مدوّنات

آفاق المصالحة الفلسطينية عشية حوار القاهرة

منذ إعلان حماس عن موافقتها على خطة الرئيس بحل اللجنة الإدارية ومطالبتها بقيام حكومة الوفاق بمد سلطتها لقطاع غزة وموافقتها على إجراء الانتخابات العامة بدون شروط، بدأت عجلة المصالحة تدور حيث قامت الحكومة بعقد اجتماع بروتوكولي لها في قطاع غزة، واستقبلت من جماهير شعبنا والقوى والمؤسسات بحفاوة بالغة، كما تسلم الوزراء وزاراتهم.

غير أن الفرحة لم تستكمل حين أعلن الرئيس انه ليس في عجلة من أمره فيما يتعلق بإلغاء الإجراءات العقابية. كما لم تتضمن قرارات الحكومة خطوات عملية بهذا الاتجاه. بل أعلن رئيس الحكومة أثناء زيارته إلى القطاع أن حكومته جاهزة لتسلم الوزارات وإلغاء الإجراءات العقابية، إلا أنه طلب منها انتظار اجتماع وفدي “فتح” و”حماس” في القاهرة يوم الثلاثاء القادم. كما أعلن الرئيس أنه يرفض تكرار تجربة حزب الله في لبنان في فلسطين، وأن السلطة واحدة وقرارها واحد وسلاحها واحد، وسيعتقل كل من يحمل سلاحا غير سلاح الشرعية، أي السلطة.

في هذه الورقة سنحاول أن نقيم الموقف والاجابة عن الأسئلة التالية:

لماذا تحرك ملف المصالحة الان؟ وما هي العراقيل التي تقف أمامه، ومتطلبات تحول المصالحة إلى وحدة وطنية شاملة؟ وما هي السيناريوهات المُحتملة بعد هذة التطورات، ولكي يتحول السيناريو المفضل إلى خيار قادر على درء السيناريو الأكثر سوءا؟

لماذا تحرك ملف المصالحة الآن؟

للإجابة عن هذا السؤال نجد ما يأتي:

إن العالم كله يخشى انهيار وانفجار قطاع غزة، جراء الكارثة الإنسانية المتفاقمة، وإسرائيل ذاتها تخشى ذلك، بما في ذلك امتداد تلوث البحر ومخاطر انتشار الأوبئة ولا تخفي قلقها من إمكانية حدوث مواجهة عسكرية، ومن أن يحملها العالم مسؤولية ما سيجري بوصفها الدولة المحتلة.

 إن الوضع في غزة قابل للانهيار واللانفجار في أي لحظة. كما أن هناك انشغالا دوليا وإقليميا بما بجري في سوريا والعراق، خصوصا بعد استفتاء الأكراد في العراق، وما يمكن أن يقود إليه، وتصاعد احتمال المواجهه الأميركية الإسرائيلية مع ايران وسوريا وحزب الله، ما يستدعي تبريد الجبهة الفلسطينية. وهنا علينا أن نلاحظ أن هناك فرقا بين الإجماع الدولي على منع انفجار غزة، وما يقتضيه ذلك من عودة السلطة إلى القطاع، وبين المصالحة والوحدة الوطنية التي تعني وحدة الأرض والشعب والمؤسسة والبرنامج، وهو أمر تختلف عليه وعلى شروطه الأطراف الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية. وفي ضوء ذلك، لا يمكن الحديث عن رفع الفيتو الأميركي الإسرائيلي عن المصالحة، فما توافق عليه إسرائيل وأميركا هو عودة السلطة إلى غزة وعزل “حماس”، وهذا شيء يختلف تماما عن المصالحة.

·وصول برنامجي طرفي الانقسام (المفاوضات والمقاومة) إلى طريق مسدود، وتهافت نموذج الحكم الفردي- الفصائلي بصورة لا يستطيع أي منهما أن يدعي ويجد من يصدقه بأن سلطته قدمت نموذجا ينبغي اتباعه، في ظل استمرار إسرائيل بتعنتها واتجاهها للمزيد من التطرّف بصورة لا تجعل هناك أي أفق سياسي، بل وتجعل كل الأطراف الفلسطينية مستهدفة، ولا تستطيع مهما كانت معتدلة أن تقبل ما تعرضه إسرائيل لأن سقفه هو الحكم الذاتي.

· “حماس” أدركت بعد الانتخابات ووصول قيادة جديدة مركزها في قطاع غزة وتأثرها اقل بالمحور القطري التركي، خصوصا بعد اندلاع الأزمة الخليجية واتجاه الأحداث في سوريا لصالح النظام وحلفائه، ضرورة أن تواصل اعتدالها، فأقرت وثيقة سياسية جديدة وابتعدت عن جماعة الاخوان المسلمين الذين يمرون في مرحلة هبوط شاملة في المنطقة، وواصلت تغيرها ووصلت إلى ضرورة أن تتخلى عن الحكم في قطاع غزة، لأن استمرارها سيعرضها إلى ما هو أسوأ، إلى حد انها أصبحت مستعدة أن لا تشارك في الحكومة حتى أنها يمكن جداً أن لا ترجع لها حتى لو فشلت جهود المصالحة الحالية، وأن تؤثر من خلال ثقلها في المجلس التشريعي وأوراق القوة الأخرى التي بحوزتها، وهي كثيرة. ويبدو أنها وصلت إلى حد تقديم تنازلات فيما يتعلق بالموظفين بصورة عامة وبدرجات كبار موظفيها تسهيلا لدمج الموظفين بما لا يمس بوظيفتهم ومصدر رزقهم، وذلك من أجل الحفاظ على بقائها ودورها السياسي والعسكري، وخصوصا سلاح “القسام”، مع استعدادها لتنظيمه وضبطه وإدارته بشكل وطني، لدرجة تحدثت عن تشكيل جيش وطني، فما يهم حماس أن تشارك في قرار السلم والحرب، عبر أي صيغة يتفق عليها من خلال مجلس وطني توحيدي أو تفعيل الإطار القيادي المؤقت للمنظمة أو أي شكل آخر.

لقد وصلت “حماس” إلى هذة القناعة بعد أن حاولت القيام بمسؤولياتها كسلطة إلى حد السعي لعقد اتفاق غير مباشر مع إسرائيل بوساطة قطرية تركية، وبمشاركة أطراف دولية، يحافظ على بقاء سلطتها، فاصطدمت بأنها إذا أرادت ما هو أكثر من “معادلة هدوء مقابل هدوء” وميناء ومطار ورفع الحصار عليها أن تقدم أكثر، وأن تقوم بهدم الأنفاق ووقف تطوير السلاح والحصول عليه، وأن توافق على شروط اللجنة الرباعية.

اختارت “حماس” بدلا من ذلك أن تعمل اختراقاً مع مصر لأنها لا بديل عنها، لذلك وافقت على المطالب الأمنية المصرية التي كانت تراوغ في قبول بعضها، ما أحدث اختراقا في علاقتها من نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقادها هذا إلى إبرام التفاهمات مع تيار محمد دحلان، وما يعنيه من انفتاح على محور الرياض – الإمارات. كما حاولت أن تجمع ما بين علاقتها مع محور “الممانعة” واستمرار تحالفها مع المحور القطري – التركي واستعادة تحالفها مع المحور الإيراني، فحققت تقدما مع الأخير بدون العودة إلى سابق عهدها حين كانت إيران تقدم ٣٠٠ مليون دولار سنويا للحركة، فضلا عن السلاح والتدريب، ولم تنجح مع المحور الأول الذي استاء من استدارة “حماس” المفاجئة، مع إدراكها أن إيران بعيدة جغرافيا عنها، وأن لا بديل لها عن مصر بحكم ديكتاتورية الجغرافيا. معضلة “حماس” تكمن بأن حليفيها “القديمين” في الدوحة وأنقرة، لا يختلفان عن حلفائها الجدد، فكل الطرق توصل إلى واشنطن.

هل استسلمت “حماس”؟

هل يعني هذا أن “حماس” استسلمت؟ لا طبعا، فهي تراهن على أن تراجعها خطوة إلى الوراء سيفتح الطريق أمامها من أجل التقدم خطوات إلى الأمام من خلال الاعتراف – بمساعدة مصر التي باتت تتحدث عن تحالف استراتيجي معها، وكونها في إطار الشرعية الفلسطينية – بدورها عربيا وإقليميا ودوليا (وإسرائيليا). فهي تملك أوراقا قوية، أولاها انها الطرف القوي في قطاع غزة ولا بديل عنها لضبط الأمن والاستقرار سوى الفوضى والجماعات السلفية والمتشددة، على الأقل لبعض الوقت، لأن “فتح” منقسمة، وتشهد تنافسا حول خلافة الرئيس، وتيار محمد دحلان متحالف مع حماس، وقد تكون تراهن على أن الرئيس “أبو مازن” لا يريد المصالحة، الأمر الذي سيؤدي إلى فشلها، ما سيغضب مصر وغيرها من الأطراف العربية والدولية.

كما تراهن “حماس” على أن السلطة غير جاهزة لتسلم الوزارات والأجهزة الأمنية والحدود والمعابر، وإلى حين اشتداد عودها ستعتمد على موظفي “حماس”، بمن فيهم قادة وأفراد الأجهزة الأمنية. ويضاف إلى ذلك، -إذا جرت- ن لدى “حماس” قوة لا بأس بها في الضفة الغربية والشتات، وفِي أي انتخابات قادمة – ستحصل على نسبة جيدة جدا، إذا لم تفز كما تشير الاستطلاعات. ويمكن أن تستفيد “حماس” من الخلافات المصرية مع الرئيس، ومن تردد الأخير في المضي بالمصالحة إلى آخر الشوط. ويمكن تفسير تردده بالأسباب الآتية:

· صعوبات تحمل المسؤولية الإدارية والخدماتية والمالية والأمنية عن قطاع غزة، الذي يقف على حافة الانهيار والانفجار، وهو بمثابة خزان السلاح والصواريخ، ومحمل بملفات الحصار وإعادة الإعمار والبطالة والفقر وتأثير المعاناة الهائلة، مع عدم ضمان تحمل المجتمع الدولي والدول العربية والأوروبية للأعباء الكبيرة، خصوصا المالية، الناجمة عن إمكانية استيعاب عشرات الآلاف من الموظفين، لاسيما أن التزام قطر، وربما الإمارات والسعودية وغيرها، سيكون مؤقتا ولا يمكن المراهنة عليه.

·  يدرك الرئيس أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم ترفعا “الفيتو” عن المصالحة، وإنما تريدان أن تجعلا من عودة السلطة فرصة لمزيد من ضمان هدوء الجبهة الغزاوية معها، ودفع السلطة و”حماس”، إلى جانب غيرهما من الجماعات المتطرفة في القطاع، إلى التنافس، وربما الاقتتال. والرئيس يعرف أيضا أن إدارة ترامب ستقف مع إسرائيل في ذلك، أو على الأقل لن تعارضها. ولعل الموقف الأميركي والإسرائيلي المعبر عنه بعد عقد حكومة الوفاق اجتماعها في غزة مؤشر كبير على ذلك، فهناك اصرار على التزام أي حكومة فلسطينية بشروط اللجنة الرباعية، وأن على “حماس” أن تفعل ذلك إذا أرادت المشاركة في الحكومة. التناقض البادي بموقف واشنطن وتل أبيب يمكن تفسيره بأنهما تريدان منع انفجار غزة، الأمر الذي ستتحمل عواقبه والمسؤولية عنه إسرائيل، وكذلك عزل “حماس” وبذر بذور استمرار الصراع الداخلي الفلسطيني في الوقت نفسه.

·  يخشى الرئيس أن تكون المصالحة  التي عززت علاقة مصر الجديدة مع حماس على حسابه ،ومدخلا لإعادة دحلان إلى المشهد السياسي، وهو يعتبره تهديدا له، لاسيما أن عودته لفتح أو للمشهد السياسي ستسرع برحيل الرئيس الذي يفكر بالترشح للانتخابات القادمة “إذا الشعب أراد ذلك”، كما صرح مؤخرا، لاسيما إذا ضمن الفوز بعدم وجود منافس قوي، ومما يزيد مخاوف الرئيس أن المصالحة الآن تعني أن السلطة ستسيطر فوق الأرض وحماس تحتها، وأن سلاح الشرعية سيكون إلى جانب سلاح المقاومة الأقوى منه كثيراً.

·  أدرك الرئيس أن “فتح” غير جاهزة، حيث تستنزفها الخلافات والصراعات، خصوصا بين معسكره ومعسكر دحلان. كما يدرك أن جزءا كبيرا من موظفي السلطة الذين استنكفوا بقرار وجلسوا في بيوتهم أو مارسوا أعمالا أخرى، باتوا غير مناسبين أو مؤهلين للعودة لتسلم وظائفهم السابقة، وانه يحتاج لوقت وموارد لتعيين موظفين بدلا منهم. وهذا يعني أنه سيضطر للاعتماد على موظفي “حماس”.

وهذا كله يفسر تأجيل وقف الإجراءات العقابية (رغم أن هذا غير مناسب كونه يستخدم تعذيب المواطنين وسيلة لتحقيق أغراض سياسية)، والدليل حديث الرئيس انه سيسير خطوة خطوة، ويفسر لماذا وضع شروطا جديدة تتمثل بمنع تواجد دول أخرى، ويقصد الإمارات، من خلال تيار دحلان، ورفض تكرار تجربة حزب الله، ومنع أي تحويل للأموال إلا من خلال السلطة.

· بعد أكثر من عشر سنوات، أوجد الانقسام بيئة وبنية سياسيةوأمنية واقتصادية وثقافية واجتماعية وقانونية خلقت شرائح وأفرادا وأوضاعا ومؤسسات داخل السلطة والقطاعين الخاص والأهلي أصبح من مصلحتها استمرار الانقسام، بما في ذلك التأثير الضار جدا لعدم سيادة المشروع الوطني على الاتفاقات والمحاولات لإنهاء الإنقسام، والتباينات الحادة حوله وطغيان الصراع على السلطة بين فصلين على أي شئ آخر، ما ادى لاستشراء الاستقطاب وانتشار المحسوبية والفساد وانتهاك حقوق الإنسان وحرياته، واستشراء الحكم الفردي والفئوي والاقصاء واحتكار الدين والوطنية والحقيقة وتزايد نفوذ مراكز القوى الأمنية والاقتصادية والعائلية والجهوية في ظل غياب المساءلة والمحاسبة وتعطيل المؤسسات وتراجع دور الأحزاب والفصائل، بما فيها المجلس التشريعي ومؤسسات المنظمة، وعدم الاحتكام للشعب عبر انتخابات دورية وغياب استقلالية ووحدة القضاء.

مصر السيسي ورعاية المصالحة

أما مصر، فقد استعادت رعايتها للملف بصورة أفضل من السابق، حيث كان نظام مبارك في أواخر عهده هرما وقبضته ضعيفة، وانشغل بوضعه الداخلي بعد ثورة ٢٥ يناير وما لحقها من تطورات من فوز الإخوان المسلمين إلى سقوط حكمهم. كما يظهر مدى الاهتمام المصري (مجئ وزير المخابرات وزيارته الضفة والقطاع وتوجيه كلمة من الرئيس السيسي)، والتزام مصر بمواكبة تطبيق ما يتم الاتفاق عليه حتى بالتفاصيل.

قد تكون مصر تمنت إسقاط “حماس”، وربما سعت لذلك من خلال تشديد الحصار وهدم الأنفاق على أساس أنها امتداد للإخوان الذين يخوضون حربا ضد النظام، وحاولت توحيد “فتح” حتى تتمكن من الوقوف في وجه “حماس” في القطاع ولم تنجح، فاختارت احتواء “حماس” وإدماجها في السلطة لقطع الطريق على المخطط الإسرائيلي برمي قطاع غزة في حضن مصر، والقضاء على أي فرصة قيام دولة فلسطينية طالما اعتبرت مصر قيامها مصلحة أمنية إستراتيجية قومية مصرية. ساعد مصر على اعتماد هذه المقاربة تقديم “حماس” لما يلزم من متطلبات الأمن القومي المصري، والاستعداد للتخلي عن حكم القطاع، ولكون البديل عن حكم “حماس” هو الفوضى وانتشار التطرّف والارهاب.

هناك ما يدل على أن التحرك المصري مرتبط كذلك باستعادة الدور الإقليمي لمصر كما يظهر بتميز الموقف المصري في عدة ملفات في سوريا واليمن والعراق وليبيا وايران. كما أنه وثيق الارتباط بالجهود الأميركية الرامية لإحياء ما يسمى عملية السلام ومحاولة التوصل إلى “صفقة القرن” من خلال عقد اتفاقية سلام تاريخية تنهي الصراع كما أعلن الرئيس ترامب أكثر من مرة. المأزق الذي يعترض و يواجه الفلسطينيين والمصريين والعرب أن واشنطن منحازة أكثر من أي وقت مضى للموقف الإسرائيلي الذي يبلغ الآن ذروة تعنته، ما يعني أن استئناف المفاوضات إن حدث، و”صفقة القرن” إن رأت النور، سيتمان وفق الشروط والإملاءات الإسرائيلية، وفي وقت ترى بعض الدول العربية أن إسرائيل يمكن أن تكون حليفا لها ضد العدو “إيران” والارهاب، وهذا كمن يستجير بالرمضاء على النار.

إن مسيرة سياسية لا تكون مرجعيتها الشرعية الدولية المتضمنة الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، ستعمق المأزق العام الفلسطيني، وستضع الفلسطينيين أمام خيارين أحلاهما مر: إذا وافقوا على الانخراط فيها ستدب الخلافات فيما بينهم مرة أخرى، وتستمر مسيرة تآكل الشرعيات والمؤسسات، وهذا سيعطي إسرائيل المزيد من الوقت لاستكمال إقامة “إسرائيل الكبرى” بدون المعازل الآهلة بالسكان، وقد يؤدي ذلك لفرض صفقة تصفي القضية الفلسطينية. واذا لم يوافقوا سيخوضون مواجهه صعبة وطويلة في وقت غير ملائم ولم يستعدوا لها، وضمن معطيات غير مناسبة لهم محليا وعربيا ودوليا، رغم وجود تطورات ومؤشرات يمكن أن تساعدهم، أهمها أن إسرائيل مأزومة رغم تفوقها، وتشدد فيها الصراعات، خصوصا بين التيارين الديني وغير الديني، والعالم والإقليم لم يعودا تحت سيطرة أميركية أحادية، بل هناك عدة أقطاب ومشاريع تتنافس في المنطقة العربية والعالم كله، ويمكن الاستفادة من تنافسها لصالح تحقيق حماية القضية من التصفية حاليا أولا، ثم التقدم على طريق تحقيق الحقوق الفلسطينية لاحقا.

السيناريوهات المُحتملة أمام المصالحة

تأسيسا على العرض السابق، يتضح أن الصورة ليست وردية ولا تدعو للتفاؤل الشديد، كما أنها لا تدعو للتشاؤم المطبق. فهناك أسباب وظروف أدت إلى تحرك ملف المصالحة، وتجعل فرصة الاستمرار أفضل من سابقاتها، ولكن ذلك يستدعي رؤية الاحتمالات والسيناريوهات المختلفة وما هو المفضل والجيد والسيء والاسوأ والأكثر احتمالا، ومتطلبات تحقق السيناريو المفضل للفلسطينيين ودرء الأسوأ وتقليل أضرار السيء.

السيناريو الأول: أن تكون المحاولة الجديدة مثل سابقاتها، أي أن تستمر لبعض الوقت وتنهار بعد عدة أسابيع أو أشهر على صخرة العراقيل وجبال من العقبات والخلافات وأصحاب المصالح والنفوذ الذين لن يسلموا بسهولة بالتراجع عن الثروة والنفوذ الذي حققوه، وهذا يمكن أن يحصل إذا لم يعطِ الرئيس أوامره بإلغاء الإجراءات العقابية، أو بعضها على الأقل، وإذا أصر على موقفه الذي أعلن عنه بخصوص سلاح المقاومة، وإذا لم تلتزم السلطة باستيعاب الموظفين الذين عينتهم “حماس” بعد الانقسام. هناك مرونة لدى “حماس” تصل إلى حد الاستعداد للتخلي عن سيطرتها على الأمن الداخلي والحدود والمعابر وتغيير درجات كبار الموظفين، ولكن دون المساس بوظائفهم ورواتبهم، وكذلك الاستعداد لعدم المشاركة بالحكومة، مع  حرصها على أن تكون شريكة بقرار الحرب والسلام والقضايا المصيرية، ومع ذلك هناك ألغام خطيرة تهدد المصالحة، تتمثل بالخلافات حول ما يلي:

· تفعيل المجلس التشريعي، حيث يوجد رأي بمفاده انه لا داعي لتفعيله لأن الانتخابات يجب أن تجرى بسرعة بعد ستة أشهر، ولأنه فقد صلاحيته بعد مرور ١١ عاما على انتخابه، ولأن تفعيله سيمكن “حماس” وتيار دحلان من السيطرة على الحكومة وعلى التحكم بالرئيس الانتقالي إذا شغر منصب الرئيس، واعتماد قوانين جديدة، وإلغاء القوانين التي صدرت بمراسيم رئاسية. وهذه عقبة كبيرة من غير الواضح إذا كانت “حماس” مستعدة لتجاوزها، رغم أن عدم طرح موضوع تفعيل “التشريعي” منذ البداية، وعدم التطرق له إعلاميا، يعد مؤشرا على إمكانية الاتفاق عليها.

· تفعيل الإطار القيادي للمنظمة (لجنة تفعيل المنظمة) وعقد مجلس وطني توحيدي، حيث ترى “فتح” أن “حماس” لا يمكن أن تشارك بالمنظمة قبل إنهاء الانقسام، الأمر الذي يحتاج إلى وقت لا تحدده، ما يثير المخاوف لدى “حماس” التي أبدت استعدادا لمغادرة الحكم في غزة حتى تشارك بفاعلية بالمنظمة أو بأي اطار يتفق عليه. أما أن تخرج من المولد بلا حُمُّص، فأمر بعيد جدا عن الحدوث ومستبعد أن تقبله “حماس”.

· تشكيل حكومة وحدة وطنية، حيث أن الموقف الأميركي الإسرائيلي الرافض لمشاركة “حماس” دون قبولها بشروط “الرباعية” وشروط أخرى، يجعل الحركة مطالبة بأن تختار عدم المشاركة بالحكومة وممارسة دورها من خلال المجلس التشريعي، وهذا على ما يبدو محل قبول منها، فهي ستشارك إذا عرضت عليها المشاركة بالحكومة، واذا لم تعرض لن تفرط المصالحة على هذه الخلفية.

· البرنامج السياسي، وهذا الموضوع في منتهى الأهمية، خصوصا في ظل الأنباء عن قرب طرح خطة أميركية لإحياء ما يسمى عملية السلام. فهناك خلاف جوهري بين برنامج المفاوضات وأوسلو والرهان على العملية السياسية والإدارة الأميركية والمجتمع الدولي، وبين برنامج المقاومة والقبول بالدولة الفلسطينية على حدود ٦٧ كهدف مرحلي على طريق تحرير فلسطين، إلا أن الخلاف على هذا البرنامج ليس بالحجم الذي يبدو عليه ظاهريا، بدليل أن “حماس” وافقت على برنامج حكومة الوحدة الوطنية الذي تضمن “احترام” الاتفاقيات التي عقدتها المنظمة مع إسرائيل، وكذلك الإقرار بمبدأ المفاوضات والحل السياسي، وتغاضت مرارا وتكرارا عن إعلان الرئيس ورئيس حكومة الوفاق الوطني رامي الحمد الله أن الحكومة تلتزم ببرنامج الرئيس السياسي والتزامات المنظمة.

وهناك عدة أسباب تساهم في مرونة “حماس”، منها أن تظهر بمظهر معتدل، واستعدادها للمزيد من الاعتدال، كونه يساعد على تأهيلها عربيا ودوليا وإسرائيليا بمساعدة مصر، وأنها تدرك أن أي تحرك للعملية السياسية محكوم بالفشل حاليا نظرا للتطرف الشديد إسرائيليا وانحياز إدارة ترامب لإسرائيل، وأن القيادة إذا وافقت على استئناف المفاوضات بدون الشروط التي تعلنها بنفسها، أو على حل انتقالي أو نهائي ينتقص من الحقوق الوطنية، ستخسر مصداقيتها ودعمها وشرعيتها الفلسطينية، وهذا سيساعد “حماس” على تقديم نفسها كبديل.

· تأثير الأطراف العربية والإقليمية، حيث من غير المتوقع أن تكتفي إيران وحلفاؤها بمراقبة ما يجري ولا أن تسلم قطر وتركيا بخسارة “حماس”، وستعملان جاهدتين على إبقائها على علاقة جيدة معهما. ويساعدهما في ذلك أن الحركة تعاني من الصدمة والخلاف، وربما بعض التصدع الداخلي، بسبب الاستدارة السريعة والمفاجئة، و”حماس” حركة ممتدة لا يقتصر وجودها على قطاع غزة، ولا يزال لها مركز قيادي في قطر، ووجود في تركيا، ومركز في لبنان، وتطمح لاستعادة علاقتها السابقة مع طهران. وسيكون لهذا كله تأثير، ولكن دون تجاهل أن مركز ثقل قرار “حماس” انتقل إلى قطاع غزة، وهذا يطرح مخاوف من اختزال “حماس” إلى حركة غزاوية وليست كما هي حركة فلسطينية. وفي هذا السيناريو لا يمكن تجاهل أن مصر لن تسامح المتسبب بإفشال المصالحة التي تدعمها بشدة هذة المرة.

السيناريو الثاني: أن تتواصل المصالحة وتصل إلى حد امتداد السلطة من الضفة إلى غزة، بحيث تتراجع “حماس” رويدا رويدا، وتكون السلطة كما هي سلطة يتحكم فيها الرئيس بجميع السلطات وليس بالسلطة التنفيذية فقط. ويعزز هذا السيناريو أن “حماس” لا تستطيع أن تتحمل أعباء ومسؤوليات حكم غزة لوحدها، وبدون شرعية عربية ودولية تتطلب موافقتها على شروط “الرباعية”، وهي لا تستطيع الموافقة عليها لأن هذا سيكون بمثابة انتحار سياسي مقابل بقائها واستمرار حكمها للقطاع، وفِي ظل إقامة “إسرائيل الكبرى” التي قد تكون التجسيد الفعلي لـ”صفقة القرن”. كما أن عودتها للحكم قد تسبب ثورة عارمة ضدها وحربا جديدة مع إسرائيل، وكلنا نتذكر مبادرة القسام التي طرحت منذ عدة أشهر، وتتضمن إحداث فراغ في الحكم.

وإذا فشل هذا السيناريو، ستحاول “حماس” وتفضل أن تبقى بعيدة عن الحكم، حتى لو فشلت الفرصة الحالية لإنهاء الإنقسام وإذا اضطرت ستحكم مع تحالف عريض يضم تيار دحلان وكل من يوافق من الفصائل الأخرى والمجتمع المدني. وربما يؤدي فشل المصالحة هذه المرة، جراء فقدان الرئيس وفريقه القناعة والإرادة اللازمتين، إلى فتح الطريق لانضمام قوى وقطاعات اخرى للسلطة في غزة وغيرها، مع دعم مصري سيكون عنوانه محاولة سحب الشرعية عن الرئيس، كما كانت وثيقة التفاهمات بين “حماس” ودحلان تتضمن بصورة تكاد تكون مباشرة.

هذا السيناريو سيء، لكن تحققه سيكون أقل سوءا من السيناريو الأول لأنه على الأقل، يمكن أن يحسّن الأحوال المعيشية في القطاع ويمنع انهياره وانفجاره وسيخفف الحصار وسيوحد مؤسسات السلطة، ولكنها لن تكون سلطة تشاركية تعددية ولن تحترم حقوق الإنسان وحرياته، ولن تكون قادرة على الصمود في وجة الضغوط للانخراط في عملية سياسية تصفوية، أو على مواجهه الاستيطان الاستعماري والضم الزاحف.

السيناريو الثالث، وهو سيناريو اعتبار المصالحة مقدمة لإنجاز الوحدة الوطنية الشاملة، من خلال توفير وحدة الشعب والقضية والأرض والمؤسسات والبرنامج الوطني القادر على تحقيق ذلك، والوحدة الحقيقية تحتاج للركائز التالية:

أولا: لا بد أن تواصل “حماس” تعزيز كونها جزءا من الحركة الوطنية وليست امتداد لجماعة الإخوان المسلمين، وأن تطبق استعدادها للتخلي عن الحكم قولا وفعلا عن السيطرة الانفرادية على قطاع غزة، وتؤمن بالمشاركة والفصل بين الدين والسياسة. وهذا يبدو انه بدأ بالتحقيق بشكل ملفت للنظر، ليس بسبب القناعة فقط، وإنما أيضا وأساسا نتيجة الحاجة الملحة للبقاء، والضغوط الخارجية، وتفاقم الحصار والإجراءات العقابية، وفشل نموذج “حماس” في كل من الحكم والمقاومة، بدليل الهدنة المستمرة، وأن المقاومة رغم صور الصمود والتضحية والبطولة اصبحت قبل أي شئ وسيلة لحماية سلطة “حماس” في غزة.

ثانيا: لا بد أن تتخلى “فتح” والرئيس عن الهيمنة والحكم الفردي والكف عن اعتبار أدوار الآخرين، أفرادا وقوى ومؤسسات، ليست أكثر من أدوار هامشية، ومجرد أقلية لا تمنع حكم الاغلبية (الأصح حكم الفرد)، رغم عدم حصول الحركة على الأغلبية في الانتخابات التشريعية السابقة، والقناعة بأن السفينة الفلسطينية لا يمكن قيادتها من شخص واحد، أو فصيل واحد، والسير في طريق يوصل إلى بر الأمان، بل ولا بد من تشكيل جبهه وطنية تعددية على أساس اعتماد الشراكة الوطنية الشاملة للجميع، وذلك من خلال إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير لتضم مختلف ألوان الطيف التي تؤمن بالشراكة على أساس ميثاق وطني وبرنامج سياسي جديد وأسس تمثيل جديدة وتشاركية.

وفي هذا السياق، هناك حاجة إلى إعادة بناء السلطة ووزاراتها وأجهزتها في الضفة والقطاع، على أساس الخبرات والمستجدات والحقائق الجديدة والدروس المستفادة، وفي مقدمتها أن الطريق الذي سرنا فيه، وما نزال، لا يؤدي لإنهاء الاحتلال والحريّة والاستقلال والعودة والمساواة، وإنما إلى اختزال القضية والبرنامج وتسهيل تجاوز القضية الفلسطينية وتصفيتها.

لا ينبغي إعادة الأمور لما كانت علية قبل الانقسام، فهي التي أوصلتنا إلى الانقسام وإلى ما نحن فيه، وإنما يتوجب وضع أسس وطنية وديمقراطية توافقية ومشاركة حقيقية. فالانقسام ليس سبب ما نعانيه، وإنما حصل بسبب المأزق الشامل الذي وصلت إليه القضية، ما يتطلب إنهاء الانقسام في سياق إنقاذ القضية وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وإعادة بناء الحركة الوطنية والمؤسسات والتمثيل.

ثالثا: إن الحل الوطني للقضية الفلسطينية ليس على الأبواب؛ لا حل التحرير والعودة، ولا حل إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة، ولا حل الدولة الواحدة متساوية الحقوق لمواطنيها. وبالتالي، فالوقت ليس وقت النزول عن الجبل والصراع على الغنائم. وهذا يعني أن الوحدة أكثر من مجرد خيار، وإنما ضرورة لا غنى عنها، ولا بد أن تقوم على أساس إعادة الاعتبار للمشروع الوطني، وتجاوز المسارات والإستراتيجيات المعتمدة سابقا ووصلت إلى طريق مسدود لصالح مسار جديد من خلال الاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة؛ برنامج حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، الذي يشمل حقه في تجسيد دولته على حدود ٦٧، والعودة والمساواة، وتنبثق عنه خطة عمل قادرة على الحفاظ على الوجود البشري الفلسطيني على أرض فلسطين، وتوفير مقومات الصمود للشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده وحماية القضية الفلسطينية.

إن أي مسار آخر لا ينطلق من بناء الوحدة الوطنية الشاملة، سيؤدي عن قصد أو بدونه إلى تمرير المخططات والمحاولات الرامية لتصفية القضية الفلسطينية أو تهميشها أو تجميدها عبر دفعها إلى آخر سلم الأولويات، أو عبر تمرير الحل الإقليمي تحت يافطتها، في حين أنه يستهدف تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل أولا، وإقامة حلف معها في مواجهة الخطر الإيراني، والسعي لدفع العرب للضغط على الفلسطينيين لقبول ما يرفضون قبوله.

رابعا: من متطلبات الوحدة بعد إنهاء الانقسام، وإحياء منظمة التحرير من خلال عقد المجلس الوطني التوحيدي، وتغيير شكل ووظائف والتزامات السلطة، الاحتكام للشعب بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية وانتخابات للمجلس الوطني على أساس التمثيل النسبي الكامل حيثما يمكن ذلك، مع الإدراك أن الانتخابات ليست الأسلوب الوحيد ولا الأمثل تحت الاحتلال لتمثيل الشعب في مرحلة التحرر الوطني، وفي ظل الظروف الخاصة والمتباينة التي تعيشها تجمعات الشعب الفلسطيني، خصوصا أن قرار إجرائها ليس قرارا فلسطينيا خالصا، بل تؤثر عليه أطراف كثيرة، وبخاصة إسرائيل. فالانتخابات يجب أن تجرى بعد إنهاء الإنقسام، وفي إطار الوحدة، لكي تكون خطوة إلى الأمام. أما الانتخابات في ظل الانقسام، فلن تكون حرة ولا نزيهة، وستكرس الانقسام وتحوله إلى انفصال، ولن تقبل نتائجها إذا لم تكن كما يراد لها.

خاتمة

إن السيناريو الأول هو الأسوأ، ويجب العمل لإحباطه. والسيناريو الثاني سيء لأنه لا يوفر ضمانة لعدم العودة للانقسام والانفصال مجددا، ولا بديل عن العمل من أجل توفير متطلبات السيناريو الثالث باعتباره الخيار المفضل، بدون الانصياع للشروط الخارجية وبدون الوقوعبفخ المغامرة او تقديم تنازلات جديدة، بل من خلال بلورة تيار وطني عريض يضم كل الحريصين والغيورين على القضية والمصالح الفلسطينية العليا، سواء من داخل فصائل منظمة التحرير أو من خارجها، بحيث يقوم هذا التيار بالضغط المتراكم على طرفي الانقسام وعلى جماعات مصالح الانقسام حتى يفرض الوحدة الحقيقية المنشودة. فالشعب والقضية والأرض أعظم وأهم وأفضل من الأشخاص والأحزاب والفصائل، التي تعد مجرد أدوات ووسائل لتحقيق مصالح وأهداف وحقوق الشعب.

إلى الأعلى