تقارير وملفات خاصة

العم عبد: حارس مدينة الأنبياء وقاهر المستوطنين

الخليل – خاص قدس الإخبارية: في الطريق الموصل لمحل العم عبد كما يحلو لأهالي البلدة القديمة من مدينة الخليل تسميته، بضعة حواجز، وعشرات المستوطنين ومئات جنود الاحتلال المدججين بأدوات البطش والقتل، وكان العم عبد شاهدا حيا على إعدام وتصفية وقتل نحو 62 من زينة شباب الخليل، استشهدوا أمام ناظريه، وفي ساحات المسجد الإبراهيمي ومحيطه.

وبعد اجتياز سبع بوابات إلكترونية وثلاث حواجز للاحتلال، والتدقيق في البطاقات الشخصية ثلاث مرات، في مسافة لا يزيد طولها عن مئة متر، وصلنا لمحل العم عبد، حيث تستدل عليه من رائحة القهوة الحاضرة دوماً، يقدمها للمارة والقادمين للبلدة القديمة المقفرة من كل شيء إلا من أصالة تاريخ وكرم أهاليها.

حارس الخليل

وجدناه يتكأ على كرسيه الخشبي أمام محله لبيع التحف والعُتَق والكثير من الزي والتراث الفلسطيني، الذي يقهر به غلاة المستوطنين وجنود الاحتلال الذي لا يبعد حاجزهم عن محله سوى أربعة أمتار، مقابله تماما، ويزين بأعلام فلسطين المصنوعة من رائحة عبق تاريخ البلدة القديمة مدخل محله.

ويروي العم الخمسيني عبد الرؤوف المحتسب لـ”قدس الإخبارية“، صراعه الطويل مع قادة الاستيطان، وكيف انتصر على محاولاتهم المتتالية للسيطرة على محله، والتي هزمها بإيمانه المطلق بعدالة قضيته، رغم مئات الاعتداءات والضرب، وتعرض جمجمته للكسر في إحدى الليالي التي باغته فيها المستوطنون بإرهابهم الذي يشرف عليه وينظمه ويحميه جنود الاحتلال.

يقول العم عبد: “ينحدر من سلالة والدي حوالي 1200 نفر، من 27 ولد أنجبهم، وجميعهم مقيمون خارج حدود الحواجز والبوابات الإلكترونية المؤدية للمسجد الإبراهيمي ومحيطه، وبقيت هنا وحدي، حارساً لإرث ورثه والدي من أجداده الضاربة أعمارهم في السنين الأولى لبدء الحياة فوق هذه الأرض”.

ويتابع، “كل يوم أرى آثار أقدام أجدادي راسخة هنا وشاهدة على امتلاكنا للأرض، وإثبات على بطلان رواية الاحتلال في السيطرة على الأرض، لهذا لم تغريني المبالغ الطائلة من جمعيات الاستيطان التي وصل آخر رقم منها لي 100 مليون دولار، بالإضافة لجنسية أمريكية أو استرالية وإمضاء باقي العمر برفقة من أريد خارج حدود فلسطين.

إغراءات المستوطنين

وبعيون يكسوها الأمل والتفاؤل، وضحكات تخفي ورائها الكثير من اللعنات التي صبت فوق رؤساء جمعيات الاستيطان، يقول: “ابتسمت لعرضهم كثيراً، وبدت عليهم الفرحة بعدما ضحكت واصطحبتهم لداخل بيتي، وصفعتهم بعدما أخبرتهم أن مبلغهم ربما وكررت عليهم كلمة ربما يساوي ثمن ذلك الحجر الذي تنمو عليه الأعشاب ويكسوه الاخضرار.

غادرت آخر وفود الاستيطان بيت العم عبد قبل نحو ثلاث سنوات تجر أذيال هزيمتها كما كل مرة، على الرغم من البوابات والحواجز والتفتيش وكاميرات المراقبة والهراوات والضرب والاعتداءات، وتفنن قيادات الاستيطان في صناعة فلسفة القتل والإرهاب، يبقى شامخاً برأسه المصاب الذي غزاه شيب غياب الدور الشعبي والحكومي عنه وعن جيرانه.

دعم للصمود

ودعا العم عبد الأهالي لشد الرحال نحو البلدة القديمة، ويقول: “كل زيارة لمواطن يعني طرد لمستوطن وإسقاط لمشروع جمعيات الاستيطان المتواصلة في تهويد البلدة القديمة، والتخلص من الخوف العالق في أذهانهم والإشاعات التي تطلقها أجهزة مخابرات الاحتلال لإبعاد ومنع الأهالي من الوصول لبلدة الخليل القديمة”.

 

كما ودعا مؤسسات الحكومة للعمل بصورة أكبر داخل المناطق المحاطة بالحواجز بالبلدة القديمة من المدينة المحتلة، وطالب أصحاب المحلات التجارية لإعادة فتح محلاتهم، والعمل من أجل تشجيع الفلسطينيين من كل مدن الضفة لزيارة المنطقة.

وعلى الرغم من خوف أم محمد الشديد على ابنها وأحفادها، والانتظار المشنوق فوق عتبات الزمن غير القابل للانكسار، وكأنها رحلة القلق والترقب في انتظار عودة أحفادها مع كل خروج من المنزل لقضاء حوائجهم أو توجههم لمدارسهم، جراء اعتداءات المستوطنين وتفتيش جنود الاحتلال حتى لمنكوشة الزيت والزعتر المخفية في حقائبهم المدرسية.

وتعمل أم محمد على طهي الطعام وبيعه للأجانب المقيمين والعاملين في البلدة القديمة من الخليل، لتقاسم أبو محمد متطلبات الحياة ومصاريفها، وتواكب غلاء المعيشة المفروضة عليهم بسبب قرارهم غير القابل للمساومة أو التشكيك بالبقاء رهن رائحة الأنبياء عليهم السلام التي تفوح من المسجد الإبراهيمي، وصدى أصوات الشهداء التي روت محيط منزلهم وعتباته.

وهذا محمد، يعمل دليلاً سياحياً للأجانب الوافدين إلى الضفة الغربية ومدينة الخليل بصورة خاصة، تعلم كوالده اللغتين العبرية والانجليزية والقليل من اللغة الفرنسية، بعدما ضرب أصابع يده اليسرى باليمنى ليخرج منهما صوتاً، تحدث هو الآخر بذات الإصرار والعزم على مواصلة البقاء هنا في آخر السنتمترات الفاصلة بين عالمين.

عالمان متناقضان

عالمين متناقضين بصورة مريبة، فهناك كل أشكال البنية التحتية وملاعب للأطفال ومتنزهات، ورغد الحياة وهنائها، وهنا أرض مقفرة من كل شيء إلا من أمله الحتمي بيوم النصر والفتح المبين، وطرد المستوطنين عن أرض الخليل، والدخول لمسجدها الإبراهيمي مكبرين مهللين بقوة وعزم، على الرغم من الحالة الأليمة التي تعتصره، على حد تعبيره.

وبوجهه المبتسم، وعينيه المخضبتين بالحياة يروي محمد (27 عاماً) لـ”قدس الإخبارية” تضاؤل علاقاته الاجتماعية وتبادله للزيارات العائلية بسبب إجراءات الاحتلال والخوف من الوصول أو التأخر في العودة في ساعات الليل لمنزله، وخوفاً من مباغتة المستوطنين والسيطرة على منزلهم، لكنه عازم ومصمم على البقاء.

عائلة أبو محمد بشتى تفاصيلها، تخضعك وتترك في ذهنك عشرات الأسئلة المخجلة، بعد الاطلاع المباشر على أكوام حكايا الصبر العظيم وقصص العزيمة الفائقة الوصف في البقاء كشوكة وأكثر في حلق بلدية المستوطنين المزعومة، كون منزلهم يقع بين حدود دولة أكيدة وكيان أوهن من بيت العنكبوت مزعوم سيهزم ويهزم كما قالها العم عبد، بكل وعي، وجدارته بالحياة والبقاء تعلو جبهته.

إلى الأعلى