تقارير وملفات خاصة

بهيّة وماهر يؤديان “بروڨا التحرير”: كيف اختزلت السنوات بدقائق؟

الخليل- خاص قُدس الإخباريّة: لم تكن الصورة الأكثر انتشارًا على وسائل التواصل الإجتماعي والتي تجمع الأسير ماهر الهشلمون وزوجته بهيّة، مجرد صورة جمعت زوجين بعد غياب، لقد امتلأت بكل ما لا يُستطاع وصفه، فهي التي اختزلت 3 سنوات في “دقيقة ونصف”.

“حرفان” امتلأت بهما دنيتهما وانعكست على تفاصيلهما كلّها، كان الـ”حُب” بلسم قلوبهما التي لم يستطع الاحتلال منعها من الأمل رغم القيود والزنانين، إلا أن صورة واحدة تجمعهما بعد غياب كفيلة بجعلِ القلب يدق ألفًا، وهما يؤديان “بروفة التحرير”، ويعلنان انتصارهما بابتسامة.

في الرابع عشر من أيلول الماضي، كان موعد الزيارة التي التقطت فيها صورة تجمعهما، تقول بهيّة النتشة “كنت أتوقع أن عليّ أن أسير في ممرات طويلة كي ألتقيه، لكنني وفور فتح الباب وجدته أمام عينيّ، فركضت إليه كطفلٍ وجد والده، أو كتائه وجد وطنه”.

وأضافت زوجة الأسير الهشلمون، في حديثها لـ”قُدس الإخبارية“، “لم أصدق أنني رأيته، احتضنته، حينها قال لي إنه وجد في عيوني لمعة الحب والفرح التي كان يراها دومًا، طلب مني أن أعدل ملابسه ليشعر أنه في بيتنا كما كنا نفعل بالعادة قبل أن أودعه إلى عمله، والتقطنا الصورة بعدسة السجان وزينّاها بابتسامة نصر وثقة أن الفرج قريب”.

وأشارت النتشة إلى أن الزيارات المقررة لعائلة الأسير الهشلمون هي زيارات أمنية، مُنع خلالها الأطفال من زيارة والدهم لمدة سنة ونصف تقريبًا، بقرار من سلطات الاحتلال، ثم سمح لهم بالزيارة بعد توكيل محامين قال قاضي الاحتلال إنهم كانوا ممنوعين “بالخطأ”، مضيفة “بالصدفة هذه المرة منحنا تصريح جعلني أستطيع الزيارة لشهرين متتابعين”.

“ما قدرت أوصف مشاعري أبدًا بعد الزيارة، يومها حكيت لأهلي وأهل ماهر ما حد يسألني شي لأني مش قادرة أوصف شو حاسة أبدًا”، تقول بهيّة عن زياراتها بماهر إنها تقف عاجزة في كل مرة وتتساءل كيف يتحمل القلب كل هذه المشاعر والذكريات والدقائق القليلة المليئة بالعاطفة، لكنها تجيب بنفسها أن الله دومًا ما يرزقها القوة للتحمل والصبر واستمرار الأمل”.

وعن ما يميّز هذه الزيارة، قالت بهيّة “الزيارة كانت من أجمل المرات التي رأيته فيها برغم التعب والوقت والانتظار، وأهم ما يميزها أنها كانت الزيارة التي تلت العيد وكانت مدتها تقريبًا ساعة تحادثنا فيها من وراء جدار وعبر سماعة الهاتف، إلى أن حان موعد التقاط الصورة، مضيفة “مثل الحلم لما تشوفي شخص عزيز وتضميه وتصحي من نومتك، مثل هيك تمامًا”.

 أما ما يميّز الصورة المنشورة والتي لاقت انتشارًا واسعًا عبر وسائل التواصل الإجتماعي خلال الأيام الماضية، توضح بهيّة “لقد التقطناها للناس، كنا قد تشاورنا بأننا سوف ننشرها للعامة، وكان ماهر يعرف أن الكثير من المتابعين يرغبون برؤيته، كنّا نريد أن يرى العالم من نحن، وما نملكه من أمل وتفاؤل وتحدي وإصرار وأنه الفرج قريب”.

وأضافت، “كنت قد أخبرت ماهر وقت الصورة، أنني سأقوم بنشرها على حسابي عبر فيسبوك ليراها الناس، لأنني شعرت أن هذه الصورة تحمل رسالة أكبر من كونها ذكرى بيننا، وأننا يجب أن نظل عالقين في ذهن الناس، بالرغم من أنني لما أغير صورة “بروفايلي” التي تجمعني به منذ 3 سنوات، وقت اعتقاله”.

بعد الزيارة، “ركبتُ الباص واستدركت حجم المصيبة التي أوقعت بها نفسي، ولأنني حاولت أن أجعل مشاعري دومًا مكتومة ومطفئة، وأن تكون بالفترة الأخيرة مسيطر عليها بشكل كبير، حتى لا أتعب ولا أبكي” تقول بهية، مضيفة “كنت أحاول استرجاع تفاصيل الدقيقة ونصف لحظة التقاط الصورة بصعوبة، كيف حكينا وحضنته، وكانت كل مرة ترجع ذكرى صغيرة أبتسم وتنزل دمعة على خدّي”.

اليقين المُدهش

لكّن أكثر ما يثير الدهشة هو اليقين الذي تمتلكه قلوب المحبين خاصة لحظة الدعاء، حيث كانت تدعو بهيّة بالقول “يا رب، إنت واسع كثير، مستحيل تخلي حياتنا تضيق هالقد، مستحيل هالرب الواسع العظيم واهب الصبر الكبير، يعطينا بس دقيقة ونصف لسعادتنا”، وعرفتُ حينها أن اللقاء قريب وساعات القرب طويلة بالتأكيد، وهذه بداية النصر لمشوار صبر طويل.

ماهر أيضًا يشاركها اليقين ذاته، تذكر بهية الموقف فتقول، كان بالعادة يقول في آخر الزيارة: “قربت يا مرتي قربت”، ولكنّه في هذه المرة أشار إلى ساعته وقال: “قربت قربت ما هي إلا سويعات بيننا وبين الفرج”، ورغم أن الوقت كان قد انتهى، فالسماعات مغلقة والزجاج عازل للصوت إلا أنني سمعت ما قال، فإن لم يكن قد اخترق سمعي فقد اخترق قلبي اختراقاً!

كان يبدو كطفلٍ صغير تحققت أكبر أمنياته، تصفه زوجته بهية بقولها “كان بريئًا جدًا، وهو المعروف ببرائته، انتفض قلبه وغزت وجهه ابتسامة واسعة وعريضة، لا تنتسى ولا توصف بالكلمات، لهث بالحمد والشكر لله مرارًا، وسعادته لم تكن كأحد غيره، ولا يشبه أحدًا وسعادته كانت لا توصف بالفعل”.

ومن المواقف الجميلة خلال الزيارة الأخيرة تذكر بهيّة “في الزيارة الأخيرة خلال أكتوبر، استلمنا الصور، فأخذت سيدة من أهالي الأسرى الصورة دون استئذان من يدي، وقالت مع ابتسامة “يا الله شو لابقين لبعض”، فأجبتها “قولتك هيك؟ يعني خلص أضل عليه؟ ما أغيره”، لتعاود الحاجة القول بعيون قويّة “شو تغيريه ما تغيريه! هدول أبطال بيستحقوا منا كل التضحية كل عمرنا، إذا هما ما بيستاهلوا، مين بيستاهل نضل معه؟!”.

صعوبة الزيارة: فِداهم

توضح بهيّة، أن الزيارات متعبة بالفعل، وصعوبتها تكمل في الخروج من فجر اليوم وحتى وقت المغرب تقريبًا، نمر خلالها عبر نقاط للاحتلال وعمليات تفتيش لنا، والخوف بعيون الأطفال على الحاجز وتفتيشهم، والوقوف عبر طابور لإدخال المال والملابس، مضيفة “الزيارة تحتاج منا إلى أسبوع بعدها للراحة نفسيًا وجسديًا، التعب والشوق برؤية شباب مثل الورد يغلق عليهم الباب ويسحبون منّا بعيدًا”

وبحسب النتشة فان”الاحتلال يتحجج لعدم إدخال الملابس أحيانًا بدعوى عدم وجود تصريح، حيث أدخلت الملابس الشتوية لماهر العام الماضي مع بدء الربيع، وقضى فصل الشتاء بدون ملابس شتوية، ويبدو أن الاحتلال سيكرر هذا الأمر مع رفض إدخال الملابس له خلال الزيارتين الأخيرتين”.

“لا سعادة بدون حزن” تضيف بهية أن كل الصعوبات تهون فداءً للساعة إلا ربع التي نلقاهم بها، مشيرة إلى أنّ الزيارة تتضمن اللقاء بكافة النفسيات من أهالي الأسرى والمحبطين واليائسين وفاقدو الأمل، ومع ذلك فأننا مضطرون وبصعوبة الحفاظ على نفسيتنا التفاؤلية والعمل على بث طاقة الأمل في نفوسهم أيضًا.

وعند الحديث عن النفسيات المختلفة أثناء الزيارة ذكرت النتشة موقفًا لأحد زوجات الأسرى التي تزور زوجها منذ 17 عامًا، حيث رفعت يدها ملوّحة وهي تقول “مفترض الشاب لما بده يعمل عملية أو يقرر يقاوم، يكون عزابي ما يكون متزوج”، لكن بهية أمسكت يدها وقالت “مين يضل لبلدنا ووطنا ولقضيتنا إذا بدنا نمنع الرجال تقاوم، الله يقويهم”، وحينها صمت الجميع، وأيقنت أنه واجب عليّ أن أتكلم دومًا.

وعن استغلال وسائل التواصل الاجتماعي للنشر عن ذكرياتهم، تردف “أحاول أن أكون متواصلة ومتواجدة دومًا بالرغم من عملي كمعلمة ودراستي للماجستير وبيتي وأولادي، لكنني أرى أن ملزمة بالنشر والرد على الناس، لأنني لا أريد أن نصل لمرحلة لا يعرف الأسرى أحد أو أن يقال “هذا أسير بطلت موضته”.

والأسير ماهر حمدي الهشلمون (31 عامًا) اعتقل في 10 نوفمبر 2014، متزوج من بهية النتشة، وهو أب لطفلين “عبادة 10 سنوات”، و”مريم 8 سنوات”، حكم بالسجن 200 عام لاتهامه بتنفيذ عملية دهس وطعن جنوب القدس المحتلة في العام 2014، وذلك بعد إصابته بست رصاصات اخترقت الأجزاء العليا في جسده.

إلى الأعلى