مدوّنات

عن المجلس الإسلامي الأعلى وممتلكاته في القدس

تتناول هذه الورقة في طياتها قسمين رئيسين، حيث يطرح القسم الأول من الورقة البحثية تساؤلاته حول تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين الانتدابية، وذلك من حيث جدوى وأهمية تأسيس مجلس إسلامي أعلى في فلسطين، والمهام التي كان يؤديها. كما ستسائِل الورقة الدورَ الذي كان يشغله المجلس تجاه الأوقاف الإسلامية وممتلكاتها؛ بمعنى ما الحاجة إلى تأسيس مؤسسة رديفة لمديرية الوقف؟ وهل كان المجلس الإسلامي الأعلى خدمةً للانتداب أم للمسلمين في فلسطين؟

أما القسم الثاني من هذه الورقة فيبحث في مصير الأوقاف الإسلامية في القدس بعد نكبة عام 1948، وذلك بالتركيز على الممتلكات الوقفية في غرب المدينة، والتي كانت تحت إدارة المجلس الإسلامي الأعلى قبل النكبة، إذ تخوض الورقة غمار الوسائل “القانونية” التي تم من خلالها تحويل الممتلكات الإسلامية في غرب مدينة القدس إلى ممتلكات مصادرة وغير تابعة للوقف الإسلامي.

ستدرس هذه الورقة حالتين لممتلكات وقفية هما: مقبرة مأمن الله الإسلامية، ومبنى الأوقاف الكبير- فندق بالاس الذي يقع مقابلها تماماً غرب البلدة القديمة للقدس. في الحالة الدراسية الأولى: مقبرة مأمن الله، فإن هنالك عدداً من التساؤلات حول الآليات والمخارج القانونية التي ساعدت في تحول المقبرة من مقبرة إسلامية ومكان مقدس لدى المسلمين إلى متنزه بلدي، وجزء منها مخطط لبناء متحف أُطلق عليه اسم متحف “التسامح” على الأرض الوقفية للمقبرة الإسلامية.

أما الحالة الدراسية الثانية، فهي مبنى الأوقاف الكبير- فندق بالاس، وتبحث الورقة في تحوّل المبنى الذي بناه المجلس الإسلامي الأعلى والمملوك له من فندق عربي تم الانتهاء من بنائه نهاية العقد الثالث من القرن العشرين إلى ملكية واحدة من أفخم سلسلة فندقية في العالم، وهي سلسلة فنادق “وولدرف أستورياه”، حيث أصبحت الممتلكات الوقفية الإسلامية تُباع إلى القطاع الصهيوني الخاص من أجل استثمارها.

تمهيد

يُعتبر الوقف الإسلامي كياناً متشابكاً ومركباً، وذلك لما يعنيه من تداخل في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية بالمجتمع الإسلامي. ومن خلال عمل المؤسسة الوقفية في الإشراف وإدارة الممتلكات الوقفية، اكتسبت المؤسسة نوعاً من الصلاحيات والنفوذ في المجتمع الإسلامي.[1]

من الجدير ذكره أن نظام الوقف ليس وليدَ هذا العصر أو مرتبطاً بالعهد الإسلامي، بل إن نظام الوقف موجود منذ القدم وحتى ما قبل الإسلام. وكان للفترة الإسلامية النصيب الوفير من الأوقاف، والذي تمّيزت فيه الفترة الإسلامية، وخاصةً العهد العثماني الذي امتلك تأثيراً كبيراً على تنظيم وإدارة الوقف، سواء كان ذلك في فترة ما قبل قوانين التنظيمات أو بعدها، حيث كان أحد الفرمانات عام 1728 حول توريث عمل الشيخ ومتولي الوقف من الأب إلى الابن “ما عدا الأماكن المستثناة”.[2]

أما في فترة التنظيمات، فكانت هناك عدة قوانين من أجل إنشاء إدارة تختص بإدارة الأوقاف الإسلامية، والتي تم تنظيم عملها من خلال تشريع قوانين خاصة بنظام إدارة الأوقاف في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الصادر عام 1858-1863 من قوانين التنظيمات العثمانية ،حيث جاء لتنظيم مسك القيود من قبل مديري الأوقاف، وتسليم وتسلّم منصب مدير الأوقاف والاطلاع على محاسبات متولي الوقف.

أما التعديل الآخر عام 1970، فكان مختصاً بمعاملات المسقفات ومستغلات الوقف الإسلامي في الدولة العثمانية. ومن خلال هذه التنظيمات، كان هناك نوعان من الأوقاف؛ وهي الأوقاف المضبوطة والتي تتم إدارة مصالحها مباشرةً من قبل وزارة الأوقاف. وأما الأوقاف غير المضبوطة، فهي التي تتم إدارتها من قبل متولي الوقف بإشراف وزارة الأوقاف.[3]

وفي أواخر عهد الدولة العثمانية، كان قد سُنّت قوانين إضافية حول الوقف، وكان ذلك عام 1904 حول تغيير متولي الوقف، فإذا كان متولي الوقف غير فاعل، يجوز للسلطات المحلية أن تستبدله (تعارض قانون المحاكم الشرعية عام 1917 مع هذا القانون، إذ كان من يستبدل متولي الوقف هو القاضي الشرعي وليس السلطة المحلية، ما أدى إلى فهم مغلوط طوال الفترة الانتدابية في فلسطين).[4]

تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى ومهامه في فلسطين: مؤسسة وطنية أم مؤسسة وسيطة؟

يتطرق يروغان أوسترهامل، في كتابه “الاستعمار- لمحة نظرية عامة”، إلى المنهج والسلوك الاستعماري في العمل على إيجاد إدارات منظمة ذات منهجية علمية تكون تابعة للاستعمار من أجل إدارة المستعمرة،[5] ومن هذا المنطلق، يأتي تأسيس المجالس العليا الإسلامية في سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، وفلسطين تحت الانتداب البريطاني من أجل السيطرة، وذلك من خلال النفوذ الديني لتلك المؤسسات فيما بعد؛ ما يدلل على أن فلسطين لم تكن حالةً استثنائيةً في مسألة وجود مجلس إسلامي أعلى فيها.

ما سبق يقودنا إلى أهمية وجود مؤسسات “انتدابية” تضبط سكان المستعمرات من وجهة نظر الدول الاستعمارية، وتعمل على تنظيمها بصورة تكون وفقاً “لمقاسات” السلطة الاستعمارية. تتم إقامة هذه المجالس بشكل يسمح بفصل نظام الأوقاف المتعارف عليه في البلاد الإسلامية، وبين المناطق المستعمَرة بهيكلية بيروقراطية بقوانين عثمانية.

هكذا، تكون هذه المجالس عبارة عن محّولات أو مؤسسات وسيطة تعمل بهيكلية استعمارية، وتتعامل مع المجتمع المحلي بقوانينه المحلية. وبحسب أندرسون، فإن الهجوم الذي تعرض له نظام الوقف الإسلامي كان بسبب النظريات والأفكار حول المجتمع والاقتصاد، والتي كانت بداياتها الإمبريالية منذ الثورة الفرنسية.[6].

لكن من جهة أخرى، ثمة ادعاء آخر حول إقامة المجلس الإسلامي الأعلى؛ مفاده أن الشؤون الدينية الإسلامية كافةً كانت تتبع الوزارات المختصة في إسطنبول. لكن بعد احتلال فلسطين، قُطِعت العلاقات والصلات القانونية كافةً مع اسطنبول، وأصبحت الولايات العثمانية السابقة تحت إدارة غير إسلامية، فأصبح من الضرورة إيجاد هيئة دينية حديثة تعمل على سد الفراغ المؤسساتي.

لكن ثمّة عاملين يعملان على إضعاف هذا الادعاء، إذ إن الإدارة البريطانية لم تكن تهدف لملء الفراغ القانوني فقط، بل كانت من أولوياتها السيطرة وضبط المجتمع الإسلامي بالدرجة الأولى؛ ذلك أن نصف الأعضاء في لجنة صياغة وتعديل نظام المجلس الإسلامي الأعلى كانوا من المسلمين، والنصف الآخر من الشخصيات البريطانية الانتدابية، وكان المندوب السامي شخصياً يترأس جلسات هذه اللجنة.[7]

والأمر الثاني أنه على الرغم من أن تأسيس المجلس الإسلامي جاء ليعبر عن المجتمع الإسلامي في فلسطين، إلا أن إدارته وهيكليته كانتا تابعتين وخاضعتين للانتداب البريطاني.[8] هذا يقودنا إلى أن أهداف ممثلي المجتمع الإسلامي في فلسطين في رغبتهم بإقامة مجلس إسلامي أعلى هي تماماً متناقضة مع الأهداف التي سعى الانتداب البريطاني إلى تحقيقها من خلال تأسيس ذات المجلس، فالممثلون رغبوا في إقامة نظام أو إطار جامع للمسلمين، بينما الانتداب أراد ذلك المجلس ليؤدي دوراً آخر، يتمثل بضبط المجتمع الإسلامي، وبثّ الخطاب الاستعماري من خلاله.

بدأ الأمر في إرسال دعوة حكومية لعقد مؤتمر إسلامي في القدس بتاريخ 9-11-1920 والذي كان من مخرجاته وضع النظام الأساسي لتأسيس المجلس الإسلامي الأعلى.[9] وفي أواخر عام 1921 ، تم انتخاب الهيئة الإسلامية العليا للمجلس الإسلامي الأعلى، حيث اُشترط بأسماء القائمة الانتخابية أن تكون واردة في القوائم الانتخابية العثمانية الأخيرة، وتم فيها انتخاب كل من الرئيس وأربعة أعضاء، حيث تم تنصيب مفتي القدس الحاج أمين الحسيني رئيساً للمجلس، أما الأعضاء الأربعة فكانوا: الشيخ محمد مراد مفتي حيفا وعبداللطيف صلاح، وسعيد الشوا، وعبدالله الدجاني من يافا، والذين عكفوا على مزاولة وظائفهم مباشرةً بعد إعلان نتائج الانتخابات.[10]

مهام المجلس ودوره تجاه الأوقاف الإسلامية: هيكلية مركبة ومتداخلة

يتضمن المجلس الإسلامي الأعلى العديد من المهام والوظائف التي كان يقوم فيها ضمن حيز فلسطين الانتدابية بحسب نظامه التأسيسي عام 1921. وينبغي، هنا، التطرق والتوقف عند الوظائف التي عمل المجلس الإسلامي على تأديتها، وذلك لتشعبها في العديد من مجالات الحياة المختلفة لدى المسلمين في المجتمع الفلسطيني آنذاك؛ وهي:

أولاً: الأمور المتعلقة بالأوقاف الإسلامية: وذلك من حيث إدارة الأوقاف الإسلامية والتصديق على الميزانية الخاصة بالوقف وإرسالها للحكومة من أجل “الاطلاع” عليها، إضافةً إلى الدور الرقابي على كافة اللجان الوقفية وميزانياتها، والعمل على استعادة الممتلكات الوقفية التي تصبح تحت إدارة المجلس ضمن القوانين المتعلقة بالأوقاف مع الإشراف على المدارس الدينية “الشرعية”.

ثانياً: الأمور المتعلقة بالقضاء الشرعي من تسمية وترشيح القضاة الشرعيين أمام الحكومة، إذ إن الأخيرة هي صاحبة القرار في التعيين والمجلس في هذا المجال، بمعنى أن المجلس ذو دور استشاري، بعيداً عن الدور التنفيذي.

ثالثاً: الأمور المتعلقة بأعماله وميزانيته السنوية كافة، فالمجلس ملزم بقانونه التأسيسي بتقديم تقرير حول ميزانيته وأعماله السنوية بنشرة يقوم بإصدارها كل عام.[11] من خلال النظام الداخلي لمهام المجلس، لم يكن من الممكن أن يقوم المجلس بأي عمل “ذاتي”، دون أخذ موافقة سلطة الانتداب البريطاني عليه، إذ إن كل أمر تنفيذي كان لا بد للمجلس أن يُعلم الحكومة به قبل تنفيذه، بينما لا تأخذ الحكومة بالمقابل أي موافقة عند أي تدخل في الشؤون الخاصة “بالطائفة” الإسلامية، التي هي ممثلة بالمجلس الإسلامي الأعلى حسب نظامه الداخلي.

هذا يقودنا إلى جدلية السيادة والقانون، وذلك من باب أن من يضع القانون هو من يمتلك السيادة، وفي هذه الحالة هي سلطات الانتداب. فعلى الرغم من أن المجلس الإسلامي ظاهرياً هو مجلس ممثل للطائفة الإسلامية، وله استقلاليته التنظيمية والمؤسساتية؛ إلا أنه لا يعدو كونه سوى مؤسسة أنشأها الانتداب البريطاني، بعيداً عن أي دور تنفيذي مباشر بواسطة آليات مباشرة. ويمكننا من خلال تسليط الضوء على واحدة من القضايا الميدانية، أن تمنحنا فهماً أوضحَ لجدلية السيادة والقانون.

في تاريخ 13 من آذار عام 1923، بلّغ حارس مقبرة مأمن الله الإسلامية المجلس الإسلامي عن تعدي شبان يهود على المقبرة، ليتولى المجلس الإسلامي الأعلى بعد ذلك مهمة التبليغ عن الحادثة إلى حاكم لواء القدس لاتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار الحادثة، والذي ردّ في نهاية المطاف على رسالة المجلس بالإيجاب حول اتخاذ التدابير اللازمة. أما المجلس، فلم jكن له القدرة على القيام بأي عمل تنفيذيK وكل ما كان باستطاعته هو تبليغ السلطات الانتدابية عن الحادثة مثل أي جهة سواء أفراد أو مؤسسات.[12]

ثمّة وثيقة أخرى تبين مدى العلاقة الهرمية بين سلطات الانتداب والمجلس الإسلامي الأعلى، خاصة بعد عزل الحاج أمين الحسيني من منصبه رئيساً للمجلس. في هذه الوثيقة، يطلب مدرسو مدارس الأوقاف بالرملة من السكرتير العام لحكومة فلسطين أن يساوي بين الموظفين في مدارس الأوقاف، وبين الموظفين في المدارس الحكومية.

وبالرغم من أن المجلس الإسلامي الأعلى كان قد وافق على تلك الفكرة، إلا أنّ السكرتير العام رفض ذلك؛ بحجة أن الأمر عائد إلى مديرية الوقف، ليرفض إعطاءهم العلاوة. تنسحب هذه الحال كذلك على موظفي التكايا في القدس، الذين يأخذون موافقة المجلس، لا الحكومة[13]. فمن جهة، يوافق المجلس على قرارات معينة، ومن جهة أخرى يرفضها السكرتير العام للحكومة. وفي النهاية، يعود القرار إلى حكومة الانتداب في تحديد صلاحيات المجلس وتنفيذ القرارات.

هذه الواقعة هي واحدة من وقائع كثيرة ساهمت في تدعيم الادعاء القاضي بالدور الوسيط الذي يلعبه المجلس الإسلامي الأعلى مع سلطات الانتداب البريطاني، وذلك في الأمور التي تتعلق بالشؤون الإسلامية. لكن لا يرقى هذا الدور إلى السيادة أو الاستقلالية بالقرارات التي يصدرها المجلس، خاصةً بالقضايا التي تهتم بها سلطات الانتداب مثل الأراضي.

لم يمنع ذلك من وجود محاولات لدى المجلس الإسلامي الأعلى في لعب دور أكبر يحاول فيه التمتع باستقلالية أكبر عن سلطات الانتداب، خاصةً في أمور شراء الأراضي. مثلًا، حاول المجلس شراء أكبر قدر من الأراضي من أجل ضمان عدم تسربها إلى الأيدي اليهودية، أو إحباط صفقات شراء، مثلما حصل مع أرض السدرة في قضاء الرملة، إذ قام المجلس الإسلامي بإفشال الصفقة وبيع أكثر من 5 آلاف دونم[14].

كما لا يمكن هنا إغفال مسألة تمثيل المجلس الإسلامي وقيادته السياسية أو الدور الوطني الذي كان المجلس رائداً فيه، والذي يعزى بشكل أساسي إلى عدم وجود أي تمثيل فلسطيني في حكومة الانتداب سوى المجلس الأعلى على مستوى فلسطين الانتدابية.  بالتالي، يشكل المجلس نوعاً من الإطار السياسي الوطني بالرغم من جميع المشاكل الداخلية، خاصةً الصراعات العائلية في جزئية التنافس للوصول إلى كرسي رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى،[15] وكانت أهم العائلات المتنافسة على ذلك عائلتي الحسيني والنشاشيبي.[16]

شهدت الفترة ما بين حكم الانتداب وحلول النكبة الكثير من التحولات والسياسات البريطانية المختلفة تجاه المجلس الإسلامي الأعلى، وذلك تبعاً للوضع السياسي السائد في كل مرحلة. فالبداية كانت مع احتضان سلطات الانتداب البريطاني للمجلس، إذ كانت هي صاحبة الدعوة إلى عقد اجتماعه التأسيسي، ومن ثم مرحلة تضارب المصالح والوظائف التي انتهت بتنحية المفتي الحاج أمين الحسيني، ومن بعدها مرحلة الإخضاع الكامل، والتي كانت بعد وضع المجلس الإسلامي الأعلى ضمن هيئة إدارية يرأسها مسؤول بريطاني يُدعى “كير كبرايد”، وذلك بعد سن قانون الأوقاف الإسلامية. بموجب الأخير، تم عزل الحاج أمين الحسيني من مناصبه كافةً في المجلس الإسلامي الأعلى ومنصب الإفتاء، وكان سن القانون بتاريخ 30 من أيلول عام 1937.[17]

المجلس الإسلامي الأعلى ومرحلة ما بعد عام 1948: الأبعاد القانونية لمصادرة الممتلكات الوقفية في غربي القدس: مبنى الأوقاف الكبير- فندق بالاس، ومقبرة مأمن الله

في أواخر عام 1947 وبالتحديد 29/11/2947، أقرّت الجمعية العمومية في الأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين. وفي طياته، يحمل القرار تقسيم فلسطين الانتدابية إلى ثلاث مناطق جيوسياسية وهي: دولة يهودية، دولة عربية، مناطق دولية من ضمنها القدس وبيت لحم. حددت بريطانيا تاريخ 14 /5 /1948 موعداً لإنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، ليتم من بعده إعلان إقامة “دولة إسرائيل” بتاريخ 15/5/1948.[18]

أدّت هذه الأحداث المتواترة في النهاية إلى النكبة وما نتج عنها على كافة الأصعدة، ومن ضمنها سلطة القانون، والتي انتقلت من سلطة منتدبة إلى “دولة” تم الاعتراف فيها، بعد سيطرتها على حوالي ثلاثة أرباع مساحة فلسطين الانتدابية، ما يعني وجود “دولة” ذات سيادة قانونية، ويوجد بداخلها مواطنون تحت هذه السلطة.[19]

كانت نتائج عام 1948 كارثية على بنية الأوقاف في فلسطين، وذلك من ناحيتين هما: إدارة الأوقاف، والممتلكات الوقفية. فمع عمليات التهجير المنهجي وغير المنهجي، انهارت الهيئة الإدارية للمجلس الإسلامي؛ المسؤول الرسمي عن الأوقاف الإسلامية (بسبب الحرب وبسبب سياسة الكيان الصهيوني). أما من ناحية الممتلكات الوقفية، والتي اشتملت على أملاك الأوقاف المتعددة بأنواعها المختلفة، فقد تم مصادرتها والسيطرة عليها بموجب قانون أملاك الغائبين، والذي يمتلك جزءاً يسيراً من التحليل والنقاش حوله في هذه الورقة.

لا يمكن الحديث عن الوسائل والتبعات القانونية حول المصير الذي وصلت إليه الممتلكات الوقفية في الكيان الصهيوني بشكل عام أو في غرب القدس بشكل خاص، دون الحديث عن الفلسفة القانونية التي تعدّ المحرك الأساسي لجميع القوانين الإقصائية للفلسطينيين الذين بقوا بعد عام النكبة، سواء من جهة قوانين الأساس، أو القوانين التي تعمل على إقصاء الفلسطيني من ناحية الهوية أو الوجود.

يتحدث جورجو أغامبين عن مصطلح “حالة الاستثناء” من قبل الدولة، والتي تُعد الاستجابة المباشرة والفورية من قبل الدولة تجاه الصراعات الداخلية فيها أو من أجل “الحفاظ على السيادة”. تتمثّل حالة الاستثناء في قوانين الطوارئ، خاصةً أن هذه القوانين تتحول من حالة الاستثناء إلى الاستمرارية، حتى في الدول التي تُسمى ويُطلق عليها صفة “الديمقراطية”.[20]

إنّ الحالة لدى الكيان الصهيوني هي حالة تُشابه الادعاء الذي يطرحه أغامبين حول حالة الاستثناء، والتي تمثلت بقوانين الدفاع والطوارئ التي فعّلتها أول حكومة مؤقتة بالكيان. هذه القوانين هي قوانين انتدابية تعود لقوانين الدفاع البريطانية، وهذه القوانين “الاستثنائية” لا تزال فعالة حتى الوقت الحاضر بشكل آخر.

ما يهمنا، هنا، هو التركيز بشكل أكبر على القوانين المتعلقة بمصادرة أملاك الوقف الإسلامي بالقدس؛ وهي تعود بشكل أساسي إلى قانون أملاك الغائبين الصادر عام 1950 (بما أننا نتحدث عن حالة قانونية خاصة حول العقار الفندقي التابع للمجلس الإسلامي الأعلى ومقبرة مأمن الله، لن يتم التطرق إلى قانون مصادرة الأراضي عام 1953 والذي أيضاً لعب دوراً بارزاً في الاستيلاء على الأراضي الوقفية). تم سنّ هذا القانون في الفترة التأسيسية الأولى، بل حتى سبق هذا القانون قانون الجنسية، والذي صدر عام 1952.[21]

ومنذ الأيام الأولى، تبنت سلطات الاحتلال الصهيوني منظومة قانونية إقصائية، إلى جانب المنظومة العسكرية، إذ بدأ الأمر بفرض الحكم العسكري على الفلسطينيين الذين بقوا داخل حدود إسرائيل بعد عام 1948 والذين وصلت أعدادهم إلى 160 ألف نسمة.[22]

الممتلكات الوقفية وقانون أملاك الغائبين

لن تخوض هذه الورقة في بنية قانون الغائبين وتعريف القانون كنص، بل تركز الورقة على استغلال قانون أملاك الغائبين في مصادرة الممتلكات الوقفية التي أصبحت داخل حدود الكيان بعد عام 1948، وذلك من حيث مصادرة الأملاك ومشروعية إدخالها ضمن تطبيق القانون، وبالتالي مصادرتها.

ينبغي التأكيد على نقطة مهمة؛ وهي أن المجلس الإسلامي الأعلى كان يتم اعتباره من قبل الانتداب البريطاني على أنه القيّم على أمور الوقف، ويأتي ذلك ضمن اعتراف النظام الرسمي بالمجلس الإسلامي، كما نُشر بالجريدة الرسمية، بالتالي، اعترافٌ بتوليه مسؤولية الوقف الإسلامي ضمن القوانين التي وضعها الانتداب.[23]

بناءً على ما تقدم، كان المجلس الإسلامي الأعلى يخضع للقوانين الانتدابية البريطانية. وعندما تمت ولادة الكيان، استمر الأخير باستخدام القوانين الانتدابية، ما يعني أيضاً سريانها على الممتلكات الوقفية التي كان يديرها المجلس الإسلامي الأعلى. لكن بدلاً من ذلك، تم تطبيق قانون أملاك الغائبين على ممتلكات الوقف، كما يعتبر تعريف الغائب بقانون أملاك الغائبين أحد النقاط المفصلية في مصادرة الممتلكات الفلسطينية. لكن بالرجوع إلى نص القرار، لا يوجد أي نص صريح ينص على مصادرة أملاك الوقف الإسلامي بشكل عام.

لكن بالرغم من ذلك، تمت المصادرة على أساس أن أعضاء المجلس الإسلامي قد أصبحوا غائبين بموجب القانون. وبالتالي، كان هذا الادعاء والمبرر في مصادرة أملاك الوقف الإسلامي.[24] ومن خلال اعتبار المجلس الإسلامي وممتلكاته تحت بند قانون الغائبين، يمكننا طرح عدّة تساؤلات، إذ كيف يمكن اعتبار مؤسسة بكاملها وممتلكاتها غائبةً؟ أيضاً ثمّة تساؤل آخر حول أن الأوقاف هي ليست مُلكاً للمجلس الإسلامي الأعلى أو أية مؤسسة وقفية أخرى، بل هي ممتلكات يعود نفعها على فئة معينة أو على المسلمين بشكل عام، وكان من مهمة المجلس إدارتها وصيانتها والحفاظ عليها، فإذا غابت المؤسسة، فالمسلمون لم يغيبوا بأكملهم حسب تفسير القانون!

كانت النظرة القانونية والتنفيذية تجاه الممتلكات الوقفية ذات أبعاد مختلفة، وذلك تبعاً للوقف نفسه ومكانه الجغرافي، فالممتلكات الوقفية هي ممتلكات مضبوطة، وبالتالي كانت تحت سيطرة المجلس الإسلامي الأعلى، وتتنوع بين ممتلكات وقفية دينية مثل المقابر والمساجد، وممتلكات غير دينية مثل المباني والبيوت والأراضي والمتاجر. أما الممتلكات غير المضبوطة، فهي الأوقاف الملحقة والأوقاف الذرية. بذلك، تم وضع أغلب الممتلكات المضبوطة تحت بند قانون أملاك الغائبين، أما الأملاك غير المضبوطة، فتم وضع الأملاك التي أصحابها معرّفون بصفة الغائب تحت قانون أملاك الغائبين، أما الذين بقوا من أصحابها، فلم يتم وضع ممتلكاتهم الوقفية تحت بند القانون.[25]

ثمّة ادعاء آخر حول مصادرة الكيان الصهيوني ممتلكات الوقف الإسلامي بعد عام 1948، وذلك يعود إلى عدة مبررات أو أسباب من حيث دور المجلس الإسلامي الأعلى، وملكية الأرض واستغلالها، إذ إن الكيان لم يقم بما قامت به سلطات الانتداب البريطاني حينما احتل البلاد؛ وهو إقامة مؤسسات وسيطة بينها وبين الشعب، ممثلةً بالمجلس الإسلامي الأعلى، بل عملت على تفكيك المجلس خشية من إعادة سيناريو شخص الحاج أمين الحسيني، حين أقام بنية وإطاراً وطنياً جامعاً أكسبه الشرعية في دوره الوطني والسياسي فيما بعد، كما كانت الرغبة في استقطاب الشرعية المباشرة في الحكم من خلال التعامل المباشر في كافة الشؤون. [26]

أما الهدف الثاني في تفكيك أي كيان يدير الأوقاف، فكان يتمثّل في السيطرة على أراضي الأوقاف والممتلكات التابعة له، وذلك من خلال القيم على أملاك الغائبين والذي يستطيع بيع أملاك الغائبين إلى كل من الصندوق القومي اليهودي وسلطة التطوير والسلطات المحلية، بناء ًعلى قانون سلطة التطوير عام 1950.[27]

وفقاً لما تقدّم، ذهبت أغلب صفقات البيع باتجاه الصندوق القومي اليهودي. بذلك، تحولت ممتلكات الوقف من الأيدي الإسلامية إلى الأيدي اليهودية لتصبح حكرًا عليهم،[28] إذ تم مصادرة حوالي 430 ألف دونم بموجب قانون أملاك الغائبين وقوانين أخرى متصلة به. وينبغي الذكر أن هذه الأرقام تقديرية، وفي أغلبها لا تشمل الممتلكات الوقفية داخل المدن؛ إنما الأراضي الزراعية والأرياف بحسب مايكل دمبر والذي نقلها عن لوستك.[29]

مقبرة مأمن الله، مبنى الأوقاف الكبير- فندق بالاس: ممتلكات إسلامية يستفيد منها غير المسلمين

كانت تعتبر الأرض في كل من مبنى الأوقاف الكبير- فندق بالاس ومقبرة مأمن الله أرضَ وقفٍ مضبوطةً من قبل المجلس الإسلامي الأعلى- مديرية أوقاف القدس، وتقع على عاتق الإدارة المحافظة على الموقع وصيانته. ونبدأ في هذا القسم من الورقة بالحديث عن مقبرة مأمن الله من حيث التحولات القانونية، والتي أفضت إلى استحالة المقبرة التاريخية متنزهاً وموقفاً للسيارات، فيما يعزم الكيان على إنشاء  متحف “التسامح” على باقي المساحة المتبقية.

تعد مقبرة مأمن الله من المقابر التاريخية في القدس، حيث تم دفن الكثير من العلماء والقضاة والجنود المسلمين فيها. كان يوجد في المقبرة أكثر من 121 قبراً لشيخ وقاضٍ، ويُعتقد أن بداية الدفن فيها تعود إلى فترة الحروب الصليبية، بحسب أرشيف قسم إحياء التراث في دائرة الأوقاف الإسلامية.[30]

أما مساحة المقبرة  فتمّ تسجيلها رسمياً في دائرة الطابو عام 1938 بمساحة 134 دونماً، بينما ثمّة ادعاء آخر؛ مفاده أن مساحة المقبرة الأساسية هي أكبر من ذلك، لكن كانت تتم هناك اعتداءات على أرض المقبرة. وبالرغم من ادعاءات الاعتداء على أرض المقبرة،[31] إلا أن موظف كاتب الواردات لمركز القدس رداً على رسالة وكيل مدير الأوقاف، لم يذكر ذلك في رسالته حول تسجيل أرض المقبرة،  واكتفى بالرد بالقول أنه تم تسجيل المقبرة بحدودها الحقيقية.[32]

وبحلول عام 1938 وصلت أرض المقبرة إلى حالة لا يمكن الدفن فيها بدون تصريح. وتعود هذه المسألة إلى وجود مشاكل فيها أو عدم وجود متسع  (لم يتم ذكر السبب)، ما دفع مساعد مأمور الأوقاف لإعطاء أمر إلى بواب المقبرة بعدم السماح بدفن الجثث إلا بتصريح من دائرة الصحة بالدفن.[33]

يجدر الذكر هنا أن المقبرة شهدت عدة محاولات قبل عام 1948 لشراء جزء من أراضيها، خاصةً بناءً على العرض المقدم من شركة الكهرباء بخصوص شراء 100 متر مربع؛ منها عن طريق مفاوض من شركة كهرباء القدس السيد إلياس توما، إلا أن الجواب كان بالبحث في الموضوع دون إعطاء الموافقة بأي شكل من الأشكال على البيع، وإنما على احتمالية التأجير بعيد المدى.[34]

بما أن مقبرة مأمن الله هي من الأوقاف المضبوطة، فقد تم وضعها تحت قانون أملاك الغائبين. وبموجب الأخير، باتت المقبرة تحت تصرف القيّم، وبقيت الحالة القانونية للمقبرة  تحت تصرف القيم على أملاك الغائبين حتى بداية الستينيات من القرن الماضي، حيث أصبحت تحت إدارة بلدية الاحتلال في القدس، والتي بدورها وضعت مخططاً لتحويل المقبرة إلى حديقة في وسط المدينة.

وسعياً من البلدية إلى عدم “استفزاز المسلمين”، استعانت بالشيخ طاهر حمّاد  عام 1964 لإصدار فتوى يجيز من خلالها هدم القبور لتصبح الأرض “متنزهاً عاماً”. ويعدّ هذا الشيخ شخصية ذات قيمة، إذ إنه أعلى الشخصيات مرتبةً بالقانون الإسلامي، حيث أعطى الشيخ موافقته على إقامة المتنزه. [35]

ومن الجدير ذكره أن هذا الحراك والنشاط من قبل بلدية الاحتلال كان قبل عام واحد فقط من التعديل الثالث في قانون أملاك الغائبين، والذي بدوره يعالج بشكل جزئي إشكالية الأوقاف الإسلامية وممتلكاتها التي باتت تحت يد القيم على أملاك الغائبين، وذلك عبر إقامة مجالس أمناء لإدارة الوقف الإسلامي وممتلكاته.[36]

وفي عام 1986 تم الانتهاء من إقامة المتنزه والذي سُمي بحديقة “الاستقلال”. أكد افتتاحه ميدانياً، آنذاك، أن التعديل الثالث لقانون أملاك الغائبين، والذي بنصه يُخرج بعض ممتلكات الوقف الإسلامي إلى لجان الوقف التي تم إنشاؤها، لم يتم تطبيقه على أرض مقبرة مأمن الله.[37]

أمّا المشروع المخطط الآخر على أرض المقبرة، فهو مشروع متحف “التسامح”. في عام 1991 أصدر القاضي توفيق السلية الرئيس السابق للمحكمة الشرعية في الكيان فتوى بعدم جواز حفر القبور ونبشها أو البناء فوقها، وأيّد الفتوى أيضاً القاضي أحمد ناطور، رئيس المحكمة الشرعية، عام  2004 بعدما باشر الكيان بالعمل على مشروع المتحف عام 1999.[38]

إن كافة الأعمال التي يتم القيام بها في المقبرة تنطوي على صناعة مكان ومشهد مختلف عن المشهد الذي كان قبل عام النكبة، وذلك باستخدام الوسائل “القانونية” في ذلك. ففي قضية متحف “التسامح”، رفعت مؤسسة “كرامة” الحقوقية قضيةً بخصوصه إلى المحكمة العليا عام 2007، وذلك باسم بعض العائلات المقدسية العربية، وباسم أشخاص بعينهم، مثل محمد زكي نسيبة، ومحمد بدر الدين، محمد خير الدجاني، بغيةَ وقف هدم القبور التي تعود إلى آبائهم وأجدادهم.

كان القاضي مئير شمجار رئيسَ المحكمة العليا آنذاك، إذ طلب من القيمين على المتحف إيجاد حل “عملي” في عدم المس بالقبور، ليقترح القيمون إما أن يتم نقل رفات الموتى إلى مقابر إسلامية أخرى أو أن يتم البناء فوق القبور وترك فراغ بين القبور وأرضية المتحف.[39]

وفي كانون الأول عام  2008 تم رفض الالتماس المقدم من قبل جمعية الأقصى للوقف والتراث بخصوص تجميد أعمال بناء المتحف على أرض مقبرة مأمن الله. وبذلك أقرّت المحكمة العليا في مشروعية تنفيذ المتحف وإكمال البناء في الموقع.[40]

بالنظر إلى العلاقة ما بين الأهداف السياسية وتسويغ القانون في سبيل تحقيق تلك الأهداف، والتي تصب (في حالة مقبرة مأمن الله) في تغيير المعالم والمشهد الإسلامي، ومن ثم صناعة مكان “حديث” يهدف إلى “التسامح”، نلمس عدم وجود فرق بين الأداتين السياسية والقانونية بخصوص الممتلكات الوقفية، إذ يجب الالتفات هنا إلى  أن المحكمة العليا قد قضت بمشروعية إدارة وسيطرة القيم على أملاك الغائبين على الممتلكات الوقفية.[41] كان ذلك القرار قد تم إصداره عام 1959.[42]

وبدلاً من أن يأمر قضاة المحكمة العليا بإيقاف أعمال البناء في المقبرة، يحاولون إيجاد الحلول لعدم “المس” بالقبور؛ أي أنهم لا يختلفون على فكرة إزالة القبور وهدم المقبرة، بل على كيفية إزالة القبور الإسلامية بشكل يكون مطابقاً “للشريعة الإسلامية”، “واحترام حرمة الموتى”.

الحالة الدراسية الثانية في هذه الورقة هي مبنى الأوقاف الكبير- فندق بالاس، إذ تسعى هذه الجزئية إلى طرح التساؤلات حول المبنى، من حيث الهدف من بنائه وملكية الأرض والبناء واستخدامه، وما هو وضع المبنى القانوني، وحال المبنى اليوم.

تعود فكرة إنشاء المبنى إلى الحاج أمين الحسيني، إذ رغب الأخير بضرورة وجود مبنى إسلامي في منطقة مأمن الله، وذلك بسبب وجود الكثير من الأحياء اليهودية في تلك المنطقة. رغب المفتي في إقامة مبنى حضاري بينهم في مركز المدينة لإثبات حضور المسلمين فيها، خاصةً مع وجود فندق الملك داوود في تلك المنطقة، والذي افتتح في العام 1931 بعد تمويل بنائه من المصري اليهودي العامل في مجال البنوك “عيرزا موسيري”.

بدأ الحاج البناء في الموقع عام 1928،[43]وفي كانون الأول من عام 1929 تم الانتهاء من إنشاء المبنى، وذلك بحسب مذكرةٍ أرسلها الحاج أمين الحسيني باسم المجلس الإسلامي الأعلى إلى مدير الصحة العام في القدس يعلمه فيها بانتهاء إنشاء فندق الأوقاف الكبير، وفقاً للتعليمات الصادرة وذلك من أجل القيام بزيارة إلى المبنى لإعطائه الرخصة بافتتاحه.[44]

أما الأرض التي تم بناء الفندق عليها، فهي بحسب يتسحاق رايتر أرض وقفية تابعة لدائرة الأوقاف في القدس، والتي تعتبر أيضاً جزءاً لا يتجزأ من مقبرة مأمن الله الإسلامية التي تقع بالطرف المقابل لأرض الفندق.[45] وبما أن الأرض هي أرض وقفية، فتعتبر ملكية إسلامية تخدم مصالح المسلمين، ويعمل المجلس الإسلامي الأعلى، ممثلاً بمديرية أوقاف القدس، على المحافظة على هذه الملكية وإدارتها.

تعددت استخدامات مبنى الأوقاف الكبير ما بين فندق ومبنى إدارة حكومة فلسطين الانتدابية، ووزارة التجارة والصناعة الإسرائيلية، وأخيراً فندق مرةً أخرى. بدأ الأمر في عام 1930 عندما تم افتتاح المبنى الكبير على هيئة فندق عربي وسط المدينة، إذ تم اعتبار هذا المبنى واحداً من أفخم الفنادق في القدس من حيث الرفاهية وفخامة المعمار، فقد كان فيه 140 غرفة فندقية عصرية تنافس فيها الفنادق الأخرى الموجودة في المدينة خاصةً فندق الملك داود.[46]

في عام 1931 استضاف الفندق، الذي أُطلق عليه فندق بالاس، المؤتمرَ الإسلامي في القدس الذي ضمَّ العديد من الزعماء المسلمين من جميع أنحاء العالم. لاحقًا في عام 1935، شهد الفندق تحولاً سلبياً، إذ تم إغلاقه.[47] وفي الحقيقة حاولت الوصول إلى وثائق أستطيع من خلالها الوصول إلى الأسباب التي أدت إلى إغلاقه، لكنني لم أنجح في ذلك، نظراً لعدم وجود الوثائق في أرشيف مؤسسة إحياء الوقف والتراث (ضائعة أو تالفة) أو رفض المؤسسة الموافقة على إطلاعي عليها.

أما من الناحية التحليلية حول أسباب إغلاقه، لربما تكون أسباباً ماليةً أو سياسيةً تتعلق بدور المجلس الإسلامي الأعلى من الانتداب البريطاني، إذ وصلت العلاقة في تلك المرحلة (قبل ثورة عام 1936)  بين المجلس برئاسة المفتي أمين الحسيني وبين سلطات الانتداب إلى مرحلة الصدام حول قضايا معينة؛ منها قضية الهجرة اليهودي والتي ازدادت باضطراد كبير في سنوات الثلاثينيات، وكان الحاج أمين الحسيني قوة وطنية رادعة أمامها، إضافةً إلى قضية الاستيلاء الصهيوني على الأراضي. ويجب لفت الانتباه إلى أن افتتاح الفندق وإغلاقه كانا ما بين ثورة البراق عام 1929 وبين ثورة عام 1936؛ أي أن الاضطرابات في المدينة المقدسة كانت تزداد بشكل مركب يوماً بعد يوم.[48]

بعد إغلاقٍ استمر لحوالي عامين، تم إعادة افتتاح مبنى الأوقاف الكبير مرةً أخرى، لكن ليس كفندق، بل كمبنى حكومي تابع لحكومة فلسطين الانتدابية عملت على استئجاره من مدير أوقاف القدس عام 1936. في هذا السياق، لم يكن لقانون الأوقاف، الذي تم بموجبه عزل رئيس المجلس الإسلامي الأعلى الحاج أمين الحسيني، علاقةٌ مباشرةٌ بالأمر لأن طلب الاستئجار كان عام 1936.[49] وبقي المبنى مستأجراً في يد سلطات الانتداب حتى عام 1948، وذلك تبعاً لعقد الإيجار المُوقَّع مع مديرية الأوقاف بمبلغ سنوي مقداره 3200 جنيه فلسطيني (بالرغم من وجود مراسلات من قبل مديرية الأوقاف لرفع المبلغ إلى 5000 جنيه فلسطيني).[50]

وبعد انتهاء حرب عام 1948، سيطرت الحكومة الإسرائيلية على المبنى وحوّلته إلى عدة وزارات، لتستقر بالنهاية على وزارة التجارة والصناعة، إذ بقي هذا المبنى مركزاً لها بداية القرن العشرين. لكن بعد ذلك، باعت الحكومة الإسرائيلية المبنى إلى شركة “ريجينسي” من أجل “ترميمه”. لكن الانتفاضة الفلسطينية الثانية أعاقت ذلك، ليتم بيع المبنى مرةً أخرى إلى عائلة ريتشمان اليهودية من كندا عام 2006، والتي هدمت كامل الأجزاء الداخلية من المبنى وأعادت هيكلته من جديد مع الحفاظ بشكل كبير على واجهة المبنى الخارجية.[51]وما بعد إتمام عملية الترميم، أصبح الفندق تابعاً لواحدة من أشهر الشركات العالمية؛ وهي وولدرف إستوريا- هيلتون[52]

صحيح أن حكومة “إسرائيل” هي الجهة التي ورثت ممتلكات حكومة الانتداب، لكن ذلك لا يكسبها أيّ مشروعية قانونية في الاستيلاء على المبنى، لأنها لم تدفع ثمن استئجار العقار لمديرية الأوقاف الإسلامية. لكن بما أن الحكومة الإسرائيلية وضعت كامل الممتلكات الوقفية الإسلامية تحت قانون أملاك الغائبين، كون المبنى كان يُعتبر من الأوقاف المضبوطة التابعة لمديرية الأوقاف وبيد إدارة القيم على تلك الأملاك، لم يتم إعادة هذه الأملاك من قبل القيم على أملاك الغائبين إلى مجالس الأمناء. وبدلاً من إعادتها، تم استغلال حق التصرف من قبل القيم على أملاك الغائبين ببيع العقار إلى جهات يهودية خاصة.

خاتمة

في الختام، أود التأكيد على أهمية تسليط الضوء على ممتلكات الوقف الإسلامي في كامل فلسطين “الانتدابية”؛ لكن ثمّة مواقع معينة تعمل سلطات الاحتلال الصهيوني على محاولة إزالتها بشكل كامل من الوعي الفلسطيني، كما يحدث الآن في مسألة الأوقاف الإسلامية  في غرب القدس من مقبرة مأمن الله ومبنى الأوقاف الكبير، والتي واجهنا فيها تحدياً كبيراً تمثّل في شح المعلومات والبيانات حول المبنى وتاريخه. ولا يمكن تغافل الدور الرئيسي للوسائل القانونية والدور القضائي ضمن الإطار المؤسساتي في الكيان الصهيوني، إذ إنّها جزء من المنظومة الكولنيالية في نزع مكانة الوقف الإسلامي وممتلكاته من أصحابها، عبر جعل حالة الاستثناء حالة ذات استمرارية إقصائية في مواجهة الفلسطينيين.

المصدر: باب الواد

—————————————————

الهوامش:

[1] لوي ماسينيون، وثائق عن أوقاف الأماكن المقدسة في الإسلام: وقف التميمي في الخليل وأبومدين بالقدس (إيطاليا: منشورات المتوسط، 2015)، صفحة 13.

[2] Yitzhak Reiter, Islamic Endowment in Jerusalem during British Mandate (London: Frank Cass, 1996), p 14.

[3] زهدي يكن، الوقف في الشريعة والقانون (بيروت: دار النهضة العربية،1968)، صفحة 185-186.

[4] Yitzhak Reiter, Islamic Endowment, p12.

[5] Jürgen Osterhammel, Colonialism:  A Theoretical Overview (United States of America: Markus Wiener Publishers, 1997), 35-36.

[6] J. N. D. Anderson, “Recent Developments in Shari’a Law XI: The Waqf System,” The Muslim World, Vol. XLII, No. 4 (October 1952), pp. 257

[7]  عبلة المهتدي، الحاج أمين الحسيني والتحديات الوطنية في فلسطين 1917-1937 (عمان: دار المايا للنشر والتوزيع، 2012) صفحة 94.

[8] سميح حمودة، “دور المجلس الإسلامي الأعلى في الحفاظ على أراضي فلسطين من خطر التسرب للحركة الصهيونية 1922-1948″، مجلة حوليات القدس، العدد 15 (ربيع- صيف2013)، صفحة 74.

[9] مصدر سبق ذكره، صفحة 93.

[10] تيسير جبارة، دراسات في تاريخ فلسطين الحديث (فلسطين: جامعة الخليل، 1980) صفحة 125.

[11] نظام تشكيل المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين الصادر عن المندوب السامي لفلسطين 15-5-1921. “أرشيف مؤسسة احياء التراث والبحوث الاسلامية”. ملف رقم 13/21/1.39/97 الوقائع: صحيفة حكومة فلسطين الرسمية. العدد 58، القدس، 1كانون الثاني 1921، ص3-4

[12] “مقبرة مأمن الله”. أرشيف مؤسسة احياء التراث والبحوث الإسلامية. ملف رقم 13\29\1،3\15.

[13]  תלונות על משכורות:עובדי המועצה  המוסלמית העליונה”- Representations regarding Salaries: Employees of Supreme Moslem Council 31-5-1945”. Israel State Archives. Folder number 172- 1/11. 2. P1-30.

[14] سميح حمودة، “دور المجلس الإسلامي الأعلى في الحفاظ على أراضي فلسطين من خطر التسرب للحركة الصهيونية 1922-1948″، مجلة حوليات القدس، العدد 15 (ربيع- صيف2013)، صفحة 79.

[15] إبراهيم أبو شقرا، الحاج أمين الحسيني: منذ ولادته حتى بداية ثورة 1936 (بيروت: الجامعة اللبنانية، 1987)، صفحة 62-63.

[16] تيسير جبارة، دراسات في تاريخ فلسطين الحديث (فلسطين: جامعة الخليل، 1980) صفحة 124.

[17] عبلة المهتدي، الحاج أمين الحسيني والتحديات الوطنية في فلسطين 1917-1937 (عمان: دار المايا للنشر والتوزيع، 2012) صفحة 548.

[18] “The Plan Partition and the British Mandate”. United Nation.http://www.un.org/Depts/dpi/palestine/ch2.pdf

[19] مايكل دمبر، سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992)، صفحة 64.

[20] Giorgio Agamben, “State of Exception”, the University of Chicago Press, 2005, p 2-3.

[21] دافيد كريتشمر، المكانة القانونية للعرب في إسرائيل (القدس: مركز دراسات المجتمع العربي في إسرائيل، 2002)، صفحة 69.

[22] إيلان بابيه، الفلسطينيون المنسيون: تاريخ فلسطينيي 1948 (بيروت: دار المطبوعات للنشر والتوزيع، 2013)، صفحة 37.

[23] نظام تشكيل المجلس الإسلامي الأعلى بفلسطين الصادر عن المندوب السامي لفلسطين 15-5-1921. “أرشيف مؤسسة احياء التراث والبحوث الاسلامية”. ملف رقم 13/21/1.39/97 الوقائع: صحيفة حكومة فلسطين الرسمية. العدد 58، القدس، 1كانون الثاني 1921، ص3-5.

[24] مايكل دمبر، سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992)، صفحة 67.

[25] المصدر الذي سبق، صفحة 68.

[26] حمد أحمد عبد الله يوسف. الوقف الإسلامي في فلسطين منذ أواخر العهد العثماني حتى وقتنا هذا (فلسطين: مؤسسة إحياء التراث بالتعاون مع وزارة الإعلام، 2010)، صفحة 126.

[27] مايكل ر. فيشباخ، سجلات السلب: أملاك اللاجئين الفلسطينيين والصراع العربي الإسرائيلي، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2013) 73.

[28] Haitam Suleiman and Robert Home, “God is an Absentee too: the treatment of Waqf (Islamic trust) Land in Israel/ Palestine”, Journal of legal Pluralism, (2009, Nr. 59), p56.

[29] مايكل دمبر، سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992)، صفحة 72.

[30] “مقبرة مأمن الله”. أرشيف مؤسسة احياء التراث والبحوث الإسلامية. ملف رقم 13/32/1.38/85.

[31] Yitzhak Reiter, “Tolerance versus Holiness: The Jerusalem Museum of Tolerance and Mamilla Cemetery”, Choreographies of Shared Sacred Sites: Religion, Politics, and Conflict Resolution, Ed.  Elazar Barkan, Karen Barkey (New York: Colombia University Press, 2015), 301.

[32]  “مقبرة مأمن الله”. أرشيف مؤسسة احياء التراث والبحوث الإسلامية. ملف رقم 13/31/1.32/85.

[33] “مقبرة مأمن الله”. أرشيف مؤسسة احياء التراث والبحوث الإسلامية. ملف رقم 13/32/1.38/85.

[34] “مقبرة مأمن الله”. أرشيف مؤسسة احياء التراث والبحوث الإسلامية. ملف رقم 13/46/1.17/85.

[35] Yitzhak Reiter, “Tolerance versus Holiness: The Jerusalem Museum, p 303.

[36] مايكل دمبر، سياسة إسرائيل تجاه الأوقاف الإسلامية في فلسطين (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992)، صفحة91.

[37] Yitzhak Reiter, “Tolerance versus Holiness: The Jerusalem Museum, p 304.

[38] Ibid, p307.

[39] Ibid, p308-310.

[40] Ibid, p310.

[41] دافيد كريتشمر، المكانة القانونية للعرب في إسرائيل (القدس: مركز دراسات المجتمع العربي في إسرائيل، 2002)، صفحة 70.

[42] حنا نقارة، مُذكرات محام فلسطيني: حنا ديب نقارة، محام الأرض والشعب (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2011)، صفحة 244

[43] “The Palace Hotel”. The Central Zionist Archive.http://www.zionistarchives.org.il/en/AttheCZA/Pages/PalaceHotel.aspx

[44] “مبنى الأوقاف الكبير”. أرشيف مؤسسة إحياء التراث والبحوث الإسلامية. ملف رقم 13/29/6.55/20.

[45]Yitzhak Reiter, “Tolerance versus Holiness: The Jerusalem Museum, p 302.

[46] “The Palace Hotel”. The Central Zionist Archive.http://www.zionistarchives.org.il/en/AttheCZA/Pages/PalaceHotel.aspx

[47] Yitzhak Reiter, “Tolerance versus Holiness: The Jerusalem Museum, p 303.

[48] عبلة المهتدي، الحاج أمين الحسيني والتحديات الوطنية في فلسطين 1917-1937 (عمان: دار المايا للنشر والتوزيع، 2012) صفحة 280-286.

[49]“Proposed Transfer of Government to Ex-Palace Hotel Building or Elsewhere”. Israel State Archive. Folder Number284- 1/2.3.2.

[50] “Lease of Awkaf building Mamilla Road- Ex-Palace hotel”. Israel State Archive. Folder Number228- 1/2.3.2.

[51] “The Palace Hotel”. The Central Zionist Archive.http://www.zionistarchives.org.il/en/AttheCZA/Pages/PalaceHotel.aspx

[52] Waldorf Astoria. http://waldorfastoria3.hilton.com/en/hotels/israel/waldorf-astoria-jerus…

إلى الأعلى