مدوّنات

فندق “بانكسي”: تسليع الفن والمعاناة ومتحفة الصراع!

مع إقتراب إنتهاء “موسم السياحة” الصيفي لهذا العام في المناطق الفلسطينية “المحررة” بحسب إتفاقية أوسلو، تمت إضافة مساهمة جديدة لدفعنا جميعاً نحو التأقلم مع الإحتلال وأدوات قمعه: الفندق المحاط بالأسوار أو ما درج على تسميته فندق “بانكسي”، نسبة للرسام البريطاني الشهير صاحب فكرة الفندق والمشرف على تنفيذه، والذي لاقى استحساناً كبيراً من المجتمع المحلي والدولي -طالما أنه يخضع لمعايير النظرة الدولية للقضية الفلسطينية، بطبيعة الحال، ولا يخرج عن سقفها.-، يتربع الفندق على بعد عدة أمتار مقابل جدار الفصل العنصري في بيت لحم كمساهم حقيقي في تزييف الوعي وإعادة تشيكل صورة الصراع العربي-الصهيوني، بناءً على منطلقات عديدة، نذكرها هنا، في محاولة -كما أراها أنا على الأقل- لنزع غطاء السذاجة الذي يلف قضية الفندق، وفي محاولة أيضاً لتنصيب الحقائق وإخراج الأمور من دائرة “العادي واللطيف” إلى كشف الماورائيات.

 يدعو الفندق، بشكل صارخ، عبر البيان الصحفي للافتتاح وعباراته الترحيبية -جزء منها باللغة العبرية-، الجمهور الاسرائيلي للزيارة وربما تقضية ليلة فيه، ويقترح مساحة فنية (جاليري) للفنانين الفلسطينيين والاسرائيليين معاً، والتبرير الأخطر أن الفندق يقع ضمن مناطق “ج” في الضفة الغربية، أي تحت السيطرة الأمنية للاحتلال، في حال قلق الزائر الاسرائيلي على سلامته.

يقف الفندق هنا تحديداً ليقول مقولات غير مرئية عديدة، منها: هذه فلسطينكم، حصراً في مناطق “أ”، مزاراً لشعبٍ آخر يملك الحق ليعيش على أراضي أجدادكم المنهوبة خلف هذا الجدار. قد يأتون، ربما، “اليساريين” منهم والمنكفئين في عمق تل أبيب للزيارة، من منطلق التفوق الأخلاقي، أو لتطهير أنفسهم من عقدة المُستعمر على حساب جلد الفلسطيني اليومي، وضمن محاولاتهم الركيكة للانفكاك من نظام القمع الذين يشكلون فيه حلقة مكررة أخرى.

الإشكال يكمن بأن مجمل هذا الطرح يضع طرفي الصراع على أكف متساوية وكأن النزاع متكافئ، ويُسقط كل منظومة العسكراتارية الإسرائيلية بتاريخها من معادلة هذه البقعة الجغرافية.

المنطلق الذي تُبنى عليه كل الفكرة، بحسب ادعاء القائمين عليها، هو تسليط الضوء على الجدار وتقديم الفندق للعالم كمكان “مُضطهد”. هذه سياحة حرب بالمناسبة، بعيداً عن الخوض في فلسفة التضامن-القادم من الغرب، تحديداً-  كفعل فوقي أم لا، ولكن تحويل معاناة الفلسطيني الى مركز إستقطاب سياحي للمتعاطفين من حول العالم، ليعيشوا حالة تضامن أو حالة من “النزوة الثورية” مقابل مبلغ ليس بقليل من الدولارات في الليلة الواحدة، تحت شعار حذق: (اسوأ اطلالة في العالم)، ليعودوا إلى مواطنهم يحدثون أقرانهم عن جياشة التجربة، هذا يذكرنا بالرحلات التي كانت تنظم لزيارة جنوب أفريقيا للاستمتاع بشكل حي ومباشر بعذابات السود الأفارقة تحت نير نظام الفصل العنصري.

وبالتالي لا يمكننا أن نرى المكان سوى مساحة جديدة في زمن الجزر اليوم للتأقلم والتعايش مع قهرنا كضحايا مسالمين ومع فاشية الإحتلال بإختلاف أدواته: الجدار هنا كأداة مباشرة. التأقلم، بمعنى أن الجدار موجود، اقبل وتكيّف واستقبل سياح العالم بابتسامة منتصر. هذا من جهة، أما على الكفة الأخرى فالتعامل مع الفندق كمتحف أيضاً يلمح إلى شيءٍ آخر، أن الصراع قد إنتهى، فالمتاحف، الكلاسيكية منها على الأقل، مهمتها أن تؤرخ الحقب المنتهية وتؤرشفها، والمتحف الفندقي هنا موجود لتأريخ إنتهاء صراع، على قدر معرفتي، لم ينتهي بعد.

الفندق كقيمة فنية

لا يبعد الفندق كثيراً عن مخيم عايدة، المخيم الذي يحاصره الجدار أيضاً، بنفس الشكل، تحت نفس الظل، أسمنت مقابل القهر، أسمنت يجثو فوق صدور اللاجئين، هكذا بدون مكياج وفنون، معاناة عارية جداً، بدون التجميل الذي يستتر خلفه الفندق، وبدون “رش السُكر على الموت”، فلماذا إذن نحتاج “عملاً فنياً” يُسلط الضوء على معاناة موجودة بالأساس؟، وما قيمة الفن إن قال المُقال؟

 ثم إن إخراج الفن- رسم “بانكسي”- من موقع فعله الحقيقي في الشوارع وعلى الجدران، ومتحفته داخل الفندق، يُفقده معناه وقيمته، خصوصا عندما “يترأسمل” الفن، بحيث يتحول الفن الذي يفترض أنه يسبح خارج كل دوائر الطحن الفاشية والأمبريالية الى مشروع يُدر مالاً. ليعيش الأجانب المتضامنين، المسددين لثمن التجربة بالدولار، تجاربهم “الفنية والثورية” معاً في الضفة المحتلة حتى خلال نومهم. جميل، لا؟

 إلى اللطيفين من شعب الجبارين، الداعمين والمؤيدين:

 لقد حان الوقت لنكتفي باستهلاك الرمزيات الفلسطينية، هذا أولاً. والتوقف عن الإعتناء بالمشهدية الثورية، دوناً عن الثورة، هذا ثانياً. خلق هذه المشاهد الرومانسية للمُضٓطٓهٓد، هذه الصورة الفلسطينية الحالمة والمفصلة على مقاييس هوليوود، بدون فعل ثوري حقيقي على الأرض يدعمها، هي تحصر القضية بمشهديات فارغة فقط. الثورة ليست مهرجان ألوان وإستمناء فني. أراكم ترون الفندق باباً نفتح من خلاله جراحنا ليعبث به كل العالم، ويدفعنا أن نكون “مانيكانات”  بلاستيكية على زجاج “ڤاترينة” هذا الكوكب، نتوق إلى نرتمي على المذابح والمسارح لنموت بسعادة وهدوء أمام الكاميرات لتكتمل صورة الضحية المهزومة في مخيالكم.

 هناك، بشكل يومي -والفندق جزء منها-، عملية ممنهجة في إعادة تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني، وتعميق تزييفه على كل المستويات، بإضافة طبقة دسمة من المشاريع والأفكار التي قد تبدو للوهلة الأولى مهمة تعكس تصورنا عن العالم وتصور العالم عنا. ربما حان الوقت لنقف، لو قليلاً، لنعيد قراءة المشهد. فالنقد والتفكيك يفضي بالضرورة إلى إعادة البناء، وإلا حافظت كل هذه البُنى على سلطاتها القائمة.

 

إلى الأعلى