مدوّنات

الزمن الفلسطيني: بين الثورة والسلطة

كان الفلسطينيون في زمن الثورة يبدون استغرابًا شديدًا وعلانيًا لا يصدّقون كيف يُمكن لشعب ٍعربيّ أو غير عربي أن يقبل واقع البؤس والذل والهوان الذي تفرضه الأنظمة فلا يتمرد ولا يثور، كان لا يصدّق، في زمن مضى، كيف يمكن لأحزاب و حركات وقوى سياسيّة أن تقبل دور الكومبارس والمعارضة الشكلية الكرتونية، في بلادها، وتبرر سياسات الأنظمة والاجهزة التابعة والارتهان إلى القصر أو البيت الابيض، ثم وصلت القاطرة الفلسطينية إلى زمن آخر نقيض.

بعد انتفاضة شعبية كبرى 1987- 1993 وصلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى اتفاق أوسلو، انتقلت الحالة الوطنية الفلسطينية تدريجيًا، من زمن الثورة إلى زمن السلطة، من زمن العودة والتحرير إلى  زمن الدولة الوهمية، وهكذا وجد الشعب الفلسطيني نفسه  في الحفرة ذاتها التي وقع فيها أشقائه، يصرخ فلا يسمع إلا صدى صوته، تكويه سياط رأس المال والاحتلال معا وتوزعه الخوذات الأمريكية بين سجون العدو والسجون السلطة الفلسطينية وتدفع الكتلة الشعبية إلى صناديق الخوف .

ماذا حدث للفلسطيني؟

جرى تجريف ونهب مؤسساته وانجازاته وحقوقه كلها، تجريف ثورته، سرقة زمنه وفي عملية تدمير منهجي ومدروسة لمؤسساته الشعبية في الخارج وبالتوازي تبديد انجازات انتفاضته الشعبية الكبرى في الأرض المحتلة، جرى تجريده من كل أسلحته والسطو على كل اتحاداته النقابية والشعبية، مصادرتها حتى الرمق الأخير، وتكبيله بقيود الوهم وحبال السرك و الانتظار، تغير الطريق فتغيرت وجهة البوصلة وتغير الزمن الفلسطيني وتبدل دور السلاح فصار نقيض ذاته. إن الأخطر من كل هذا وذاك، هو نجاح معسكر العدو في تدجين العقل الفلسطيني، إطفاء نار تمرّده، حتى أضحت كلمة “ثورة ” اليوم تشبه حلم قديم فقده وخارج قاموسه اليومي وكأنها المستحيل!

لكنه عاش هذا الزمن من قبل، أكثر من مرة، لقد سبق وأن كانت أوضاع الشعب الفلسطيني، ما قبل الثورة المسلحة في منتصف الستينات، تشبه حاله اليوم إلى حد بعيد. فالسنوات الاولى من عقد الستينات في القرن المنصرم تشبه بالضبط هذا الزمن، فالظروف الراهنة متشابهة جدا الى حد التطابق.

وقبل ستة عقود تقريبا كان يستعد معسكر العدو الأمريكي – الصهيوني –  العربي الرجعي – لتصفية قضية فلسطين، في تلك  الفترة بالذات وفي سياق شروطها المركبة والصعبة كتب الشاب الفلسطيني غسان كنفاني رائعته الخالدة “رجال في الشمس” وسوف يقرر كنفاني  “خنق” رجاله الثلاثة، أرسلهم إلى حتفهم الدامي والبارد في صهريج وقود فارغ تحت الشمس، وهناك في الصحارى العربية سيتركهم للوحوش والضواري جثثا هامدة بلا حياة.. فهذا هو مصيركم أو.. الثورة.

واليوم، لم تعد وجهة الفلسطيني صحارى العرب بل صارت الهجرة إلى الشمال، فالفلسطيني تحمله قوارب الموت إلى أوروبا بعد أن استحالت مدن الملح والنفط على الفلسطينين وصارت هدفا ومنالا بعيدا .

فلا حاجة لقوة العمل الفلسطينية المحترفة والرخيصة في سوق عربي مشبع حد التخمة بالهزيمة والتبعية لمعسكر ترامب. هناك العمالة الأجنبية أيضا – الأسهل – وجيش لا ينتهي من العاطلين والمعطلين عن العمل. وصارت وجهة اللاجئ العربي إلى بلاد البرد والثلج، بعد أن دفعته إليها الحروب والصراعات الصغيرة القاتلة  بين العدم و العدم المضاد،  واليوم يبحث الشباب الفلسطيني عن ” المستقبل ”  اذا استطاعوا اليه سبيلا ..

لماذا يكون الإعدام إذن هو الحكم الذي أصدره غسان كنفاني على ثلاثة فقراء تعساء كل ما أرادوه هو الوصول إلى الكويت؟ لماذا قرر “قتل” أبطاله في نهاية روايته الخالدة رجال في الشمس؟ كل شئ ينتهي في تلك الرواية إلا السؤال الكبير الثقيل الذي ظل يتردد في الصحراء  :لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟  أراد أن يقول لنا الكاتب شيئا أخيرًا: أن هذا الواقع الفلسطيني ليس فيلما هنديا، فلا نهايات سعيدة في زمن فلسطيني يقوده المخصي المهزوم  والدليل الكاذب، لا طرق مضمونة وآمنة لمن يبحثوا عن خلاصهم الفردي ويتركوا مصيرهم في قبضة الوهم و” أبو الخيزران ” أو أبو مازن، لا فرق. إن الفردوس المفقود هناك، الوطن، والوصول إليه يشترط الصراخ والسلاح وعبور جسر الزمن إلى الضفة الأخرى، الثورة الجماعية، فلا حلول فردية لمسالة جماعية.

لو كان غسان كنفاني هنا و الآن  هل يكتب رواية عن “الرجال في البحر”  ويقدمها  “إلى باسل و رفاقه” باعتبارهم  الحل الوحيد أو ما تبقى لنا؟

ربما، ربما كتب أيضا مقالة سياسية عن استحالة تصفية قضية فلسطين لأنه سيكون قد سبق له وأن رأى صورة الفلسطيني حين يتمرد ويقلب المعادلات، وشاهد بأم عينيه كيف نبت الرجال والبنادق من الزرض في زمن مضى. أن الأرض تدور  والمواسم تاتي ولو تأخرت والنهر يفيض والأيام دول، وتلك المرأة، أم سعد، في وسعها دائما أن تحبل وتلد مرة أخرى الفدائيين.

طريق الخلاص هو طريق العبور إلى الزمن الآخر، تماما كما بشرنا غسان كنفاني، الثورة هي الحل والجواب، التحرير هو الهدف، ولا شئ آخر يمكنه استعادة أرض البرتقال الحزين والبيت السليب إلا الوعي والسلاح. هكذا ظل غسان كنفاني يبشر بالثورة إلى أن تحققت رؤيته، ولدت من خيام اللاجئين والبؤس في غزة ومخيمات اللجوء وأحزمة الريف الفقير ، فصدق حدسه وصدّق شعبه. فلما كذبناه نحن اليوم وصدقنا أبو الخيزران ؟ يا للعار ..

سيعبر الفلسطيني من زمن الى آخر، سيعبر حتما، حين يستعيد وعيه الثوري، البوصلة والهدف والطريق ويفهم جيدا درس الرجال في الشمس والبحر.. أيضا.

 

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى