آراء

ظروف ما قبل النكبة تعيد نفسها

خلال الساعات الأخيرة دارت في عقلي فكرة المقارنة بين الأجواء الحالية التي يعيشها شعبنا، والأوضاع التاريخية فترة وعد بلفور أو قبل النكبة وبعد ثورة العام 1936، وهل تجوز المقارنة وهل هناك تشابه، يمكن من خلاله التنبؤ ولو جزئيا بمسار الأحداث.

يمكن اعتبار ثورة 36 وفقا لعدد من الباحثين والدارسين، مسار تحولي مهم في تاريخ الشعب الفلسطيني كان بعد إفشاله بنسبة معينة عاملا مهما في النكبة، حيث تمكن الإنجليز من إعدام واعتقال مئات الناشطين ومصادرة كميات كبيرة من السلاح وتشتيت الحركة الوطنية، بالإضافة للشرخ العميق في بنية المجتمع، بفعل عدة عوامل من بينها سلوك النخبة والزعامة الفلسطينية، وكان من إفرازاتها ما يسمى بفصائل السلام، وهو التيار الخياني وقتها.

وربما يكون إجهاض أو كبح نتائج الثورة، والتي شهدت فترات هامة ونتائج عظيمة لصالحنا، من خلال تحرير عدد من المدن وبينها القدس وبئر السبع لشهور، وترتيب نظام إداري وقضائي في القرى والبلدات مميز، الانهيار النسبي لهذه التجربة كانت انعاكساته في مسار الأحداث خلال النكبة.

ولسنا الآن بحاجة لكثير من الذكاء لرؤية الانهيار الذي يصيب المشهد الفلسطيني حالياً، فالمقاومة في الضفة الغربية وهي الخاصرة الحساسة للاحتلال، شبه معطلة، وتم العمل بشكل منهجي ومؤسساتي على قتل فكرة المقاومة وحصار من يفكر بها، على كل المستويات حتى ربما نصل للزواج.

ومن أهم ظواهر المرحلة الحالية اللامبالاة الكبيرة بين الناس للشأن السياسي، يعززه فراغ سياسي كبير يدور حول مقولات لا قيمة لها، مع ضربة كبيرة تلقتها تنظيمات المقاومة جراء الاعتقالات والاغتيالات وبخاصة خلال انتفاضة الأقصى التي كانت استنزافاً حقق نتائج مهمة في مجتمعنا، تم تعزيز جانب منها في ظل العمل المتواصل من جانب المؤسسة الاحتلالية على جعل إعادة هذه التجربة مكلفاً.

مصادرة السلاح والتضييق على المقاومين وخلخلة مفاهيم مجتمعية كبيرة على المستوى الذي يخلق المقاومة دائماً، بالإضافة للإفقار الكبير لمناطق واسعة في الضفة وعلى مستوى أعلى في القطاع، الذي جرى دائماً محاولة فصله عن بقية الفلسطينيين والاستفراد بأهله، واستغلال مقولات الانقسام لإسقاطها على الواقع وتحريفها، ليصبح حصار القطاع ضمن الانقسام وليس عقاباً لأهلها على مقاومتهم.

ولا ينفي الواقع الرديء إمكانيات ظهور حركة مقاومة جديدة، مكونة من عدة ظواهر وتيارات وعمادها الشباب الذين قاموا بجزء كبير من الفعاليات خلال انتفاضة القدس، بالإضافة لتنظيمات مثل حماس والجهاد ومن ثم الشعبية، التي حاولت إعادة بناء خلايا للمقاومة وأغلبها كان بالاتصال مع الخارج، وهي طرق ربما شكلت عبئاً كبيراً على المشهد.

دراسة بسيطة لما يمكن أن نقوم به أمام نية الأميركان نقل سفارتهم للقدس، والتهديدات على سياقها، بأن تعويلنا الوحيد سيكون على الفوضى وما يمكن أن تحققه، ولكن بالنظر للفاعلين والمتحكمين بشكل كبير بحركة الشارع، هذا المصطلح الكبير الذي إذا أردنا أن نفككه فسنحصل على نتائج أخرى، والمؤكد أن الأطراف الحاكمة هنا لا تريد مواجهة شاملة وتبحث عن أدنى فرصة لأي حل يقيها الحرج الحالي.

في سياق الحديث عن الشارع والمجتمع، ودوره، فإن نسبة المنخرطين عادة بحركة المقاومة خلال تاريخ الصراع، معروفة ومحددة وقد تعرضت هذه المجموعة للقتل والاعتقال بشكل واسع وأنهكت، وقد يكون جزء منها فقد أمله بتحقيق نتائج من تضحياته.

وعلى المستوى العربي والإسلامي والدولي، وهو عامل مهم في الوضع الفلسطيني، فإن هناك تحالف خياني لا يخفي عمله على تصفية القضية، بالإضافة لحالة عربية شعبية أشبعت بالمجازر والتقسيم الطائفي، حتى أصبحنا نسمع نقاشاً عن “إسرائيل” كمحايد أو طرف في صراعات عربية يمكن التعاون معها لصالح طرف على حساب الآخر.

التشابه بين الان وظروف النكبة وما سبقها، هو وجود قيادة بعيدة عن الناس وجمهور تم إنهاكه وسلاح تمت محاربته، مع وجود بؤر مقاومة في مناطق مختلفة من البلاد.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى