آراء

“الجبارين الثلاثة”

ويعيدنا الرقم ثلاثة إلى ظلّنا الحقيقي، ودمنا المخبوء، ثلاثتهم محمّد، وثلاثتهم امتثلوا للممكن، بل واستفاضوا في التعبير عنه وتأجيجه، يأتي ممكنهم الذي لا لبس فيه ليسدّ “البديل” الذي لطالما تبجّح كثيرون في “لائه” ليبرّر لذاته مسار “النضال” بمعيّة النظام ومن داخله، ثلاثتهم أمسكوا بممحاة السيطرة، وغَالَبوا سلطة المكان والزمان مع أول طلقة، في اليوم الذي يُمنع فيه ممّن هم دون الـ45 عامًا من الدخول والصلاة، ثلاثتهم احتموا باليقين وتجاوزوا الإجابات التي يعمّمها المحتل في “من يدخل؟ وكيف؟ ومتى”، لملموا شظايا تلك الأسئلة، وأعادوا تركيب الإجابات لوحدهم وإلى وحدهم أحرارا، غصبا عن الكاميرات والتقنية والأسلحة.

ثلاثتهم، كما في كلّ مرّة، يذهبون نحو مستقرّ الشهادة ويقين الفعل، مغلقين الباب علينا لنبدأ نقاشاتنا وتأويلاتنا المفضوحة، نقاش طائفي، وآخر شرعي، نقاش حول مشروعية الفعل سياسيا، نفاش الخصوصية، دون أن نتفق ولو لمرّة واحدة على دم ثائر من الداخل المحتل، لكلّ نقاش امتيازاته واسترجاعاته، فبينما رفض “الجبارين” الثلاثة تلك المواطنة الكولوينالية المشروطة، وأن تبقى الأخيرة مطرحًا لاختبارهم الدائم من قبل المؤسسة، يصرّ آخرون على إبقاء ذواتهم كذوات “موضوعة” داخل المعادلة الاستعمارية، والعيش تحت وطأة الاختبار الدائم وحسن النيّة، وقطبي “مواطن مشتبه به” و”مواطن صالح”.

ثلاثتهم الجبّارون، اسمًا وفعلًا، جعلونا أكثر انكشافًا على تلك النماذج التي تخشى على “امتيازاتها” وفُتات مكتسباتها الماديّة أكثر بكثير ممّا تخشى على دم أبنائها، لتخرج علينا بالقول إنّه “عمل فردي مرفوض”.

تقول النظرية إن الحالة التي يصبح فيها الاستعمار الاستيطاني مموّهًا، ويُكفٌّ عن النظر إليه كذلك في خيال المستعمَر، يكون بالفعل قد تحقّق تمامًا، ووصل إلى ذروته، وهو ما دفع ببعضهم إلى التبرؤ من فعل “الجبارين”، وتوضيب علاقات القوّة من جديد، بشكلٍ لا نعود قادرين على الاهتداء إلى أنفسنا بمسمانا الحقيقي، ولا ترويض المستحيل.

حسنًا، ثلاثتهم اقتطع من عمره لنرتّب نحن بالمقابل فوضى أفكارنا، لكنْ كانت الشهادة المُختلف عليها للأسف، وكانت معادلة الأمن مقابل الصلاة، كجزء من مشروع سياسي تضاده العنف الثوري. الصلاة ليست غايتنا، ما دمنا نسقط إلى قاع البئر مجدّدًا، ونستجدي الاحتلال لفتح أبواب الأقصى، ونوزّع المرثيات لإغلاقه وتفتيشه ودهمه، وكأنّ صراعنا مؤقتا مع عواقب العملية البطولية، وليس دائمًا ومتجدّدًا مع فكرة احتلاله بالأساس.

ليست المشكلة في أن تأخذنا الحمية لندافع عن مقدساتنا ومكاننا، لكن المشكلة في أن نقاتل بنصف الحقيقة وبسياق مبتور، وكأنّ المنتهى أن تصلي، ولو تحت “بسطار” أصغر شرطي احتلالي. لكنّ ثلاثتهم أيضًا أزال الغشاوة عن كثيرين، وجعلهم معرّين مختزلين في بيان سياسي، كما يليق بحقيقتهم وحجمهم.

ثلاثتهم كانوا مطمئنين إلى آية “واقتلوهم حيث ثقفتموهم، وأخرجوهم من حيث أخرجوكم”. بيد أن بعضهم تبجّح بقدسيّة المكان، فعلا صوت الأخير على صوت الدم الذي نفترض قدسيته إلى أقصى مدى، فشوّهه ومسخه إلى مشكلة داخلية بين “مدنيين إسرائيليين” و”شرطة إسرائيلية”، ثلاثتهم سار عكس النسيان المنظّم، وأعارنا الجمال الذي سيغوي حتمًا كثيرين من بعدهم. ثلاثتهم ليس مطلوبًا منهم أن يخضعوا لإملاءاتنا، أو يستبقوا لحظة الصفر بسؤال الهوّية الإثنية والطائفية لمن يقف قبالتهم بالسلاح، دون أن يعني ذلك تحريضًا على طائفة بأكملها فحين نتبنّى- مثلًا- موقفًا صارمًا من جبرائيل نداف الداعي لتجنيد المسيحيين في جيش الاحتلال، فهذا لا يعني تعميمًا للتحريض، والتعامل مع الجميع على نفس المفرزة، أو انتقاصًا من مكانتهم في مشروع المقاومة، حالهم تمامًا كحال أي عربي مسلم منخرط في قهرنا واضطهادنا، فلا يمكن أن تكون اللغة والعروبة بمعناها الثقافي والفلكلوري المجرّد والدين كذلك حائلين دون الصهينة، تمامًا مثلما اقتلع كثير من اليهود العرب من حضننا، وانشطرت هويتهم إلى جزأين لا يعملان إلا بضدّ كل منهما، حتى قُضي على الشطر العروبي (بمعناه القومي) فيها، وباتوا يصدحون “الموت للعرب” لضمان التصهين النقيّ.

ثلاثتهم أعادونا إلى البطلين نشأت ملحم ومهند العقبي، بذات النقاش وذات المقولات وذات التواطؤ على كم يعني الشهيد لنا، وهذه ليست آخر ما يسيل الحبر بخصوصها، سنظلّ محاطين بهكذا جو ما دام الداخل يصدّر لنا وللجميع نضاله المسلّح، ويُراكِم على الماضيين البعيد والقريب، ويحرق من خلفه مراكب الخديعة تلك.

التراكم الذي يحيل المستحيل ممكنًا، ويحيلنا إلى كائنٍ واحد بعد أن كنّا شعوبًا وقبائل بحسب الجغرافيا السياسية، ويعقد تناصًا محبّبًا مع التاريخ، الجبارون الثلاثة، بفعلهم، استعادوا الثائر من أمّ الفحم أسعد محاجنة الذي رافق عز الدين القسام في معركة يعبد بجنين، وكذلك الفحماويين يوسف الحمدان وأحمد وعلي الفارس ويوسف أبو درّة في ثوراتهم على الاستعمار الإنجليزي، وفي ذلك استعادة لأول من استشهد من أم الفحم، وهو يوسف الهنداوية، الذي اعتقله الاستعمار البريطاني في أواخر عام 1936، وحكم عليه بالإعدام شنقًا في سجن عكًا، والمعركة التي خاضها ثوار أم الفحم ضد الاستعمار عام 1938، والتي على إثرها انسحب الجيش البريطاني واستشهد فيها الشيخ عطية وثلاثة عشر مقاتلًا آخر، إلى جانب عدد من الأسرى والشهداء في الانتفاضتين.

وأمام عقلنة خيارات الشهيد بدافع تسييسها أو تكميمها، سنظلّ نؤسطر فعله ونرمي أنفسنا في حضنه، بل ونظلّ نستعير منه فداحة التذكّر بأنّ العدوّ لا يفقه إلا لغة الدم، سنظلّ نشهركم علنًا، ولن نخبئكم خلسةً في معاطفنا، فأنتم آخر ما تبقّى لنا، كلّ ما أتمناه أن يفتح الثلاثة الجبارون “نعشهم المغطّى بالبنفسج”، لا ليهمسوا لنا بالحقيقة التي ليست بحاجة للبرهان، بل لنهمس لهم نحن بالامتنان وصُغر الحال التي نرى فيها أنفسنا أمامهم، ولنقبّل جباههم وأقدامهم، فلعلنا نكون على قدر الوفاء لكم.

إلى الأعلى