مدوّنات

الخيــــــــط!

1.
إليكم هذا الخبر
صبيحة اليوم، أعلن جيش الإحتلال عن مواصلة نشر جنود الكتيبة 74 التابعة للواء المدفعي 188 في الضفة الغربية بدلا من إعادة الكتيبة إلى موضعها الأصلي، المتأهب، على حدود لبنان.
هنالك شاب اسمه عبد الكريم عاصي، كبر في حيفا، أبوه من نابلس، وعاش في يافا. تطارده هذه الكتيبة، وسيصدر يوم غد، في اجتماع التقييم الأمني بين قيادة الجيش الإسرائيلي ووزير الحرب، ليبرمان، قرار يفصل إذا ما كان على هذه الكتيبة البقاء تحت مطر الحجارة في نابلس، أم العودة إلى جبهة أخرى على حدود شمال فلسطين.

2.
كان عمر عاصي سبعة سنوات حين اندلعت حرب تموز 2006. أغلب الظن أنه كان لا يزال يعيش في حيفا، حين زار وفد رسمي لبناني، وفد مبعوث بإرادة شعبية، المجال الجوي لفلسطين، وحطّ في حيفا لكي يقبل ترابها، وليقبّل، في الواقع، النطاق الذي ما بعد بعد حيفا أيضا، من دون أن تضطر الظروف الدولية هذا الوفد إلى ممارسة التطبيع (موجّه أيضا إلى زياد دويري وجميع المطبّعين الذين يقولون بأن الزيارات تفرح قلب السجين. حسنا.. بعض الزيارات تفرح قلب السجين حقا. ضعوا بعض النار في مؤخراتكم وانطلقوا إلينا، وسنستقبلكم مهللين، باعتباركم قنابل بيولوجية تطفح بالروث)

ما لا يعلمه عبد الكريم عاصي اليوم، هو أن الكتيبة التي احتلّت في حرب تموز 2006 قرية راس البياضة في جنوبي لبنان حين كان عمره سبعة أعوام فحسب، ويستمع إلى صفارات الإنذار تعزف نشيدا وطنيّا في سماء مدينته، حيفا، تتفرغ اليوم بالكامل لمطاردته. وأن شعبا كاملا ينهض إلى الشوارع في الليل ويسد بلحمه في مداخل نابلس الطريق أمام الآليات العسكرية، دفاعا عنه.

3.
البعض المتردّد. المتردي، من نطائح الأسرلة في يافا يقولون بأن عبد ليس يافيّا. مدّعين أنه قد كبر في حيفا، ونظرا لكون والده نابلسيا. وبذا فهم ينفضون عن أنفسهم مسؤولية انتساب الشاب إليهم. ويحمون إسرائيليتهم من هذا الخيط الوهّاج الذي يعيد لملمة مواقع أربعة : حيفا، يافا، نابلس، ورأس البياضة.
هؤلاء الناعقين، بالمناسبة، سمعناهم أيضا حين قام نشأت ملحم بعملية التخييط الشهيرة التي نفذها: لقد خيّط من جديد وادي عارة بفلسطين. وخيّط أشياء أخرى، شاهدناها على الشاشات.
خيّط أحمد نصر جرّار أيضا جنين بهامش منسي، متروك لاعتداءات مستوطني حفات غلعاد، هامش يمثله رعاة الأغنام الفلسطينيين االمعتدى عليهم من من قرى قد لا نسمع باسمها، كـ “فرعتا” أو “جت”، والأطفال الذين تقض نومهم الهجمات الليلية، وأعاد إلى الواجهة مسألة الاستيطان لا باعتبارها قضية سياسية تتمثل في مبان جديدة تحتل أرضا موشومة بالزعتر: بل باعتبار الاستيطان أداة اعتداء مشهرة في وجه الوجود الفلسطيني البسيط، أداة لسفك الدم. هكذا إذا يواصل الخيط عمله: فمن انتقم لأهل فرعتا من هجمات المستوطنين، أعاد ربط القضية بأصحابها: لستم منفردين وحدكم في المواجهة: شكاواكم للشرطة الإسرائيلية ولمكتب الارتباط والتنسيق، ولمحكمة العدل العليا الإسرائيلية، مركونة على الأرفف المغبرة. وحده أحمد النصر تعامل مع هذه الشكاوى كما ينبغي بجهة مسؤولة التعامل معها. “وا معتصماه” واحدة، وينتهي الأمر.

4.
تعمل بلدية رام الله، وكنيست إسرائيل، والرباعية الدولية، وخبير لايكات الفيسبوك العسكري (الشهير بإسم الدلع: المنسق) على أمر واحد: فتق هذه الصلة بين الفلسطينيين. مجلس الكابينت أعلن رسميا عن هذه السياسة في 2007 حين أطلق سياسة “المفاضلة” بين سكان غزة والضفة الغربية. من وقّع على أوسلو في 1993 وقّع رسميا على نزع فلسطينيي 48 من النسيج الوطني الفلسطيني. وفي هذا الوقت، وبينما يراجع رئيس بلدية رام الله آخر خطاباته التي تتحدث عن رغبتنا جميعا بالسلام مع إسرائيل. يعمل خيط واحد وهّاج على إعادة رتق ما فصلته التغيرات السياسية الكبرى، بالعمل اليومي والدؤوب. جنازة باسل الأعرج مثلا، الذي ستحل ذكرى استشهاده بعد شهر، ووحدت، في شوارع الولجة فلسطين كلّها في الجنازة. أعادت صب كل هذه المكونات المفتوقة في كتلة واحدة هادرة تهتف لفلسطين، اسمها فلسطين، ومن جانبها ظهر الحاجز العسكري الذي يفصل ما بين الولجة والقدس ضئيلا وهزيلا وغير علائقي. هذا الخيط لم يدخل الأرض حين دفنّا باسل، إلا لينبثق من تحت الأرض في وادي برقين، وها هو يحطّ من السماء نحو نابلس.
هكذا نخيّط: ندفن ونصعد. ثم ندفن ونصعد. هكذا نعيد صهر الشعب موحّدا: الحواجز العسكرية ليست سوى غبار.التنسيق الأمني وأدواته ليسوا سوى لطخة. الدم الذي يتغلغل في تراب اليامون قادر وحده على إلصاق التراب بالتراب.
هذا هو دأب الخيط.

5.
في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي، يعزو محللو الشؤون العربية (نماذج معبرنة عن الدكتور القدير ناصر اللحام) دوافع منفذي عمليات الطعن إلى اليأس، وإلى الطمع في سبع وسبعين حوريّة في الجنة.
وأنا أسأل نفسي حقا: إن كنتُ قد تسببت في إلغاء إجازة كتيبة كاملة، في قض نوم المستوطنين في كامل شمال الضفة، في إشغال جدول أعمال وزير دفاع وقائد جيش أكبر جيش في الشرق الأوسط، رابع جيش في العالم، في ردع حفات غلعاد. فما حاجتي ، أصلا، إلى سبعين حوريّة؟

إلى الأعلى