ثقافة ومعرفة

إنّه المخيم يصرخ فينا “ملح”

وبعد..
كيف أنت، هل لازالت ترهقكِ الحواجز و التفتيش المستمر في هذا الوطن السليب، أعلم أن أسباب كثيرة حالت دون تواجدكِ في المعرض و لهذا أنا أكتب لكِ

لا أعلم إن كان يوسف عوض وهو فنان تشكيلي من مخيم عين عريك، يعلم حقًا بمقولة الفنان و النحات الأسباني بابلو بيكاسو “الرسم طريقة أخرى لكتابة المذكرات” لكن هذا ما فعله ويفعله دائمًا هذا الفنان الفلسطيني، فلسطيني بما تحمله الكلمة من ثقل على الفنان صاحب الرسالة و صاحب الحق بأن لا ينقطع عن بيئته و محيطه وقضيته.

يوسف يا صديقتي أب لخمسة أطفال و ستة معارض فمن الموت الفجائعي 2007 إلى إغتيال 2008 إلى تابوت 2009 و معرض بدون عنوان مرورًا بمعرض دار الحكمة في ايطاليا وصولًا إلى معرض خروج، يوسف طويل القامة كنخل العراق له نظرة مستفزة و تحمل فيها الكثير من العناد.

دعيني أقص عليكِ مخاض الولادة لهذا المعرض الذي فاتكِ أن تكوني فيه من الحضور، قبل خمسة سنوات كانت البداية عند خروجه من المخيم، المخيم بكل ما يحمله الإسم من ضيق المكان و كثافة البنيان و صبر الإنسان على تجرع الملح دون ماء، المخيم بتكدس الناس فوق بعضها البعض مثل علب السردين في صندوق وكالة الغوث.

وكالة الغوث التي لا تعترف أصلا بهذا المخيم الي ينتمي له يوسف، خرج يوسف إلى قرية أبو شخيدم ليمارس حقه على الأقل في أن يتملك حبل غسيل يمارس حقه كإنسان بأن يرى ضوء الشمس أن يكون له على الأقل نافذة لا تطل على نوافذ الجيران، لكن صديقنا يوسف الذي يحمل اسم نبي أبى إلا أن يحمل مخيمه معه فما كان منه إلا أن قام ببناء مخيمه الخاص قرب بيته الجديد في أبوشخيدم ببعض الواح الزينكو، كيف للإنسان أن يعبر عن الجوع و هو يعاني من التخمة إنه الإلتصاق بالمأساة و الوجع الفلسطيني.

يبدأ المعرض يا صديقتي بالبياض ففي عام 1947 كان لنا وطن وكان لنا أرض و كنا هناك نمارس العيش الكريم، في اللوحة الثانية وما بعدها تأتي النكبة بكل ما يتجلى فيها من عذاب و قتل و تشريد مرورا بمرحله التيه، تلك المرحلة التي لم يكن فيها المخيم، عندما كان كل اليقين بأن العودة ستكون قريبة، لأن رائحة برتقال يافا لا يزال متجذر في أنف كل لاجئ بعد مرحلة التيه من 1948 إلى 1953 أصبح عندنا خيمة.

ينتقل بنا يوسف بأسلوبه السوداوي غير المبتذل، السوداوي هنا بمعناه الواقعي الذي يجسد التاريخ الأسود والذاكرة الجمعية التي يتكدس فيها الوجع و مرارة الهجرة القسرية، إلى أن ينتقل بنا إلى محطات رفض الصلب على صليب النكبة وبداية المحاولات للدفاع و الوصول إلى العودة ويستمر في عرض المأساة إلى أن يصل إلى مخيمات الشتات، فيتناول قضية حصار تل الزعتر و المجزرة البشعة التي تعرض لها المخيم الذي بلغ عدد سكانه 50ألف و كان نصيبه 60 ألف قذيفة و الأيدي السود التي كانت تضرب العمق الفلسطيني والتي مثلها بالغربان السود وصوت المآذان يصدح “يا سكان تل الزعتر كل واحد يدبر راسو فترد اللاجئة ميساء الخطيب كل واحد يدبر راسو ما إحنا من يوم ما سكنونا بأول خيمة وإحنا كل واحد بيدبر براسو”.

ومن مجزرة إلى مجزرة ومن تل الزعتر إلى صبرا و شاتيلا و قوفًا عن الفتاة التي تعرضت للاغتصاب على يد مجموعة من الكتائب فبعد اغتصابها لخمس مرات على التوالي قال أحدهم اتركوها ستموت وحدها، لكنها بقيت على قيد الحياة لتنقل لنا ما حدث و تكون أحد الشهود، بقيت كما يتوجب على الفلسطيني أن يبقى.

وهكذا يا صديقتي و من وجع إلى وجع ينتقل فينا يوسف إلى أن يمثل أيوب و هو نبي الصبر و الشخصية الرئيسة في رسومات يوسف المولود في 2011 فيتجلى أيوب بلوحة منفردة وقد وضع عليه باركود 5101977 الذي يمثل ميلاد يوسف ليقول لنا بأن اللاجئ أصبح سلعة عند الساسة و الحكام و العالم أجمع.

يعود بنا إلى أزمة المكان و ضيق المخيم بتجربته الشخصية مرورًا إلى لحظة الفصام التي عاشها في قرار الانفصال عن المخيم من أجل أن يتيح إلى الأسرة التي تتكون من طائرين و ثلاثة نرجسات، فهؤلاء الأطفال يحتاجون أفق كما يحتاجون إلى مساحة أكبر من 60 متر المساحة التي يحتلها بيته في المخيم، يبقى في حالة الصراع إلى أن يصل إلى أطراف القرية حاملا مخيمه معه، فتعيش الأسرة الاستقرار و يعيش هو اللجوء مرة ثانية، ينتقل بنا إلى لوحة تمثل خطابات حق العودة المستهلكة و يصورها على أنها شريط كست نستمع إليه باستمرار.

يختتم يوسف معرضه بلوحة بيضاء لكن يكللها إطار كتب في داخلها مخيم تاركًا لنا حرية التفكير بما سيكون بعد 2017 لكن في مساحة ضيق المخيم، أعلم لو كنتِ بيننا لقلتي له أنه عبقري في البداية البيضاء والنهاية البيضاء مع هذا الفراغ.

لقد جسد يوسف الذي يرسم على الورق العادي جدًا بقلم الرصاص التقليدي ليجعل من البسيط غاية في الروعة في نقل رسالته التي حملها على كاهليه، لقد طبق مقولة المؤلف الفرنسي أندريه موروا “يهدف الفن إلى خلق عالم أكثر إنسانية مواز للعالم الحقيقي”، إن من السهل التعامل مع الملح إذا كان مع الماء لكن أن تتجرع كومة من الملح لتصاب بالحشرجة فهذه هي حياة المخيم.

إلى الأعلى