مدوّنات

النسر والرصاصات الثلاث في شارع الشهداء

الخليل- قُدس الإخبارية: عند “الكرنتينا”، وهو الاسم الذي يطلق على مركز صحي قديم يقع في البلدة القديمة في مدينة الخليل، التقينا “النسر”، الذي أبلغنا أننا سنكون مضطرين لسلوك طريق وعرة، تمر من خلال إحدى المقابر، لأنه الطريق الوحيد المفتوح أمامنا والذي سيوصلنا إلى شارع الشهداء.

ثم عاد ليحذرنا من أن هذا الطريق أيضا غير آمن، كونه يخضع للمراقبة العسكرية الإسرائيلية، وربما يعترضنا الجنود، ويمنعونا من الوصول، ويصادرون كاميراتنا.

لاحقا علمنا أن الاحتلال أبلغهم نيته إغلاقه ببوابة عسكرية أسوة بالمداخل الأخرى.

تبعنا خطوات المواطن محمد توفيق الشرباتي، الملقب بـالنسر، إلى أن صرنا على مرمى حجر من الآليات العسكرية الرابضة بمحاذاة إحدى البنايات القديمة الفارغة من سكانها، وعلى بعد أمتار قليلة تطل فوهات بنادق الجنود من نافذة أحد معسكرات جيش الاحتلال المقامة هناك.


أثناء سيرنا لاح أمامه منزله ومقهاه الذي حجبت الآلية العسكرية بابه، مشيرا بسبابته في دورة واسعة نحو الشارع “هذا هو شارع الشهداء”، ثم ثبت يده ناحية إحدى البنايات القديمة تعلوها الأعلام الإسرائيلية “هذا منزلي وإلى الأسفل منه قهوتي كنت أسميها قهوة خليل.

هنا في المقهى الشعبي، قبل 23 عاما، قبل أن يطرد الشرباتي وجيرانه من الحي، عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي الشريف عام 1994، كان الناس يجتمعون ويتناقشون ويضحكون، ويحلون مشكلاتهم، يسهرون لأوقات متأخرة من الليل، أحلى تلك الأيام عاشها في شهر رمضان والأعياد.

عُمر المقهى من عمر أجداد الشرباتي، شيدوه منذ عشرات السنين، حيث جمع حول طاولاته مخاتير قرى الخليل، وسائقي الحافلات في المجمع، والمثقفين وغيرهم، لكنه اليوم بات حديقة للمستوطنين، بعد أن كسروا وسرقوا ما بداخله من أكواب وفناجين وبوابير وصواني ومقاعد، وذكريات جميلة، ومنذ ذلك الوقت لم تطأ قدما “النسر” عتبته.

ظل يتحدث عن المنزل الذي آواه وثلاثين فردا من عائلته، وعيناه تراقب مرور المستوطنين من الشارع جيئة وذهابا، أحدهم لاحظ وجودنا فأنزل نافذه مركبته، وشتمنا بلغة عربية ركيكة، بينما في آخر نقطة على يمين الشارع جلست مجموعة أخرى من المستوطنين على الرصيف، يأخذون قسطا من الراحة، بعد جولة ميدانية في المكان.

أسلاك شائكة كثيرة منصوبة على طول الطريق، بوابات ونقاط مراقبة وفوهات بنادق، تفصل ما يقارب 172 عائلة فلسطينية تقطن في شارع الشهداء والأحياء المحيطة به، بعد أن كان يصل عددهم تقريبا إلى ثلاثة آلاف، أجبروا على العيش في أحياء أخرى من المدينة بعد وقوع المجزرة.


يومها استغل الاحتلال حالة الحداد التي عمت البلدة القديمة، وعندما عادوا لفتح محلاتهم منعوا بالقوة، بينما فرض نظام منع التجول على المواطنين لثلاث سنوات، يسمح لهم بشراء احتياجاتهم لمدة ساعة كل خمسة أيام، قال الشرباتي: “طردوا الناس وضيقوا عليهم في أرزاقهم.

التقطنا بعض الصور لمنزل الشرباتي ومقهاه، وعيون الجنود تراقبنا من بوابة المعسكر، الذي كان في الخمسينات محطة وقود، ومجمعا للحافلات التي تقل المسافرين إلى مدن الضفة الاخرى لنهر الاردن، والمدن الفلسطينية الأخرى، كما حولوا المبنى العثماني المجاور، الذي كان يوما مدرسة أسامة بن منقذ إلى كنيس يهودي وسكنا للمستوطنين الذين يقطنون في مستوطنات محيطة وهي حيّ “أفرهام أفينو”، و”بيت رومينو”، والدبويا أو ما تعرف بـ “بيت هداسا” و”تل رميدة.

تناهى إلى مسامعنا إحدى الأغنيات باللغة العبرية، قادمة من داخل إحدى مركبات المستوطنين التي مرت من المكان، ما جعل الشرباتي يسد أذنيه تحاشيا لضجيجها، قال إنهم مزعجون، يقومون كل ليلة بتشغيل مكبرات الصوت في الشارع، وتنظيم الحفلات لأوقات متأخرة من الليل.

المفارقة هنا أن آخر حفل زفاف أقامه المواطنون في شارع الشهداء ومحيطة كان عام 2002، بعدها منعهم الاحتلال من إقامة أي مناسبة اجتماعية، وإذا أراد أحدهم دعوة أقاربه على مأدبة طعام أو إفطار رمضاني، فإنه مجبر على إقامتها إما في أحد مطاعم الخليل أو في منزل آخر بعيد عن هنا، لأنهم لن يتمكنوا من دخول الحي، فهو مقتصر على من يقطنون فيه.

يحمل كل فرد من أفراد العائلات الـ172 رقما معينا، خطه لهم الجنود على غلاف بطاقاتهم الشخصية، مرتبط بملف بحوزة جنود الاحتلال المتواجدين باستمرار على البوابات العسكرية المحيطة بشارع الشهداء، يحوي كامل المعلومات الشخصية، ليتمكنوا من خلاله من عبور البوابات الحديدية التي توصلهم إلى منازلهم.

في هذه الأثناء بدأنا نلمح حركة خروج الجنود الإسرائيليين من بوابة المعسكر، خمن الشرباتي أنهم قادمون باتجاهنا، كونهم يمنعون أحدا من الاقتراب من هذه المنطقة، وصدقت تخميناته، حيث أحاطنا خمسة جنود، وراحوا يسألون عن سبب تواجدنا، أحدهم شد الكاميرا باتجاهه، وبدأ يقلب ما التقطناه من صور، بينما طالبنا الآخرون بمغادرة المكان، وعدم التصوير، وإلا فإننا سنتعرض للعقوبة.

سلكنا طريقا ضيقة صعودا إلى سطح أحد المنازل ومنه إلى سطح روضة أطفال، وصولا إلى بيت أحد أقارب الشرباتي، هذه الطريق التي تضطر المعلمات سلوكها يوميا.

أغلقت إسرائيل بأوامرها العسكرية ما يزيد على 1400 محلا تجاريا في أنحاء مختلفة من البلدة القديمة، معظمها في شارع الشهداء، وسوق الخضار، وسوق البالة، وساحة الكراج، وساحة الشلالة القديم.\


تموز الماضي أدرجت “اليونسكو” البلدة القديمة في مدينة الخليل على قائمة التراث العالمي، رغم ما يراه مراقبون من أهمية للقرار، لكن  “النسر” لا تعنيه القرارات الدولية إذا لم تعيد له حقه المسلوب قال: “أريد استعادة بيتي وقهوتي”.

غادرنا منزل أقرباء الشرباتي، سيرا باتجاه البوابة العسكرية، فجنود الاحتلال المتمركزون عليها لا يكترثون بمن يخرج، فمهمتهم تعسير دخول المواطنين إلى المنطقة، وتسهيل خروجهم، وهو ما يعكس رغبتهم في إفراغ الشارع من العائلات المتبقية فيه.

وصلنا البوابة العسكرية، وقبل اجتيازها استوقفنا مشهد لثلاث رصاصات استقرت أسفل أحد أبواب المحال التجارية المغلقة، وهي ذاتها التي قتلت الشهيدة هديل الهشلمون قبل عامين، انحنى الشرباتي متحسسا بأصابعه مكان الرصاص وقال :”قتلوها لأنها رفضت نزع نقابها” ثم استقام وأشار نحو منطقة مجاورة “وهناك قتلوا الشهيد عبد الفتاح الشريف”.

ودّعنا الشرباتي، وطالبنا الإسراع بالخروج من البوابة، قبل وصول ضابط الاحتلال المسؤول عن المنطقة، لأنه في حال لاحظ وجودنا، فإنه سيقوم باعتقالنا على الفور كما حصل سابقا مع مواطنين كثر بحجة أننا نتواجد في منطقة “يحظر علينا دخولها”.

“البيوت
إلى الأعلى