آراء

بين العصيان المدني والعبودية الأبدية

إن المدخلات تبشر بالمخرجات من ناحية منطقية على الأقل, في نظرة تأملية إلى أدب ما بعد أسلو متجاوزين الأدب المكتوب في أحداث انتفاضة الأقصى يظهر جلياً لنا ارتفاع الأنا وغياب الـ”نحن” وكثرة الضمائر المستترة في النصوص بما بات اليوم يعرف بأن هذا النص عميق, لماذا؟ لأنك تكاد لا تفهم منه شيئا ناهيك عن انفصام المثقف عن واقعه المعاش, وهذه حالة من التثاقف في هذه الأيام.

لا أعلم صراحة هل هذا نتاج طبيعي ويمكن النظر إليه على أنه حالة طبيعية من إفرازات أسلو؟!, أم أنه حالة طبيعية للمثقفين أبناء التمويل الغربي ويظهر هذا جلياً في ما يسمى بوثيقة أو عريضة الـ 55 المنشورة يوم 19حزيران 2002، وهي عبارة عن وثيقة وقع عليها 55 مثقف فلسطيني بنداء مُلِح لوقف العمليات “الاستشهادية”، وللعلم لا أكثر عزيزي القارئ نشرت هذه الوثيقة في الجريدة على نفقة الإتحاد الأوروبي.

لكن على أي حال، وبما أن التربة الاجتماعية تستقي الأفق والآراء من مياه مثقفيها، وبما أن الخطاب الثقافي بدأ يأخذ مسار الأنا الواحدة، فإن من الطبيعي أن نرى اليوم ارتفاع الأنا في المجتمع ككل.

لكن وأمام ظاهرة غريبة  وهي انسلاخ الشارع الفلسطيني عن الوضع الفلسطيني من العزوف  عن التصويت في انتخابات مجالسهم البلدية والتي بلغت نسبة المصوتين فيها 53,4%، بحسب لجنة الانتخابات المركزية، وعزوف الشارع الفلسطيني أيضا عن مناصرة الأسرى في يومهم 30 من الجوع والكرامة، لهو دليل أننا تشربنا من مياه المثقف الممول وارتفعت الأنا لدينا إلى أن وصلت سماء الأنانية.

إن هذه الحالة التي بات يعيشها الشارع الفلسطيني تدل على أمرين لا ثالث لهما، إما أن هذا الشعب بات مثل السكر في مياه العالم قابل للذوبان دون أدنى مقاومة، وإما أن هذا الشعب سينتفض بغير رجعة سيثور تماما كالبركان يحرق أرض المذلة وتعتلي نيرانه سماء الغضب, إن هذا الصمت سيغدو صراخاً للعالم أجمع.

إن الشباب الفلسطيني متعطش وبشكل شهي لثورة مضادة لكل هذا الذل المعاش، ولعل هبة أكتوبر كانت خير دليل على طموح الشباب لحالة ثورية تعيد ترتيب الصفوف والأولويات الوطنية, لكن غياب قيادة ثورية هو ما حال دون استمرار هذا الفعل الثوري.

لكن الحال اليوم هو غير الحال في هبة أكتوبر, فالشارع الفلسطيني يحاول فرز قيادة وأظنه سينجح برغم من كل الطرق لمواجهة هذه الحالة من قبل السلطة والاحتلال الصهيوني.

فقبل أن تخرج رسالة القائد مروان البرغوثي لتطالب الشارع الفلسطيني بالعصيان المدني، بادرت مجموع من شباب سلواد لإغلاق الشوارع الرئيسية في منطقة شمال شرق رام الله  بصورة فاعلة ضاغطة  لمنع موظفي الحكومة من الوصول إلى وظائفهم في صورة ضاغطة من أجل الضغط على الحكومة الفلسطينية لاتخاذ قرار ووقفة جدية في موضوع الإضراب.

سرعان ما تشرب شباب مخيم الجلزون الفعل وبات إغلاق الشارع الرئيسي بين رام الله والشمال حدث يومي، وفي هذا دلالة على أن الشارع الفلسطيني قادر على خلق قيادة واتخاذ قرار دون الرجوع للقيادة الحالية التي لم تزود الشارع الفلسطيني إلا بمزيد من خطابات الشجب و الاستنكار.

وفي خطوة متأخرة، طالب مجلس الطلبة في جامعة بيرزيت اليوم بالاشتباك مع العدو الصهيوني على حاجز بيت أيل لولا أن حالت قوات الأمن الفلسطينية بين المتظاهرين والحاجز، لمنع التظاهرة، وهنا تكريس لفكرة أن الشارع الفلسطيني بحاجة لقيادة جديدة.

 جامعة بيرزيت التي خرَّجت_ على سبيل الذكر لا الحصر_ القائد مروان البرغوثي والقائد إبراهيم حامد والشهيد المهندس يحيى عياش، أتت بفعل متأخر لكن أن تأتي متأخراً خيرا من أن لا تأتي أبدا، إن هذه الجامعة التي خرجت للشارع الفلسطيني ثلة من القياديين, لهي قادرة على استنهاض القوى الشابة من أجل وقفة جدية جادة في مساندة انتفاضة الأسرى.

أجل انتفاضة الأسرى….

ففي جبالية عام 1987 في 8 ديسمبر قام سائق شاحنة صهيوني بدهس 8 عمال فلسطينيين على حاجز “بيت حانون/ أيرز”، هبت الجماهير، وكما تنتشر رائحة البارود في فضاء المدى انتشرت الانتفاضة انتفاضة الحجارة، فلم يكن من سبيل للتعبير عن الغضب الشعبي سوا حجارة الأرض لطرد عدو الأرض.

وفي 28 سبتمبر  عام 2000 دخل رئيس حكومة الاحتلال الأسبق “أرئيل شارون” برفقة حراسة مشددة  إلى المسجد الأقصى وفي محاولة للتصدي له تجمع المصلون وكانت هذه البداية.

الانتفاضة الأولى كانت لتقول بأن دماءنا ليست رخيصة وقد قالت، وأما الانتفاضة الثانية فقامت لتقول لن يدنس كرامتنا بشر، أما اليوم فالاحتلال الصهيوني يحاول تدنيس كرامتنا ويستهين بأرواحنا في معاملته لقيادتنا الثورية ومناجل الحرية أسرانا الأبطال.

فلتكن انتفاضة للأسرى ومحاولة لإعادة ترميم الصفوف وإعلاء الـ”نحن” فوق الأنا القاتلة…

“البيوت
إلى الأعلى