مدوّنات

قبل سقوط القلعة الأخيرة

زعمون أنّ رئيس وزراء الاحتلال الأسبق إسحاق رابين، تمنّى ذات مرّة أن يستيقظ من نومه فيجد غزّة قد ابتلعها البحر! هكذا بخيرها وشرّها، وبساحلها الممتدّ من أولها لآخرها، بحدائق البرتقال والليمون، وربما بالمستوطنات التي كانت تشغلُ نحو نصفها آنذاك، ولعل تلك الكلمة كانت أساس التخلّي الصهيونيّ الحاليّ عن غزة، وحذفها من خارطة أرض الميعاد.

طالما كانت غزّة، وكما يقول الباعةُ في أسواقها: “واقفة بخسارة” على الصهاينة، أو بعبارة أخرى: “مش جايبة همها”! بقعةٌ صغيرةٌ جدًّا جغرافيًّا، هي الأكثر ازدحامًا في العالم كما تقول بعض الإحصاءات، غابةٌ من البنادق والصواريخ، ومتاهةٌ من الأنفاق والكمائن ونقاط الرباط، وقومٌ لا يعرفون للاستسلام سبيلًا.

غزة التي انطلقت منها الانتفاضة الأولى، واشتعلت بيد عماد عقل وأمثاله لهيبًا تحت أرجل جنود “جولاني و”جفعاتي”، وضلّت في شوارعها جيبات “المشمار كفول”، وأعيت أزقة مخيماتها دوريات الاعتقالات، ومراقبي منع التجوّل. أجبرت الاحتلال أخيرًا على إعادة حساباته، فهذا الشريط الذي لم يبلغ اثنين في المائة من “أرض إسرائيل” ليس مهمًّا ولا مفيدًا.

أكّدت هذا التوجه انتفاضة الأقصى، إذ وضع الاحتلال ثقله كلّه في الضفة، كتلة التاريخ والقُدسية، أكناف بيت المقدس، وحاضنة العاصمة الموعودة، الأرض الشاسعة مترامية الأطراف، الممتدة على ضفاف نهر الأردنّ من جهة، والمطلة على كل بقعة من فلسطين من الجهة الأخرى، يصعب التفريط بها، إنها أكثر من خمس فلسطين التاريخية، وموضع القلب منها!

وضعوا ثقلهم كلّه في الضفة، واجتاحوها بالسور الواقي، ونصبوا جدار الفصل والعزل، وسلطوا عليها جنرالات التنسيق والخيانة، حتى أرهقوها وأنهكوها، بينما استطاعت غزة بصغر حجمها وتعقيد وضعها وعظم كُلفتها أن تجبر شارون على الانسحاب منها، والرحيل عنها إلى الأبد، “لاحسًا” تصريحاته السابقة عن كون “نتساريم” مثل “تل أبيب”. هكذا أرادوا إذن: أن يأكلوا الضفة غالية الثمن وعظيمة القيمة، وأن يلفظوا غزة اللقمة المرة الملتهبة كجمرة.

لكن البحر لم يبتلع غزة، بل نبت على ساحلها نبتٌ جديد، جيشٌ مقاومٌ يراكمُ قوّته، ويواصل تحضيره وتدريبه على مدار الساعة، وحاضنةٌ شعبيّة قويّة وعنيدة، حفرت غزة الأنفاق صوب الأرض المحتلة، وشقّت على العدوّ حديد دباباته، وانتزعت من بطن المدرّعة جنودًا أحياء، وأخفتهم كفصّ ملحٍ ذاب، ولم يعد لهم أثر، إلا بمقابلٍ من الأسرى أو الأسيرات.

وفقد المنسقون كثيرًا من سيطرتهم على مجريات الأمور في القطاع، واستحالوا سُلطةً ضعيفة متهالكة، حتى زجّ بها مشغّلوها في معركةٍ غير متكافئة، لتحاول النجاح في ما فشل فيه المحتلّ نفسه، فأدخلوها اقتتالًا مريعًا، انتهى بانكسارها وانحسارها، وتعاظم فصائل المقاومة وتضخّم قوتها العسكرية والأمنية، وتزايد الخطر الذي تشكله على غلافها الاحتلاليّ، بل على كامل الأرض المحتلة.

فشل المدفوعون للاقتتال في تحقيق حلم العدوّ، ولم ينجح جنرالات أوسلو في القضاء على الحالة المقاومة، بل أفضت المغامرة السخيفة إلى نتائج معاكسة، فما كان من العدوّ إلا إعلان الحرب تلو الحرب على القطاع الصغير، أيام ممتدة من الجحيم الهاطل على رؤوس المدنيين، بيوتٌ تُقصف بمن فيها وما فيها، ومجازر في المساجد والأسواق والمدارس والملاعب والملاجئ، فلم تركع غزة ولا لانت لها قناة.

صمدت غزة طويلًا وتحمّلت كثيرًا، ولقيت بأسًا شديدًا، لا سيّما بعد اغتيال الربيع العربيّ، وعودة الإقليم إلى الحالة الآمنة بالنسبة للمحتلّ، بل إلى وضعٍ أكثر ممالأة وتواطئًا وخيانة، فكانت حربُ 2014 هي الأشد والأقسى، وعلى الرغم مما لقيه العدوّ على الأرض من نكالٍ، وما أصاب جنوده من فضيحةٍ وُثق جزءٌ يسيرٌ منها بالصوت والصورة كما في “نحال عوز”، فإنّ هذه الحرب تحديدًا كانت نكبةً على غزة، لم تتعاف منها غزة بعد مضيّ أكثر من ثلاث سنين عليها، ولا يبدو أنها ستتعافى قريبًا.

أثخن العدوّ في أهل غزة قتلًا، ولعلّه استفاد من حُمّى القتل في المنطقة، وغرّه سكوتُ العالم على جرائم الأنظمة المجرمة، ومجازرها المروّعة، فأطلق يده في العوائل والأطفال أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وهدم آلاف البيوت، ودمّر البنى التحتية، أو ما تبقى منها، وترك البلد وكأنما أتى عليها زلزالٌ ليست له درجةٌ يُقاس بها!

ثمّ أتبع جريمة العدوّ تآمر الأنظمة الخائنة المطبعة، وتخاذلها عن إعمار غزة، وتكالب السلطة وتهافتها على أموال الإعمار، وإذلال الغزيين الذين قدّموا أرواحهم وبيوتهم، وابتزازهم بأموال الإعمار، حتى قضى أناسٌ سنين بطولها في حاويات لا تقي حرًّا ولا بردًا! وقد كان كثيرٌ منهم يسكن البيوت الجميلة الفسيحة، التي دفع فيها دم قلبه، وعُصارة أيامه.

كانت أنظمة الإقليم، وخاصة الوسيط المصريّ، والقيادة الفلسطينية التي كانت شريكة التفاوض، حريصةً أشدّ الحرص على أن تخرج غزة من الحرب بلا إنجاز واحد، ثم خنق البلد خنقًا كاملًا بعد الحرب، ليكملوا المهمة بالتجويع والقتل البطيء، وصارت غزة تنام على كابوس، لتستيقظ على أفظع منه، وهكذا تعاهدها بنو الجلدة بمعية العدوّ ورعايته، وتخطيطه على الأغلب، بحصارٍ لم تعرفه غزة أيام مبارك، وسوادٍ لم تجرّبه حتى أيام الاحتلال العسكريّ المباشر.

تعيشُ غزّة هذه الأوقات أقسى أيامها، وتعاني ركودًا على جميع الصعد، لم تعرفه منذ عقود، أكثر أموال غزة يأتي من الخارج، أكثرها رواتبُ السلطة الفلسطينية التي يسارع الرئيس عباس لقطعها أو تقليصها بين وقتٍ وآخر، وقليلٌ منها رواتب حماس وموظفي حكومتها المستقيلة، وهؤلاء يعانون منذ سنوات في تحصيلها، بسبب التآمر العربيّ وسياسية تجفيف المنابع، وملاحقة الداعمين محليًّا ودوليًّا، والبقية المتبقية هو ما تقدّمه وكالة الغوث، والتي قرر “ترمب” تقليصها وربما قطعها هذه الأيام.

لقد أصبحت غزة شبه خاليةٍ من النقود، فعليًّا لا تكاد تجد فيها تاجرًا يملك المال السائل، بل أكثرُ أموالها اليوم جامدة لا تقيم تجارة ولا تحيي سوقًا، ولا تنفع أحدًا، وكثيرٌ من بيوتها يعاني جوعًا فسيولوجيا لا نقصًا في الحاجيات الأساسية فحسب. يكادُ الناس ينسون الكهرباء، إذ لا تأتيهم إلا بالقدر الذي تذكرهم فيه بمأساة انقطاعها عنهم، وبحرهم الذي هو متنفسهم الوحيد لوثته المياه العادمة التي لم تجد فرصة للمعالجة بسبب انقطاع الكهرباء ونقص الوقود. هذه غزة القلعة الأخيرة، تلفظ أنفاسها حرفيًّا، بلا ضجيج هذه المرّة، تمنح نفسها للمحاصر النذل، فيأبى إلا مزيد حصارٍ وتنكيل، ولا تجدُ في هذا كلّه نصيرًا.

هذه صيحةٌ في وادي محبي فلسطين وحلفائها وأنصارها، إن كانوا صادقين، أن يفكروا في إسعاف غزة، وأن يبحثوا عن سبيل لفكّ حصارها، ولمدّها بالطاقة والحياة، وإنني لا أرى واجبًا أعظم على قيادة المقاومة من أن تبذل غاية الجهد في صناعة اختراق حقيقيّ يخفف عن أهل غزة، من خلال الحلفاء والأصدقاء ومن يدعون بفلسطين وصلًا، ولغزة حُبًّا ونصرة، وإلا فإنّ اليوم الذي تتحقق فيه أمنية رابين لغزة لم يعد بعيدًا، والله أعلم، وهو من وراء القصد.

إلى الأعلى