أخبار

معركة القطمون.. قتال حتى آخر رصاصة

القدس – قدس الإخبارية: إذا كنتَ ممن يقرؤون أثناء سيرهم أسماء الشوارع المكتوبة على اللافتات، فستشعر عند مسيرك في حيّ القطمون بالقدس المحتلة أنك في “متحف عسكريّ”، فأسماء الشوارع هناك: سلاح النساء، هبلماح (اسم عصابات صهيونية)، الكتيبة العبرية. هكذا أرادته سلطات الاحتلال، مُذكّرا بشراسة المعارك التي دارت فيه بين عصابات هبلماح وجيش الجهاد المقدس عام 1948.

يقع حيّ القطمون غربي القدس، ويعود تاريخ بنائه لمنتصف العقد الأخير من القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت بدأت العائلات المقدسيّة -وبالأخصّ الميسورة منها- الخروج للسكن خارج حدود البلدة القديمة، فنشأت عدة أحياء خارج السّور مثل الطالبية والبقعة والمصرارة والقطمون. وقد كان في حي القطمون عشية النكبة نحو مئتي بيت تعود في معظمها لعائلات فلسطينية مقدسية، وتمتد على مساحة 157 دونما.

الباحث في تاريخ القدس أنور بن باديس -الذي يعد حاليا كتابا عن تاريخ القطمون- يبين أن “السيطرة على القطمون في معارك 48 كانت تعني بالنسبة للمناضلين العرب السيطرة على غربيّ القدس”، لكونه الحي الأعلى ارتفاعا من بين الأحياء العربية الواقعة غربي القدس، إذ يقع على تلة تحمي وراءها مختلف الأحياء العربية، مما يعني أن التمكن منه يفتح الطريق على بقية مناطق غربيّ القدس، فضلا عن أن القطمون يفصل مستعمرات جنوب القدس -مثل رمات راحيل وميكور حاييم- عن بقية الأحياء اليهودية.

بداية المعارك

على مدار الأشهر الأربعة الأولى من عام 1948، كان حي القطمون هدفا للعصابات الصهيونية. في الرابع من يناير/كانون الثاني 1948، تسلل أفراد من عصابة “الهاجاناه” إلى القطمون، ونسفوا فيه فندق سميراميس بالمتفجرات، واستشهد في هذا الهجوم نحو عشرين فلسطينيا وفلسطينية وفق بعض التقديرات.

كان ذلك الهجوم الدامي نذيرا ببدء المعارك، ودليلا على تصاعد القتال، وقد أدى إلى تهجير عدد كبير من سكان الحيّ، بينما بقيت فيه حاميته من رجال جيش الجهاد المقدس بقيادة المناضل شفيق عويس.

بفعل الهجوم المتكرر من العصابات الصهيونية على الحيّ، كان من الضروري ترتيب أمور الحامية المدافعة عنه. ولأهمية حيّ القطمون الإستراتيجية، انتقل القائد المعروف إبراهيم أبو ديّة ليشارك في الدفاع عنه في نهاية مارس/آذار.

تقول الباحثة نهيل عويضة في كتابها “معارك القدس الجديدة ومداخلها عام النكبة وسيرة البطل إبراهيم أبو دية”، “.. وهكذا أصبح هناك ضرورة لتكليف إبراهيم أبو دية -قائد القوة الضاربة في قوات الجهاد المقدس- لحماية حيّ القطمون لخطورة الموقف فيه، وأصبح المجاهد شفيق عويس قائد حي البقعة الفوقا فقط”.

يروي بهجت أبو غربية، أحد قادة جيش الجهاد المقدس في مذكراته، أن هجوم عصابات هبلماح على القطمون بدأ بالتصاعد في 27 أبريل/نيسان 1948، واستمر على شكل موجات متلاحقة إلى الحيّ بين 27-29 أبريل/نيسان، إذ دارت في تلك الأيام معارك شديدة استشهد فيها عشرات المناضلين.

ما بين 29 أبريل/نيسان وحتى الأول من مايو/أيار، دارت المعارك بشكل خاصّ حول دير يقع في أطراف القطمون اسمه “دير سان سيمون”، أو دير مار سمعان، كان الفلسطينيون قد ترفعوا عن السيطرة عليه حفاظا على حرمته، وفق أبو غربية.

وفي ليلة 29 أبريل/نيسان، نجحت العصابات في احتلال مبنى الدير. في ذلك الحين واصل المناضلون بقيادة أبو دية -خلال الليالي الثلاث التالية- حصار الدير ومنع المزيد من قوات هبلماح من التقدم، إلا أن هذا الحصار لم يدم طويلا مع قلّة عدد المناضلين وضعف خبرة النجدات التي وصلت إلى هناك، ومع تقدم المزيد من قوات هبلماح إلى مركز قيادة حيّ القطمون.

حتى آخر رمق

وهكذا طلع صباح الثاني من مايو/أيار على القطمون وقد أصبح تحت السيطرة العصابات الصهيونية، إلا أن أبو دية لم يستسلم، فتناسى إصابته الجسدية وانطلق من مستشفى بيت صفافا ليصطحب نجدة من المناضلين لاسترداد القطمون، إلا أن حاجزا من القوات الإنجليزية منعهم من التقدم.

وعن بطولات أبو دية -الذي كان راعيا للغنم قبل انضمامه لقوات جيش الجهاد المقدس- تقول هالة السكاكيني، ابنة الأديب الفلسطيني المعروف خليل السكاكيني التي كانت تسكن في الحيّ، في مذكراتها “إنه رجل رائع، يتدفق بالوطنية، يعمل ليل نهار دون كلل غير آبه بطعام أو راحة، إنه ذكيّ، إنه أصيل”.

ويروي أبو غربية في مذكراته أنه من أصل 130 رجلا كانوا في سرية أبو دية، لم يبق على قيد الحياة سوى 15 رجلا، وأنهم “دافعوا عن أرضهم دفاع الأبطال ولم يسمحوا للعدو أن يمرّ إلا على جثثهم”.

المصدر: الجزيرة نت

 

إلى الأعلى