تقارير وملفات خاصة

سامي الهريمي.. القامات التي لا نعرفها

فلسطين المحتلة- خاص قُدس الإخبارية: “انفجار عبوة ناسفة داخل حافلة قرب تل أبيب، أدى إلى إصابة خبير متفجرات بجروح وصفت بالطفيفة” كان الخبر يتصدر نشرات التلفاز، حين عاد سامي عمر الهريمي من دوامه الجامعي المفترض، قبل أن ينظر إلى الشاشة ويسأل والدَه غير مكترث “انمسكوا ولا لسى؟”.

فجر 26 كانون أول 2013، أي بعد العملية بأربعة أيام، لم يخطر لوالده حين خرج نجله الذي كان يبلغ من العمر حينها (20 عاماً) للسهر خارج المنزل مع رفيقه حمدي نجل الشهيد محمد شحادة التعمري بعد منتصف الليل، أن يكون طرفاً بالعملية التي أخذت أصداؤها تلوّح بتحقيق فشلٍ أمني للاحتلال في شارع “مفتسعي سيناي” بمدينة “بيت يام” قرب تل أبيب المحتلة.

بعد خروجه بساعتين، يروي عمر والد سامي لـِ “قدس الإخبارية” ليلة الاقتحام كيف تسلل صوت الانفجار إليه وهو نائم، ليستيقظ مستبقاً بقية أسرته ويتفاجأ بأكثر من 20 جندياً يتسربون من الباب، انهالوا عليه بالضرب حتى سقط لتتعاقب أعقاب البنادق على جسده، وركلات بالبساطير العسكرية أحدثت إحداها نزيفاً أسفل عينه، وضرب وتقييد الأم وشقيق سامي الأصغر نصرالله.

“أين سامي؟ ما علاقته بالعملية؟ في أي مخبأ يختبئ؟” في تلك اللحظة بدأ أبو سامي تحت أجواء من التحقيق الميداني استمر لـِخمس ساعات في كل ساعة تناوب عليه محقق بوابل من الأسئلة، بربط الأمور وفهم أن المقصود من وراء اقتحام شارع الصف في مدينة بيت لحم بأكثر من 40 ناقلة جندٍ عسكرية، وتحليق طائرات الاستطلاع “الزنانات” في أجواء المدينة في الأيام الأخيرة، كان “سامي ورفاقه”.

في صباح اليوم التالي بعد انسحاب القوات تبيّن أن سامي كان يراقب الاقتحام، في ركن من الحارة لم يستطع الاحتلال اكتشافه، “التقيت به وراء المنزل وطلب مني أن أساعده بتوفير سلاح، الأمر الذي لم أقدر عليه، ليعاود الاحتلال بعدها الاقتحام مرتين في ذات اليوم إلى أن نجح باعتقاله في منزل خاله، وأُفرج عني بعد أيامٍ من الشبح والاستجواب، وبقي نجلي في أقبية التحقيق” يقول والد سامي.

إنجازٌ وثغرات!

كانت المجموعة مكونة من 4 أشخاص، علاقة سامي كانت مباشرة مع حمدي أما بقية المجموعة فهم، “شحادة شقيق حمدي الأكبر، ويوسف أبو خشبة”.

في صباح يوم الأحد 22 كانون أول 2013، ذهب سامي إلى المكان المتفق عليه ليستخرج منه العبوة، وانطلق عبر فتحة في جدار بمنطقة الظاهرية جنوبي الخليل، حاملاً معه الحقيبة، متنقلاً عبر مركبة لسائق بدوي من مدينة رهط المحتلة كان يقل “عمال التهريب”، أوصله لـِ “تل أبيب”.

يروي أبو سامي أن نجله تنقل بين ثلاث حافلات لم يخترها كهدف لأنها كانت تقل مسنين وأطفالاً وإحداها كانت تقل عرباً، إلى أن وقع الاختيار على الحافلة الرابعة، حيث كان على متنها ضباطاً ورجال دين يهود، وقتها وضع سامي الحقيبة الملغومة بكل برود أسفل مقعد في الحافلة، ثم غادرها منسحباً إلى أن اتخذ سبيلاً ماراً عبر الحواجز العسكرية عائدًا إلى منزله.

انتبهت مسنة يهودية فور نزول سامي من متن الحافلة وهرعت إلى السائق فأخبرته بأمر العبوة، فأُوقفت الحافلة في منتصف الشارع وطلب السائق من الجميع الخروج منها، قبل أن يتم التفجير عن طريق الهاتف عن بُعد، الأمر الذي أدى إلى إصابة خبير متفجرات بشظية أسفل عينه بجروحٍ طفيفة.

وتبين فيما بعد، أن الشباب كانوا يخططون لعملية أخرى بعدها بأيام في منطقة “تل بيوت” فكانت عبوة أخرى قيد التجهيز، إلا أن سامي لم يأخذ بأمر كاميرات المراقبة فلم يتنكر أو يعمل حساباً لها، يضيف والده.

تم اعتقالهم بعد أربعة أيام، حيث حُقق معهم عسكرياً، كُسِر خلاله فك شحادة، وكتف حمدي، أما سامي فتعرض للتعذيب ولكن ليس بعمق تعذيبهما، وادعى الاحتلال فيما بعد أنه وجد في المكان الذي كان مخبأ فيه العبوات آثار دمٍ نزفها سامي أثناء استخراجها، دلّت عليه حين مطابقتها مع نتائج فحص “DNA” الخاصة به.

بالرغم من ذلك بقيت وسائل الإعلام الإسرائيلية تفصح عن فشل حكومته الأمني، وانبهاره ببرودة الأعصاب التي كان يتمتع بها سامي، وتخوفه من الظاهرة بحد ذاتها.

التفوق حليفه دومًا

سامي الذكي القوي المثابر الفتح، هكذا تصف أم سامي ولدها، يشهد على ذكائه رفاقه ومن علمه في المدرسة وشهاداته المدرسية والتقديرية في المسابقات التي كان يتصدرها من الأوائل على مستوى الوطن والمحافظة، فكان متفوقاً بكل مراحله باستثناء التوجيهي الذي تأثر فيه باعتقال رفيقه حمدي، فكان ناتجه في الفرع العلمي 76%.

بعد بحثٍ عبر “الإنترنت” استطاع سامي أن يحصل على منحة دراسية في روسيا بتخصص القانون، أنهى فيها عاماً ونصف العام حاصلاً على اللغة وبادئاً دراسته، ثم قرر الرجوع إلى الوطن حرصاً على مبادئه، وخشية على نفسه من المغريات، رغم إعجابه بالحياة التي عايشها لفترة.

وأضافت والدته، “استقر به المطاف بجامعة في مدينة بيت لحم اجتاز فيها عامين ونصف العام في تخصص القانون”.

كانت حمية سامي عالية ووطني من الطراز الأول، أبو سامي يصف نجله، في عطلة ما بين الفصلين فوجئ بقراره الذهاب إلى مطعم على شاطئ يافا للعمل 3 أشهر بحجة جني المال، ولم يدرِ حينها أنه كان يخطط مع رفاقه إلى أمرٍ تبين فيما بعد أنه عملية فدائية.

بعد العمل لمدة 3 أشهر، سافر سامي عائداً إلى روسيا للترفيه عن نفسه، مع إصراره خلال تخطيطه مع حمدي أن تكون العملية قبل السفر إلا أنه فيما بعد نزل عند رأي حمدي بأن تكون العملية بعد رجوعه من السفر، وبعد عودته بأقل من شهر كان قد نفذ العملية.

من الإفادات التي أطلعنا عليها، أبو سامي أنه تم توجيه السؤال لسامي “كنت مُنعَّماً وذهبت إلى روسيا وليس لديك شيء ناقص في حياتك، لست كأولاد محمد شحادة التعمري الذي استشهد، فما الذي دفعك لهذا؟! “، فكان رده أن هذه العملية كانت انتقاماً للشهيد محمد شحادة التعمري نفسه.

يقول والد سامي إن الاعترافات أُخذت تحت ظروف تعذيب قاسية، وفيما بعد رفعوا قضية واستخدموا هذا الأمر من أجل التخفيف من وطأة الحكم، فتم إبرام صفقة للتنازل عن القضايا مقابل أحكام أقل.

وحوكم سامي يوم 17 كانون ثاني من العام الجاري، بالسجن الفعلي لمدة 19 عاماً ونصف العام بتهمة المشاركة في تفجير عبوة ناسفة بحافلة “إسرائيلية” ما أدى الى إصابة خبير متفجرات، والانتماء لحركة الجهاد الاسلامي، حسب ما جاء في لائحة الاتهام.

يستدرك والد سامي قائلاً إنه رغم تجربته الجيدة في المقاومة والمجال الأمني وملاحقته من الاحتلال لمدة 8 سنوات بعد “انتفاضة الأقصى” عام 2000، إلا أن عاطفة الأب تغلب دومًا،  وأن عدم اعتقاله بعد الاقتحام الأول كان من أجل شرك نصبه الاحتلال لتتبع نجله عبر تحركاته والتواصل معه.

وبحسب أبو سامي، “فان مقربين جلسوا معي ممن كان له باع في النضال ونصحوني بأن أسلّمه للأجهزة الأمنية، فلمّا لحّ الأمر عرضت على سامي الأمر، ولكن جوابه كان واضحا “إما أن استشهد أو يتم اعتقالي قسرًا.. ما بسلّم نفسي للأجهزة الأمنية”، لافتاً إلى أن الأجهزة لم تبدي مبالاتها في هذا الأمر.

ورغم عمل والد سامي كضابطٍ في جهاز المخابرات، إلا أن علاقته مع رئيس الجهاز بدأت تأخذ منحى سلبياً بعد أن نفذ نجله العملية، فقد اعتبرها طعنة في الظهر، بحسب وصفه.

ويشير أبو سامي إلى أن ما من وفدٍ رسمي من المحافظة أو الأجهزة الأمنية، آزره ولو بزيارة على ما حصل بحقه وحق نجله من قِبَل الاحتلال.

رفقة الزنزانة

في إحدى زياراتي لسامي تم اعتقالي أثناء محاولتي تهريب هاتف محمول حيث تم حكمي بسنة ونصف، بالإضافة إلى 15 ألف شيقل غرامة،.

وأوضح، “شاركنا انا ونجلي بـ”إضراب الكرامة” لمدة 42 يوماً في سجن نفحة، تقاسمنا أجمل المواقف والأيام، ما أن أعلنا الإضراب تم نقلنا إلى قسم (1) المعزول عن بقية السجن 800 متراً مع 70 أسيراً آخرين، أعدنا حساباتنا مع ربنا وتقييمنا للبشر، كان سامي ينام بجانبي”.

ويصف أبو سامي أن أسوأ لحظة في حياته كانت بتناقضها المميت، لحظة حريته وفراقه لنجله.

ليلة موعد الإفراج عن أبي سامي بقيا سهرانين معاً حتى الخامسة فجراً، ليستفيق بعد ساعتين على هزات نجله يقول له: “قم خذلك دوش واحلق لحيتك” وقام بإلباسه ومساعدته في توضيب أغراضه.

جلست وقتها في حافلة الانتظار ساعة ونصف الساعة وحيداً، أبكي خلالها مودعاً سامي، أتلمسه وأكلمه، نعم كلمته كثيراً، كان جالساً بقربي كخيال أرفض فراقه، يصف أبو سامي.

تعلمت من سامي الكثير، كان صبوراً قوياً، تفاجأت بنمو ثقافته السريع، أبو سامي مكملاً، كان يحفظ أبياتاً من الشعر، ومأثورات عن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، صنع لنفسه مكتبة في السجن ويُدرس اللغة الروسية والعبرية وبعض الدورات الأخرى، وكان حليماً يؤمن بالحرية.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى