تقارير وملفات خاصة

ذكريات الرباط.. أيام لن تنساها عتبات الأقصى

القدس المحتلة- خاص قُدس الإخبارية: على عتبات باب حُطة المغلق كبقية أبواب المسجد الأقصى، وقف ينظر إلى الجنود الذين يمنعون المصلين من الدخول، والدمع يفيض من عينيه رغم محاولته حبسها أمامهم، فأبواب المسجد تغلق لأول مرة منذ حرقه عام 1969، لا خطبة الجمعة ستقام ولا الأذان سيرفع.

صباح يوم الجمعة الرابع عشر من تموز، أغلق جنود الاحتلال أبواب المسجد ومحيط البلدة القديمة، فأدرك سكان مدينة القدس خطورة ذلك، وتعنت سلطات الاحتلال ومحاولتها لتمرير مخططاتها، وقرر أهل البلدة القديمة أن يرابطوا على أبواب الأقصى، نظرا لمنع غيرهم من الدخول.

صباح الأحد رفع الحصار عن البلدة القديمة، وفتحت أبواب المسجد الأقصى، إلا أن المقدسيين تفاجئوا بنصب الاحتلال لبوابات الكترونية كشرط لدخول الأقصى، فقرروا وبالاتفاق مع شخصيات دينية عدم الدخول إلا بعد إزالتها، وهو ما رفضته حكومة الاحتلال.

أحد المرابطين الذي يقطن في البلدة القديمة قرب باب حطة، وفضّل عدم ذكر اسمه خشية ملاحقته وتمديد إبعاده عن الأقصى، يروي لـ “قدس الإخبارية” يوميات من الرباط عند أبواب المسجد.

الشاب المرابط (27 عاما) ويعمل أستاذا في إحدى مدارس القدس، بدأ يرابط عند باب حطة منذ اليوم الأول لإغلاقه، وكان في بعض الأحيان يتنقل ويرابط عند باب المجلس، “أول يوم إغلاق صلينا على الاسفلت.. الكل كان يشعر بالقهر والغضب، بكينا لأننا لأول مرة نُمنع من صلاة الظهر في الأقصى”.

ولمواجهة إجراءات الاحتلال، بدأ المقدسيون بالتدفق نحو أبواب الأقصى والرباط هناك، إذ كانت الأعداد في البداية تقدر بالمئات، “حاول جنود الاحتلال اقناعنا بالدخول عبر البوابات، لكن الرفض كان الرد الموحد، وحاولوا قمعنا أكثر من مرة، إلا أننا كنا نعود مجددا”، يقول المرابط.

يوما بعد يوم، كانت أعداد المرابطين تتزايد عند كل الأبواب، “الأقصى خط أحمر، وقف الجميع موحدين بوجه مخططات الاحتلال، وغاب عن المشهد كل ما له علاقة بالأحزاب والفصائل، وحدتنا الهوية والانتماء”، يشرح المرابط لـ مراسلة قدس الإخبارية.

يستذكر الشاب ما حصل في إحدى الأيام عندما قُمع المرابطون، إذ اعتدى جنود الاحتلال على مرابط مسن بالهراوات وأصابوه بجروح وتم نقله للمستشفى، إلا أنه في اليوم التالي عاد مجددا للرباط.

من أصيب أو اعتقل وتم إبعاده عن أبواب الأقصى، كان يعود مجددا ويصل إلى أقرب نقطة يستطيع الرباط عندها، لم يقتصر الأمر على ذلك، بل وفي إحدى المرات اتصل ضابط “الشاباك” في المنطقة بعدد من الشبان المرابطين، يهددهم ويطلب منهم تهدئة الأوضاع ومغادرة محيط الأقصى، إلا أنهم كانوا يردون عليه أنهم سيرابطون حتى أخر نفس، وما أن ينهوا المحادثة، حتى يبدأوا بالتكبير.

بعد أن أزالت سلطات الاحتلال البوابات الالكترونية، ونصبت بدلا منها كاميرات ذكية على جسور حديدية، رفض المرابطون الدخول إلا بإزالتها، وهو ما أثار غضب جنود الاحتلال الذين شاهدوا الناس يفترشون الأرض رافضين لأنصاف الحلول، وما أن رفع أذان الفجر في حينها حتى وقف الجميع يصلي.

“موقفنا الموحد أثار جنونهم، حتى عندما كانت حناجر المرابطين تصدح بكلمة (يا الله) كنا نرى الرعب في أعين الجنود”.

ولتعزيز صمود المرابطين الذين كانوا يأتون من الداخل المحتل ومن يستطيع من أهل الضفة الغربية والسائحين، بدأ سكان المدينة بتوزيع المياه الباردة والفواكه والطعام عليهم، ومن المواقف الطريفة يرويها المرابط، عاد أحد الشبان لمنزله وسأل والدته عن الغداء فقالت له “انزل على باب الأسباط”.

الجميع شعر أن واجبه الوطني يحتم عليه التواجد في محيط الأقصى لا المنزل، وأرادوا أن يكونوا شهود عيان على كل لحظة، ففي إحدى الأيام كان الشاب المرابط يسير في طريق باب حطة، فرأى شابًا يرتدي ملابسًا أنيقة يفترش الأرض وحوله كتب جامعية، وما أن وصل عنده حتى دعاه الشاب لتناول الغداء معه، إلا أن المرابط شكره وقال له: “أكلت للتو، إلا أنني سأتناول حبة ملفوف”.

يشير المرابط خلال حديثه لـ “قدس الإخبارية“، إلى أنه كان يعرف طالب جامعي يدرس الطب البشري، امتنع عن الذهاب إلى جامعته طيلة فترة إغلاق الأقصى وبقي يرابط عند أبوابه، كذلك كان هناك باحثون يجلبون أوارقهم البحثية ويعملون أثناء رباطهم.

“أسبوعان ابتدءا بدموع الحزن والقهر على إغلاق الأقصى، وانتهيا بدموع الفرح على النصر ودخول المسجد”.

بعد يومين من فتح أبواب الأقصى، أعاد جنود الاحتلال اعتقال الشاب خلال تواجده في طريق باب المجلس، إذ سبق أن اعتقلوه خلال فترة الرباط، وصدر حكم بحقه بإبعاده عن المسجد الأقصى لمدة شهر والبلدة القديمة مدة أسبوع.

حكايات باب الأسباط

طيلة فترة الرباط، رابط شباب وشياب ونساء وأطفال على أبواب الأقصى، فإحدى المرابطات كانت تتجه يوميا مع أفراد عائلتها الستة من بلدة بيت حنينا إلى باب الأسباط، لا سيما قبيل الغروب حتى بعد صلاة العشاء، فيما كان بعض أبنائها يذهب منذ الصباح.

“كانت أيام عصيبة على الجميع، الأقصى روحنا، وعندما شعرنا أننا سنفقده، الكل وقف موحدا بوجه مخططات الاحتلال، وأدركنا كم نحن مقصرون بحقه، وأنه يجب علينا الرباط يوميا في الأقصى، لا سيما فترة اقتحامه من قبل المستوطنين”.

وتردف المرابطة لـ “قدس الإخبارية“، كثيرا ما كان يتم قمعنا عند باب الأسباط، خاصة قبل صلاة المغرب وبعدها، وكان الشبان الدرع الحامي للنساء والمسنين، كانوا يرشدونا لطريق آمن قائلين “من هنا يا أمي، يا أختي”، مشيرة إلى أنهم وبعد كل عملية قمع يعودون إلى أماكنهم.

“صلاة الجكر”، شبان أطلقوا هذا الأسم تحديا لجنود الاحتلال الذين كانوا يقمعون المرابطين بعد صلاة العشاء، حتى يعودوا لمنازلهم، إلا أن الشبان الذين شاهدوا جنود الاحتلال يتحضرون لقمع المرابطين، وقفوا وقالوا :”يلا قيام الليل”، وذلك في رسالة للجنود أنهم لن يغادروا المكان.

بعد أن فتحت أبواب الأقصى يوم الخميس، كان أبناء تلك المرابطة من أوائل الداخلين للأقصى، وخلال مرورها من باب الملك فيصل تم فتحه، إلا أنها رفضت الدخول إلا من باب حطة وتوجهت إلى هناك.

“المعظم أصر على الدخول من باب حطة، وكانوا يرددون (لا دخول للأقصى إلا من باب حطة)، إذ كنا نخشى أن ندخل من أبواب أخرى ويبقى باب حطة مغلقا، كانت من أجمل اللحظات الكل كان يبكي، يكبّر، يسجد شاكرا الله، ويقبل تراب الأقصى، رغم أن الاحتلال حاول أن لا يتمم علينا فرحتنا عن طريق قمعنا داخل الأقصى، إلا أنه فشل مجددا”، تكمل المرابطة حديثها لـ “قدس الإخبارية“.

عبد الرحمن سلهب (13 عاما) من بيت حنينا، كان يرابط يوميا عند باب الأسباط، فهو طيلة شهر رمضان كان يمضي أيامه في مكتبة الأقصى، وفي أواخر أيام الإغلاق اقترح شقيقه عليه أن يضع بسطة كتب ويوزعها على الأطفال المرابطين.

يقول عبد الرحمن لـ “قدس الإخبارية“، “عندما كنت أرابط، كنت لا أعرف كيف استثمر وقتي بشيء مفيد، فقررت جلب كتاب وقراءته، وبعدها وضعت بسطة عليها كتب للأطفال، حتى يستمرون بالرباط ويستفيدون من وقتهم”.

وعن الخوف، يقول إنه رغم القمع والاعتداءات إلا أن الأطفال لم يرهبهم ذلك، واستمروا بالتواجد والرباط على أبواب الأقصى، “كنا ننشد ونصلي ونستمع لقصص المرابطين، ودروس الدين”.

إلى الأعلى