تقارير وملفات خاصة

“أم قرمول”.. معركة سطرها ثلة فدائيين جنوب فلسطين

الخليل – خاص قُدس الإخبارية: ليست بخيلة أبدًا، أرض تنجب الثورة وترتوي بالدم، ويحتضن تربها جثامين مئات الشهداء بمختلف الجنسيات، ارتقوا خلال معارك خاضوها فدائيون وهزموا فيها الغزاة والمحتلين، عبر أسلحة بدائية الصنع حافظوا عليها وهي تجوب العديد من المدن والمناطق، وأربكوا حسابات العدو وأفشلوها.

وهذه “أم قرمول”، اسمٌ لواحدة من أعنف المعارك التي كبّد فيها فدائيو الأرض المحتلة جيش الاحتلال، العشرات من جنوده بين قتيل ومصاب، واحتضنت بلدة الشيوخ الواقعة إلى الشمال من مدينة الخليل أسماء وعناوين الشهداء تحت ترابها، دون أن يعلم أحد أسماؤهم الحقيقية، ولكنهم تكهنوا بأسمائهم التنظيمية.

وتقول الروايات الدارجة في بلدة الشيوخ أن قائد الفدائيين هو الشهيد محمود البستنجي من دورا جنوب مدينة الخليل، وبعد تعرضه للحصار من قبل جيش الاحتلال ونفاد ذخيرته رفض الاستسلام ففجر قنبلة يدوية في نفسه، وأن الفدائي السابع من بلدة إذنا شمال الخليل يعيش في المملكة الأردنية الهاشمية.

لا يزال يحفظ تاريخ ” ٦/١١/١٩٦٧” جيداً، وتفاصيل هزيمة الجيش الذي توالت هزائمه على أيدي ثلة من المقاتلين، تيمموا بتراب الأرض التي جبلت دمائهم به، وتوضأت سواعدهم بحتمية الانتصار، وتوارثت الأجيال سير تاريخهم المشرق، وحفظوا وصاياهم وعملوا بها، ورفعوا أسمائهم أيقونات في ساحات المجد والقتال.

وتقول الحاجة السبعينية سهيلة عيايدة لـ “قُدس الإخبارية“، سبعة فدائيين ثامنهم إيمانهم المطلق بعدالة قضيتهم، سجلوا في سفر التاريخ الوطني واحدة من أقوى كمائن التخفي لجيش الاحتلال، كنت أرسل لهم الخبز الحاف وقليل من اللبن الجميد، وما تيسر مما كنا نزرع في أرض والدي من بندورة وزعتر.

وتضيف الحاجة سهيلة لمراسلنا “لم أرَ وجوه الفدائيين قط، ولم يكن يعرف أحد من سكان المنطقة هوياتهم، كنت أضع لهم الطعام وأعود أدراجي لمنزلي، وكانوا يتنقلون بين أودية البلدة وسهولها نهاراً، وينامون في المغارة التي استهدفتها طائرات الاحتلال اللعين، وكانوا قليلي الحركة ولم نرى أيضا أسلحتهم.

الحاجة سهيلة التي شهدت معركة أم قرمول رفضت الحديث لمراسلنا عن المعركة في بداية اللقاء، خوفاً منها كشف أسرار قد تخدم العدو، حتى بعد مضي ما يزيد عن النصف قرن على وقوع عملية أم قرمول، وأخفت العديد من التفاصيل التي اعتبرتها أمنية لا يمكن الحديث عنها.

وتتابع الحاجة سهيلة حديثها عن معركة أم قرمول لمراسلنا فتقول: بين العصر والمغرب، شاهدت توافد أعداد كبيرة من قوات الاحتلال لتطويق منطقة أم قرمول، حيث كانت مغارة الفدائيين تقع في بطن الجبل، وبدأ فرض حظر التجوال على كافة مناحي الحياة في البلدة، واستعرت أصوات الطيران الحربي.

تتابع “بعد نحو خمس دقائق تدفق الجنود بالعشرات إلى أسفل الوادي، وبدأت أصوات إطلاق النار بشكل متبادل بين الفدائيين وقوات الاحتلال، وبدأت تهبط طائرات الاحتلال لنقل قتلى وجرحى الجيش، وشاهدت سقوط طائرة تابعة للاحتلال في أسف الوادي، ومضت ثلاث ساعات ولم تنفد ذخيرة الفدائيين.

وفي الوقت الذي تصاعد فيه أصوات الرصاص الممزوجة بصرخات الفدائيين وهم يرددون “الله وأكبر”، بدأ أهالي منطقة أم قرمول بالإسراع في صلواتهم، علها تصل للسماء وتنقد أرواح الفدائيين الدين عملوا على تأمين خط المقاومة من اتجاه الأراضي التي تصل البحر الميت بجنوب الخليل.

وتروي الحاجة سهيلة لمراسنا “بعد وقت المغرب بدقائق، توقفت الاشتباكات التي استمرت لنحو أربع ساعات، شاهدنا منطقة أم قرمول وتداخلت علينا الرؤية، شاهدنا السماء مفتوحة والأرض مضاءة وأرواح الشهداء تصعد الى علياء المجد، وسادت المكان الروائح التي لا نعلم عنها شيء سوى أنها رائحة المسك”.

والحاجة سهيلة فقدت كل ما علق في ذاكرتها طوال سنوات عمرها إلا معركة أم قرمول وما دار فيها من أحداث، وتبعها من أحاديث أهالي المنطقة، المعركة التي واجه فيها الفدائيون قوات الاحتلال وانتصروا عليهم بعزيمتهم وإرادتهم على دحر الاحتلال وتحقيق الوحدة والحرية لشعبهم العظيم.

وتؤكد مصادر محلية في بلدة الشيوخ لـ “قدس الإخبارية” على قيام الاحتلال بهدم عشرات المنازل لأهالي من البلدة اتهمتهم سلطات الاحتلال بمساعدة الفدائيين، ونفدت حملات دهم واعتقال كبيرة طالت المئات من أهالي البلدة، وكانت تفرض عليهم كل يوم أربعاء حظراً للتجوال.

ويؤكد الناشط المجتمعي زكريا عويضات لـ “قدس الإخبارية“: أن قوات الاحتلال قامت بإرغام عدد من الأهالي على دفن الشهداء في مقبرة البلدة في ساعات الليل، وأن من بين الفدائيين أربع شهداء من خارج بلدة الشيوخ، وواحد اختبئ تحت أكوام من الأشجار ومع ساعات الفجر الأولى امتطى البحر وصل الأردن.

وأضاف الناشط عويضات “امتاز العهد القديم من مجريات ثورة شعبنا بالسرية المطلقة في العمل والتكتيك، وهو الأمر الذي أدى لإطالة واستدامة العديد من الخلايا العسكرية المسلحة التي كانت منتشرة في العديد من المدن الفلسطينية، وهو أسلوب أثبت نجاعته وقدرته على إرباك حسابات العدو وأجهزة مخابراته.

إلى الأعلى