تقارير وملفات خاصة

ماجد أبو شرار… حين غيَّبوا من شغلته فلسطيننا عن فلسطينه

فلسطين المحتلة – خاص قدس الإخبارية: “أجدك كلما ذهبت إلى أحد مخيمات اللجوء الفلسطيني، فما أكاد أعرف عن نفسي حتى يُطرح عليّ السؤال المعتاد: «ما صلة القرابة بينكِ وبين ماجد أبو شرار»؟ تنهال كلمات الإطراء على شخصك كقائد ومفكر وإنسان بمجرد أن أذكر أنك والدي. أجدك في الملصقات المعلقة هنا وهناك في مخيماتنا، أتمهل في كل مرة قليلا لأنظر إليك فأبتسم لاإراديا. ها أنت ترافقني في مشاويري بالرغم من بعدك الجسدي عني”… سما ماجد أبو شرار.

قبل ستة وثلاثين عاما، وفي ساعات تشبه هذه الساعات بتكرار مواعيدها وتختلف عنها في ما آلت إليه أحوال فلسطيننا؛ رحل “غريب الديار.. حلم الفلسطيني في الطرقات”…

تلك السنوات كلها مضت على اغتيال المثقف والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار ابن بلدة دورا جنوب مدينة الخليل، على يد عناصر جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” في العاصمة الإيطالية روما.

ولـد مـاجد في دورا العام 1936، وأنهى دراسته الابتدائية فيها، ثم انتقل مع أسرته إلى قطاع غزة العام 1948 حيث درس المرحلة الثانوية هناك.

وفي شبابه التحق بكلية الحقوق في جامعة الإسكندرية بمصر، العام 1954م ليتخرج منها عام 1958م.

وفي 1959م انتقل أبو شرار إلى الأردن حيث عمل مدرسا في مدرسة “عي” قضاء الكرك، ثم أصبح مديرا لها، قبل أن يسافر إلى مدينة الدمام في السعودية ليعمل محررا في صحيفة “الأيام” حيث وجد مساحة جيدة لنشر أفكاره السياسية والثقافية.

مسيرة حافلة

وفي العام 1962م التحق ماجد بحركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، وتفرغ في صيف 1968 للعمل في جهازها الإعلامي بالعاصمة الأردنية عمان، وكان يشرف عليه آنذاك مفوض الإعلام الفتحوي الشهيد كمال عدوان، وأصبح ماجد في تلك الفترة رئيسا لتحرير صحيفة “فتح” اليومية، ثم مديرا لمركز الإعلام الحركي.

هذا وتم اختياره أمينا لسر المجلس الثوري لحركة “فتح” في المؤتمر الثالث للحركة في العام 1971م.

وبعد استشهاد كمال عدوان في العام 1973م صار أبو شرار مسؤولا عن الإعلام المركزي ثم الإعلام الموحد لمنظمة التحرير الفلسطينية. وخلال تلك الفترة ساهم ماجد في دعم تأسيس مدرسة الكوادر الثورية في قوات العاصفة.

وأصبح الأديب المناضل عضواً في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين منذ سنة 1972م، كما كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس المركزي حينها.

واختير في المؤتمر العام الرابع لحركة فتح في العام 1980م ليكون عضوا في اللجنة المركزية للحركة.

الأديب المبتعد..

عُـرف الماجد بين أصدقائه بلقب “المثقف الثوري العقلاني”. وهو صاحب قلم وإلهام للجماهير الفلسطينية، شأنه في ذلك شأن الكاتب الشهيد الأديب غسان كنفاني، ورفيقه الشهيد فنان الكاريكاتير ناجي العلي.

ويعدّ أبو شرار أحد أبرز المثقفين اليساريين، فهو قاص وأديب صدرت له مجموعة قصصية باسم “الخبز المر” نشرها مطلع الستينيات في دوريات مجلة “الأفق الجديد” المقدسية بين 1960م و 1966م.

المجموعة تلك جمعت لاحقا في كتاب وتضمنت قصصا بعضها مضحك وبعضها الآخر حزين، استقاها ماجد من الواقع الفلسطيني بحلوه ومره.

كما تميز إضافةً إلى دوره الإعلامي والثقافي، بخبرته في المجالين السياسي والعسكري، وهو ما أخذ قسطا كبيرا من وقته أجبره في معظم الأحيان على الابتعاد عن متابعة الأعمال الأدبية، ليعبّر عن حنينه إليها بمخاطبته كتّاب القصص القصيرة قائلا لهم: “أحسدكم أنتم الذين بقيتم تحملون جمرة الأدب”.

وفي سياق نشاطه السياسي والعسكري، عُـرف عن أبو شرار زياراته الدورية للقواعد العسكرية الفلسطينية في الجنوب اللبناني خلال سبعينيات القرن الماضي، حيث كان يتبادل الأفكار والخبرات مع القادة، ويزودهم بما هو جديد دائما. ومن أبرز مقولاته السياسية: “علينا أن نفرز بوعي معسكر الأعداء عن معسكر الأصدقاء”.

غريب الديار…

وعلى إثر تراكم بنّاء للأفكار الأدبية والثقافية المبدعة التي كان ينتجها أبو شرار، أطلق عليه الشاعر الكبير محمود درويش لقب “غريب الديار، حلم الفلسطيني في الطرقات”.

كما أضاء شاعر فلسطيني آخر هو الراحل معين بسيسو على مسيرة الشهيد الأدبية، قائلا: “بالنسبة لنا نحن الجيل الذي أبصر الانتفاضة الأولى وعاش تفاصيلها، كان الشهيد ماجد أبو شرار أحد أهم المراجع الوطنية إلى جانب الشهداء المُلهِمين مثل غسان كنفاني وناجي العلي وغيرهم من المثقفين الذين أضاؤوا سماء الوطن كالنجوم”.

وحول النضوج السياسي الذي تمتع به الشهيد أبو شرار، يقول المفكر الفلسطيني عز الدين المناصرة: “لقد كان ماجد العقل المفكر للقيادات العسكرية في حركة فتح، حتى أصبح شريكا للشهيد أبو جهاد الوزير في القرارات التي تخص شؤون فلسطين المحتلة، وهذا ربما كان سببا في لفت أنظار الاحتلال إليه كخطر حقيقي على مشروع الاحتلال”.

الوحدوي المغيّب..

واعتبر أبو شرار أحد أبرز الأصوات الوحدوية في الحركة الوطنية الفلسطينية خلال تلك المرحلة، إذ كان يلجأ إليه الكثير من السياسيين والمثقفين لحل خلافاتهم الشخصية، وهو ما استدلّ عليه من عبارته الشهيرة: “‘إن أعداء الثورة هم المستفيدون من شجارات المثقفين الفلسطينيين”. إيمانا منه بدور المثقف الفلسطيني في المعركة مع الاحتلال، وتأكيدا على مكانته كصمام أمان وطرف إصلاحي في مسيرة العمل الوطني.

وقد طور الأديب الشهيد دائرة الإعلام التابعة لمنظمة التحرير التي كان يترأسها، كما وطّـد العلاقات الفلسطينية السوفياتية آنذاك، وأنشأ جملة من الروابط المميزة مع الأحزاب اليسارية في أوروبا الشرقية والغربية خلال فترة رواج العمل الدبلوماسي الفلسطيني.

غير أن الاحتلال بادر كعادته إلى مراقبة أبو شرار، حيث استشعر الخطر الوجودي القادم من أفكار الأديب، فتابع تحركاته وتنقلاته العديدة مستخدما عملاء تابعين لجهاز الموساد المسؤول عن الاغتيالات، ليقوم هؤلاء بزرع قنبلة في مكان إقامته داخل أحد الفنادق في العاصمة الإيطالية روما في التاسع من تشرين أول/ أكتوبر من العام 1981 أثناء مشاركته في مؤتمر دولي تضامني مع الشعب الفلسطيني، ليرتقي المثقف العقلاني على إثرها شهيدا.

مرثية اللقاء الأخير..

وفي “مرثية اللقاء الأخير في روما” للشاعر محمود درويش، كان أجمل ما قيل في الأديب أبو شرار عقب اغتياله، ومن ضمن ما جاء فيها: “صباح الخير يا ماجد، صباح الخير، قم اقرأ سورة العائد، وحث السير، إلى بلد فقدناه، بحادث سير (..) صديقي، أخي، يا حبيبي الأخير.. أما كان من حقنا أن نغني لعينين بنيتين تقيمان ما بيننا والإله معاهدة للسلام؟ (..) يا درع الفقير ويا زكاة المليونير، ويا مزادا زاد عن طلبات هذي السوق، يا حلم الفلسطيني في الطرقات، يا نهرا من الأجساد في واحد تجمع، واجمع الساعد”.

أمـا ناجي العلي الشهيد والرمز الكاريكاتوري الفلسطيني صاحب إبداعة حنظلة يقول في لوحته التي رسمها عقب استشهاد ماجد “وما قتلوه ولكن شبّـه لهم”.

نُقل جثمان أبو شرار بعد ذلك إلى مقبرة شهداء فلسطين في العاصمة اللبنانية بيروت حيث ووري الثرى بعد مسيرة نضالية طويلة أبقت منه رمزا خالدا في الذاكرة الفلسطينية.

ماجد الأب..

الصحافية سماء أبو شرار ابنة ماجد، كتبت قبل سنوات رسالة إلى الأب في ذكرى استشهاده جاء فيها: “كم أفتقدك يا أبي. كم أشتاق لأن أسترجع طفولتي ومراهقتي وشبابي معك. كم أشتاق لابتسامتك التي لا أذكر أنها فارقتك يوما برغم الظروف الصعبة التي مررنا بها على الصعيدين العام والخاص”.

وتضيف: “رحلاتنا المتعددة مع أصدقاء كُثر إلى جبال لبنان وحفلات الشواء التي كنت دائما تحب ترؤسها. أذكر دعوات العشاء التي لا تنتهي في بيتنا في كورنيش المزرعة في بيروت وإصرارك على طهو المنسف في كل مرة”.

وبما أن سنّة الكون هي التوالد واستمرار الحياة، لذا وجب على ابنة الشهيد أن تناجيه لما بدا لها مختلفا بعد رحيله، قائلة: “الكثير حدث منذ غيّبوك. نحن لم نعد نحن. إنعام غادرتنا لتكون أقرب منك، وأنا وسلام وعزة وداليا، كبرنا ولم تكن شاهدا على ذلك كباقي الآباء. سلام يتنقل من بلد إلى آخر حاملا في جعبته حلمك بعالم أفضل وفلسطين محررة، أنا وعزة ودالية حققنا بعضا من أحلامنا ونعمل على تحقيق ما تبقى منها. عزة أصبح لديها كرم، ودالية أصبح لديها كرمة، أما أنا فأصبح لدي مينا ذات الأعوام العشرة”.

واليوم يصير ماجد بوصلة حياة سما وأشقائها بإرث كبير تركه لهم يعيشون تفاصيله يوميا بمذكرات الأب الصديق رغم سنوات غيابه الطويلة.

إلى الأعلى