تقارير وملفات خاصة

رمضان يذكّر غزة بجراح حربها

غزة – خاص قدس الإخبارية: يقولون أن الأيام كفيلة بأن تُنسي المصاب ألمه، ولكن هذه القاعدة قُلعت من جذورها في غزة، بعد مرور ثلاثة أعوام على الحرب الأخيرة التي شنها الاحتلال على القطاع، إلا أن كل متضرر من الحرب لازال جرحه ينزف ودمعه لم يجف على رحيل من فقد.

العديد من الأسر فقدت أحبابها وذويها ليبقى مقعده خاليًا على مائدة إفطار رمضان، ومن بعده تعيش الأسرة على الذكرى الجميلة فالمصاب كبير خاصة بأن الحرب كانت في شهر رمضان أيضًا، من بين الأسر التي كانت ضحية لظلم الاحتلال هي عائلة الحاج التي فقدت 8 أفراد من الإخوة والأم والأب، ولم يتبقى منها إلا ياسر الحاج (28 عاما) واخته المتزوجة، ليكونا شاهدين على مجزرة عائلتهم التي يخلدها التاريخ من بين آلاف المجازر البشعة.

“تجربة فقدان الأهل صعبة جداً، لم يشفى جرحي حتى اللحظة، أشعر وكأنها أمس وليس قبل ثلاثة أعوام، لا أستطيع نسيان ما حدث لي”

الحاج يصف شعوره لـ قدس الإخبارية، “لا يغيبون عن بالي وأستذكرهم كل لحظة، أذهب إلى المقبرة لزيارتهم كل يوم خاصة في شهر رمضان، فجميع الذكريات الجميلة التي كنت أعيشها في هذا الشهر الفضيل رحلت معهم، والآن الحياة تمشي بدون أي طعم”.

“أتذكر لمّة إخواني وأهلي حول مائدة الافطار، صوت أمي وأخواتي في المطبخ لتحضير مائدة الافطار، وزيارة الأهل والأقارب والأرحام، بالإضافة إلى ولائم الطعام التي كنا ندعوا عليها الأقارب في منزلنا طيلة أيام الشهر، جميع الذكريات رحلت مع فراقهم، لا أستطيع نسيانهم، الايام لم تنسيني وجع فراق أهلي أبدا”، يكمل الحاج حديثه لمراسلة قدس الإخبارية.

ياسر تزوج بعد استشهاد عائلته ليبني أسرة جديدة، “قمت بإعادة إعمار منزلنا الذي قصف، وتزوجت ورزقني الله بطفلتي الأولى التي اسميتها باسمة على اسم والدتي رحمها الله، أحاول أن أعيد حياتي ولكن لا أستطيع ففقدانهم ألم كبير، لا أستطيع إعادة السعادة التي كانت موجودة أثناء حياتهم”.

صابرين (28 عامًا) زوجة الشهيد عرفات طافش، تحاول أن تسد الفراغ الذي تركه زوجها بين أطفالها الثلاثة الذين تيتموا قبل أن يعيشوا طفولتهم.

تروي صابرين لـ قدس الإخبارية، “استشهد زوجي في نهاية شهر رمضان عام 2014 ، عندما رحل أخذ معه حلاوة أيام الشهر كلها، فانا الآن لا أقول أنه مر على استشهاد زوجي ثلاثة سنوات، بل  عندما يأتي رمضان وكأنه أول رمضان لي بدون زوجي، أنا فقدت وتد أسرتي، وعندما أذهب لبيت أهل زوجي، أشعر بأن أسرتي ناقصة”.

وتضيف، “لدي ثلاثة أولاد وهم جنين سبعة أعوام، وكرم سبعة أعوام، والأصغر كرمل أربعة أعوام، جميعهم يسألوني عن والدهم، ولكن ابني الأكبر جنين يحتفظ بملابس اشتراها له والده قبل استشهاده بفترة قصيرة، وكانت كبيرة الحجم عليه واحتفظ بها ولا يريد لبسها ابدا ليحافظ عليها كما هي”.

المئات من العائلات فقدت أحبابها، ولكن هناك عائلات أخرى فقدت منازلها ولا تزال تتحسر على ذكرياتها، والبعض منهم لم يعوض بمنزل بديل، حيث دمر الاحتلال 2358 منزلا بشكل كلي، و13644 بشكل جزئي، من بين هذه المنازل منزل عائلة “حسين شاهين” الذي لم يتم تعويضه بمنزل بديل بحجة عدم وجود أفراد عائلة له، ولكنه رزق بطفلته سلمى بعد 10 أعوام من الزواج.

سماهر شاهين تسرد لـ قدس الاخبارية طبيعة الحياة دون منزل في شهر رمضان، “هدم منزلي في الحرب الأخيرة على غزة تحديدا بآخر أيام شهر رمضان، كنت متشردة منه انا وزوجي وعدت إليه لم أجد منه إلا حائطاً واحداً لم يهدم، توجهت للصليب الأحمر لأخذ النايلون وبعض الصفيح لعمل غرفة منه، أي أن أعيش بالشارع لا يوجد مطبخ ولا غرفة أفطر داخلها أنا زوجي، لذا نجبر على الافطار أمام ركام المنزل بالشارع، هذه اللحظة كفيلة أن تشرح ألمنا في أيام شهر رمضان”.

وتضيف شاهين، “وجعي بأن مشردة لا منزل ولا مطبخ لي، أعيش بالشارع لا أحد ينظر لي ويمد يد العون لبناء منزلنا المهدم، ليس ذنبي بأنه لا يوجد لدينا أطفال، أنا وزوجي عشنا بمعاناة طويلة على مدار عشرة أعوام قبل أن نتعالج من أجل الانجاب، جميع ما نملكه دفعناه للعلاج وإنجاب هذه الطفلة التي تهون علي ألم الحياة، ولكني الآن لا أستطيع أن أحميها من الحشرات التي تلدغها طيلة الليل فلا يوجد باب يغلق علي أنا وطفلتي وزوجي”.

كما وعبرت سماهر عن سعادتها بالأشخاص الذين يأتون إلى منزلها المهدم للسؤال عنها وتناول الإفطار معها في الشارع لكسر الحزن عن قلبها.

                 

يذكر أن الاحتلال ارتكب خلال العدوان الأخير على قطاع غزة العديد من الجرائم البشعة التي يدنى لها جبين العالم، فلم يترك بشرا ولا حجرا ولا شجرا إلا وضره بوحشيته الغادرة، وبلغ عدد الشهداء 2031 بينهم 579 طفلا و263 امرأة و102 من المسنين، ولازالت المعاناة مستمرة بعد الحرب، فان ذكريات الوجع لم تنسى بعد، والخوف من القادم هو الذي يسيطر على أهالي قطاع غزة، الخوف من المستقبل ألم يضاعف الماضي الحزين والحاضر البائس.

إلى الأعلى