آراء

وعاد أخي

منذ 18 شهراً، اعتدت أن أرى نصف جسدك خلف زجاج شفاف، وأسمع صوتك من خلال هاتف معطل، حيث يصل نصف صوتك، ولا أعلم أين تذهب البقية، اعتدت أن أصل إليك منهكة من رحلة طويلة، بدأت بحاجز تفتيش..

يا أخي، كانت رؤيتي في كل زيارة لجندي يحمل سلاح ولكل سجان يصرخ في وجوهنا ويفرد أوامره علينا كالعبيد، تعطيني مزيج من القوة واليأس.

أما عن القوة فكانت علمي المؤكد بأنهم عابرون راحلون، وأما اليأس يا أخي فكان رؤيتي لأمهات يحملن أكياس مليئة بالأغطية لتعوضن ابنائهن عن الحرمان من دفء حنانهم.

وفي حالتك أنت، فكان اليأس مجرد طفل كان على أمل أن يلتقي أباه في ذات زيارة ولكنه لم يفعل! “لأنه ممنوع أمني”، لتبقى محروما من رؤية والدنا شهورا طويلة.

يا أخي، ما رأيت لا يوصف بكلام، فما أقساها من مرارة حينما تفقد أحد من أفراد العائلة في سجون الاحتلال، مرارة لا يشعر بها إلا أهل الأسرى وقلة من الناس.

أخي زكريا،
لم أعلم كيف كانت معاناتك في ذلك المكان القبيح، ولا أدري كيف استطعت أن ترى وجوه الصهاينة في كل صباح، فهل ستحقد عليهم لاعتقالك بسبب اتهامات تافهة أم لأنهم قتلوا مأمنك، أمنا الغالية مهدية؟

فلا أنسى ولن، تفاصيل اعتقالك بعد 20 يوماً فقط من استشهاد أمنا، ليحرمونا بحقدهم من مواساة بعضنا البعض، ويزجوا بك بالسجن لتواسي نفسك بنفسك.

تعجبت في تلك الليلة -ليلة اعتقالك – من هذا الحقد كله الذي يحمله صهيونيّ في قلبه اتجاهنا، حتى يرفع بسلاحه الحقير على أخينا الطفل يحيى الذي لم يكن قد أكمل العام الأول من عمره بعد. لتمر الساعة ونصف على اقتحامهم وتواجدهم في منزلنا، وهم يقفون أمامنا ويرمقوننا بنظرات تعترف بقتلهم أمنا الشهيدة.

أخي،
عندما أوصيتني في أول زيارة لك بعد أربعة أشهر من اعتقالك، أن أحافظ على ابتسامتي، لقد فعلت ذلك من أجلك ومن أجلهم، وسأعترف لك أيضا أخي ولن أكذب عليك، أني بكيت قليلا ولكن تمالكت نفسي أخيرا، وقد مدني صمودك في الاعتقال القوة والصبر.

أخي،
في كل مكالمة هاتفية اجريتها معك، صوتك الذي أصبح أقوى، معنوياتك العالية، أخبارك الجيدة كما قلت! حرصك على صلاتك، تركك للتدخين، أخبارٌ بسيطة منك، كلها كانت قادرة على مواساتنا ولو بالقليل..

كنت أشعر بك، وفي كل صلاة لا تخلو من اسمك ادعي، وبعد هذه الفترة الطويلة والتي كنت بحاجة فيها لأن تكون سندي، أقول لك انني استطعت تجاوزها بقوة وعزيمة منتظرة اياك.

وبعد كل صبر فرج وعد الله الحق، ها انت ستخرج وتنير حياتنا، تنير وجوهنا التي لا طالما كانت فخورة بك نحن ننتظرك، لسنا نحن فقط، فكل سلواد تنتظرك..

أخي، أمي الشهيدة الحية في قلوبنا، بروحها التي تحرسنا هي أيضا تنتظرك اليوم معنا.. فكيف لا وهي لم تفارقنا لحظة مذ استشهادها، وبقيت لنا مصدرة القوة، كما ستبقى.

أخي زكريا.. أهلا بعودتك من جديد

“البيوت
إلى الأعلى