتي قامت بتفجير حافلة إسرائيلية عسكرية، وقتل جنود إسرائيليين بداخلها وخارجها، والمناضلة فتحية عوض الحوراني التي داست الدبابات الإسرائيلية جسدها عام 1974، وصولا إلى تغريد البطمة التي استشهدت في عام 1980، بجانب وجود الكثير من المناضلات الفلسطينيات اللاتي ضربن المثل والقدوة في النضال من أجل تحرير الوطن.

4- دور المرأة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى “انتفاضة الحجارة”

1- الدور الاجتماعي

: فقد قامت بإفشال خطة الاحتلال الإسرائيلي في فرض الحصار الاقتصادي على القرى والمخيمات؛ حيث كانت تقوم بتهريب كميات كبيرة من الحليب والخبز، من أجل مساعدة الثوار في الاستمرار في النضال الوطني، وعندما قام الاحتلال بمنع الغاز عن المرأة الفلسطينية، قامت باستخدام الفرن البلدي “الطابونة”، من أجل توفير الطعام للثوار، بجانب استخدام المرأة الفلسطينية للتعليم المنزلي، من أجل استكمال تعليم الأطفال الصغار، وجعل العلم كسلاح في وجه الاحتلال بجانب تقديمها للمساعدات الصحية.

2- الدور السياسي:

ساعدت المرأة الفلسطينية على تحرير العديد من شباب وأبطال الانتفاضة وإنقاذ أعداد كبيرة من الثوار، وتهريبهم وتوفير أماكن لهم داخل البيوت أو الحقول، بالإضافة إلى خروج المرأة الفلسطينية للشارع من أجل المشاركة في الاعتصامات والمظاهرات ومقاومتها لقوات الاحتلال، وتقديمها لفلذات أكبادها من أجل تحرير الوطن، بجانب دورها في توعية المرأة الفلسطينية بأهمية دورها في المشاركة في الانتفاضة، وبسبب مشاركة المرأة الفعالة صرحت الإدارة الإسرائيلية بقولها: “إن الحرب هي الحرب وإن للنساء الفلسطينيات دورًا فعالاً في الانتفاضة لذلك لا بد من اعتقالهن وتعذيبهن إذ لزم الأمر لنزع الاعتراف منهن”. وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وبالتحديد في عام 1987 حدثت أكبر عملية اعتقالات بحق النساء الفلسطينيات، وصلت إلى 3000 أسيرة فلسطينية.

3- الدور التنظيمي والنقابي

: قيامها بتشكيل العديد من اللجان في جميع أنحاء فلسطين، بهدف تكوين أكبر عدد من النساء للمشاركة في نشاطات هذه اللجان المختلفة، من أجل مقاومة الاحتلال الذي لعب دورًا هامًا، في استخدام سياسية التعتيم الإعلامي، لدور المرأة في القضية الفلسطينية، بالإضافة لتنظيمها لحملة مقاطعة للبضائع الإسرائيلية.

5- الانتفاضة الفلسطينية الثانية

على الرغم من أن دور المرأة الفلسطينية في الانتفاضة الثانية “انتفاضة الأقصى”، كان أقل ووجدت قيود كثيرة عليها عكس مشاركتها البارزة في الانتفاضة الأولى، ويعود ذلك لظهور الحركات الإسلامية التي رفضت بعضها مشاركة المرأة، بحجة أن المرأة غير مؤهلة، لمثل هذه العمليات الفدائية، ولكن على الرغم من ذلك شهدت هذه الانتفاضة مشاركة للمرأة ولعل من أبرز هذه المشاركات ريم الرياشي أول فدائية تجهزها كتائب القسام الذراع العسكري لحماس، وكان تعليق الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس عن تنفيذ هذه العملية “أن عهد جهاد المرأة الفلسطيينة قد بدأ” بالإضافة إلى وفاء إدريس أولى الفدائيات في انتفاضة الأقصى بعد قيامها بعملية تفجيرية في عام 2000، وآيات الأخرس التي قامت بتفجير نفسها في متجر بالقدس الغربية في 2002، ودارين أبو عيشة وغيرهن، وقد بلغ عدد النساء اللاتي استشهدن خلال انتفاضة الأقصى 460 امرأة، وعدد حالات الاعتقال تقريبًا 900 امرأة.

6- الحراك الفلسطيني الحالي “الانتفاضة الثالثة”

الانتفاضة الثالثة “انتفاضة السكاكين”، وعودة المرأة الفلسطينية إلى قمة المشاركة في النضال الوطني، ووقوفها من جديد بجوار الرجل جنبًا إلى جنب في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومن أجل تحرير فلسطين، ولعل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي كانت كفيلة بأن تنقل صور الفتيات الملثمات في مواجهة قوات الاحتلال؛ وهن يرشقن الجنود بالحجارة دون خوف، حتى لو كان الثمن حياتهن، ولعل من أشهر الفلسطينيات التي تحولت إلى رمز وقدوة في هذه الانتفاضة هي الطالبة داليا نصار، التي أصابها جنود الاحتلال برصاصة في الصدر، وأصبح إخراج الرصاصة يمثل خطرًا على حياتها، وهي الآن تعيش وداخلها رصاصة، وما زالت الانتفاضة في فلسطين مستمرة حتى الآن، ومستمرة معها المرأة الفلسطينية في نضالها بجانب الرجل من أجل الدفاع عن الوطن واستقلال فلسطين.

“البيوت
إلى الأعلى