آراء

في ذكراك السابع عشرة

ربما لكونها أول الكوكبات السماوية التي تعرفت عليها في صغري، بدأت بالبحث عن موطنك السماوي إلى جوار “أوريون الجبار”، لكنك لم تكن هناك، ولا حتى إلى جوار “ممسك العنان”.

قد لا أكون وُفقت في تحديد مكان يتناسب مع أحلامك، لكن بإمكاني أن أحدد أسباب إخفاقي في العثور عليك؛ النجوم تدور ببلادة ورتابة ولذلك فلا نضل طريقها، أما أنت فتضل تدور وتدور، كأني بك تطالبنا بأن نضيعك كي نجد أنفسنا، أنا لم أبحث عن نفسي بعد، لذلك أجدك دائماً حتى في أحلامي.

كان ينبغي أن تكون الآن في الثانية والثلاثين، لكنك تعجلت لتجمع نهايتين في نهاية واحدة؛ تموت لتولد للمجد، ويأتي المجد ليقتلك.

أنا أيضاً في الخامسة والثلاثين، ولن أحدثك عن أحماض الحياة التي أكلت ما جبلت عليه نفسي من عنف، وكيف أني خسرت كل بشاعتي التي كانت دوماً مبدئي الإيجابي، ولن أحدثك بأي عقل ذهبت إلى التفكير العقلاني على الرغم مني.

أنا أعرف حساسيتك ضد ما يدعونه عقلاً، فلو سمح للعقل أن يخطو حيث كنت تعدو فإنه سيقول بتجرد وقح: إذا أردت أن تعتبر الحياة مشرحة، ونفسك جثماناً، حسناً مزق نفسك إرباً كما تشاء.

ربما يهمك أن تعرف ما بلغناه بعد 17 عاماً؛ نحن ننزع إلى الشقاء، إلى الوضع السياسي بوصفه المكان الطبيعي للإخفاق، أتدري الإخفاق أيضاً شغف محرك، فهو يسير لأن الأمور لا تسير على الإطلاق.

لماذا أنا سوداوي إلى هذا الحد، فهذا ليس كل شيء، هناك الكثير من التفاصيل التي يمكنني إخبارك بها، لقد فرّ الجنود من المكان الذي كنت تجري لنا فيها تدريباتك الروحية، وقد مضى على هروبهم أكثر من عقد، ومنذ أن فضحت أمامنا وجه اليأس باعتباره وقاحة العاجز، ونحن لا نقبل سوى قانونك في الحركة، فقد أطفأنا حواسنا الضارة؛ حس المسافة وحس الحجم، وأصبحنا على قدر عالٍ من الرهافة في الحواس الثلاث الضرورية؛ البصر والعدو والرمي.

أستطيع أن أسوق لك ألف حكاية عن أبطال من النوع الذي تحب، مولعون حد التعصب بالتعبيرية، ماهرون حد البراعة في الانتصار.

لم يعد هناك من يستدرك عليك جدوى الوقوف أمام غول معدني، فنحن مقتنعون تماماً أنها صافية جداً بسبب عدم جدواها العسكرية، فجدواها تكمن في صعوبة تمييزها عن الخرافة، ونحن محتاجون للخرافة كدرع لحماية حكايتنا من عقلانية السياسة.

بإمكانك أن تكون مسروراً بنا يا فارس عودة.

بالمناسبة نسيت أن أسألك: “ما الذي كنت ستفعله حين تصبح كبيراً؟”.

إلى الأعلى