تقارير وملفات خاصة

آثار سلفيت المهملة يترصد بها الاحتلال واللصوص

سلفيت – خاص قدس الإخبارية: لأن الاحتلال يحمل اسمه معه، ويتخذ من قوة السلاح بجانب الاستيطان منهجاً له، وهو في جوهره يسطو على ثقافة الشعب الرازح تحت نيره، بهدف طمس التاريخ وبعثرة ملامح الهوية الوطنية، وإحلال “الأسرلة” بدلاً منها، كان لابد أن تتعرض محافظة سلفيت إلى هجمة شرسة تستهدف معالمها الأثرية، وما بين احتلالٍ وجهلٍ ولصوصٍ ومنقبين تعاني هذه المعالم الأمرّين عبر سنوات الاحتلال الاسرائيلي لها منذ عام 1967 وحتى اليوم.

تزخر محافظة سلفيت بمئات المعالم الأثرية، التي تتنوع ما بينِ أحياء قديمة، وخِربٍ وعِزَب، ومقاماتٍ، وهو ما جعلها صيداً ثميناً بالنسبة للصوص والعابثين إلى جانب الاحتلال، وتشير إحصائية حصلت عليها “قدس الإخبارية” أن عدد المواقع الأثرية في المحافظة يبلغ نحو 140 موقعا، تعود لحضاراتٍ متعاقبةٍ وأزمنةٍ مختلفة، كالآشورية والرومانية والإسلامية والصليبية، فيما تضم أراضي المحافظة 32 مقاماً وقبراً أثرياً، استهدف العابثون ولصوص الآثار غالبيتها.

الزحف الاستيطاني

يضرب الاحتلال الإسرائيلي بعرض الحائط  كافة المواثيق  والأعراف الدولية  الخاصة بالآثار، خاصة اتفاقية اليونسكو، واتفاقية لاهاي عام 1954م، التي رفض التوقيع عليها، ولذا فإنه يستهدف المعالم الأثرية في سلفيت بطرقٍ وأساليب متعددة.

يقول الباحث في شؤون الآثار بالمنطقة أحمد دعاس أن الزحف الاستيطاني هو أحد الأساليب الرئيسة في القضاء على المعالم الأثرية وتدميرها التدريجي، موضحاً أن مفهوم الاستيطان يتشعب إلى عدة أشكال، منها: إغلاق المناطق الأثرية أو التضييق عليها بحجة توسعة المستوطنات أو لقربها منها تارةً، ومصادرة الأراضي القريبة من الآثار يجعل الأخيرة تلقائياً مناطق خطرة، بينما عزل جدار الفصل العنصري العشراتِ من المعالم الأثرية، مثل خربة كسفة غرب بلدة دير بلوط، إضافةٍ لمجموعة من المقامات الإسلامية.

من جانبه، يرى دعاس أن وقوع 90% من المعالم الأثرية في المناطق المصنفة “ج” وفق اتفاق أوسلو، جعل الاحتلال يمنع ترميم غالبية المعالم الأثرية، وذلك نظراً لوجود مواقعها الجغرافية بمحاذاة المستوطنات أو المواقع الإسرائيلية، ويلخّص دعاس أهداف الاحتلال من التضييق على المعالم الأثرية واستهدافها، بأن “الاحتلال يستهدف الموروث والتاريخ الحضاري لسلفيت، وجزء كبير من المعالم يريد طمسها، ثم تهويدها”.

ويشير دعاس إلى أن المنطقة الغربية من محافظة سلفيت تضم مجموعة واسعة من المعالم الأثرية التي يستهدفها الاستيطان بطرقٍ متنوعة، إما عن طريق توسعة المستوطنات، وإغلاق الطرق المحيطة لعزل هذه المعالم، أو عبر سرقة المستوطنين ولصوص الآثار وتجارها لبعض الشواهد والقطع الأثرية من هذه المعالم.

في ذات السياق، يوضح دعاس أن المستوطنين يكثرون التجوال في الأماكن الأثرية، المصنّفة ضمن مناطق “ج” وخاصة تلك الواقعة على أطراف التجمعات الفلسطينية أو القريبة من المستوطنات، بهدف إرهاب الفلسطينيين ومنعهم من التفكير بالتوجه إليها.

نماذج قرصنة وتضييق

رغم صعوبة حصر المعالم الأثرية التي يستهدفها الاحتلال بشكل مباشر، إلا أن أبرز النماذج على هذا الاستهداف في المنطقة الغربية من محافظة سلفيت، خربتي دير سمعان قرب بلدتي دير بلوط وكفر الديك، وخربة قرقش قرب بلدة بروقين، حيث يؤكد الناشط الشبابي داود عبد الله، أن مستوطنة “ليشم” تزحف على أراضي الخربة الأولى بعد أن حاصرتها مستوطنتيْ “عاليه زهاف”، و “بدوئيل” من كافة الجهات، ولا يمكن للفلسطينيين الوصول إلى أراضي دير سمعان إلا من خلال طريقٍ جنوبي شقه المستوطنون، أما على صعيد خربة قرقش فإن مستوطنة “بركان الصناعية” تقترب رويداً رويداً منها، ولا تبعد مستوطنة “أريئيل”عنها سوى أمتار قليلة.

خربة الشجرة شمال مدينة سلفيت مثالٌ آخر، للخِرَب التي تعرضت للحفر والنبش على أيدي مستوطنين بحماية جنود الاحتلال قبل نحو عامين، وهي تعود للحقبة البيزنطية والعصور الإسلامية، وتحوي بداخلها طرقاً وكهوفاً وآباراً قديمة.

وبالانتقال من المنطقة الغربية، إلى الجهة المقابلة منها فالمنطقتيْن الشمالية والشمالية الغربية من محافظة سلفيت ليستا بأفضل حالٍ، حيث يقول رئيس بلدية دير إستيا سعيد زيدان: “تُعد مناطق وادي قانا وكافة الخِرَب الأثرية المحيطة به، ومقامات بلدة كفل حارس المجاورة، أبرز الأمثلة لتأثير الاستيطان على المعالم الأثرية في شمال غرب المحافظة”، ويشير زيدان إلى أن عدداً من الخِرَب الأثرية القديمة، والعِزَب العتيقة التي كان يقطنها المزارعون قبل الاحتلال مستهدفة، إما من خلال وجود بعضها في وادي قانا ومحيطه ضمن المناطق المصنعة “ج”، أو وجود البعض الآخر قرب المستوطنات الإسرائيلية.

ويذكر زيدان لـ قدس الإخبارية من المعالم الأثرية المستهدفة في ذات المنطقة “مقامات كفل حارس الدينية الأثرية، والتي يقتحمها المستوطنون بشكل دوري، بحراسة قوات الاحتلال ليلاً، إضافة لخربة شحادة التي تقع على الطريق الواصل بين بلدتي ديرإستيا وقراوة بني حسان، حيث يحاول الاحتلال بين الفترة والأخرى استحداث بؤرة استيطانية قربها، ويفرض إغلاقا على الخربة، لمنع دخول المواطنين إليها”.

العابثون واللصوص

ليس الاحتلال وحده من يتحمل مسؤولية تشويه المعالم الأثرية والاعتداء عليها أو سرقتها، ثمة جوانب نخشى سردها أو نهملها، ومنها عامل الجهل من جهة، وانتشار العابثين ولصوص الآثار، وفي هذا الصدد يشير مدير دائرة السياحة والآثار في سلفيت منتصر موسى إلى أن مناطق متفرقة من المحافظة شهدّت خلال شهرٍ واحد فقط عام 2016 سلسلةً متتالية من عمليات حفر المقامات الإسلامية والقبور القديمة والاعتداء عليها، موضحاً أن السلسلة بدأت في كانون الأول بقبر “إستيا” الموجود داخل فناء المسجد الغربي ببلدة ديراستيا، ثم انتقلت لمقاماتٍ أخرى مثل: مقاميْ عمرو بن العاص على أطراف بلدة قراوة، وأبو عبد الله في قرية حارس.

ويضيف موسى لـ قدس الإخبارية: “هؤلاء العابثون المعتدون على القبور والمقامات يحركهم دافع السعي خلف الثراء السريع، ومنهم من هو مستعدٌ على أن يُكمل الحفر مجدداً حتى لو لم يعثر على شيء في أكثر من مرة، إضافة لوجود شائعاتٍ سرت قبل نحو عامين من عمليات الحفر، بالعثور على كميات من الذهب في إحدى مناطق المحافظة”.

أما على صعيد الجهل أو اللامسؤولية، فينوّه مدير السياحة والآثار إلى بعض الممارسات الخاطئة التي ينفذها مواطنون وتلحق أضرراً بالمعالم الأثرية، مثل: البناء العمراني الجديد الذي بدأ يزحف على كثير من المناطق الأثرية أو الحفريات غير القانونية، إضافة لتشويه جمالية هذه الأماكن وجدرانها.

تجربة المسارات

بدأت محافظة سلفيت بالتنسيق مع مديرية السياحة والآثار وبإشراف وزارة السياحة ببلورة فكرة المسارات قبل أعوام، وانطلقت المسارات فعلياً حتى ازداد الإقبال عليها من الناس، وعن تجربة المسارات يتحدث الناشط الشبابي داود عبد الله لـ قدس الإخبارية: “نظمنا كصفحة “دير بلوط تجمعنا“، بالتعاون مع الجهات الرسمية ذات العلاقة بموضوع السياحة عدة مسارات في المناطق الغربية لسلفيت، منها: مسارٌ بأماكن متعددة، بدأ يومه الأول في دير بلوط بطول 18 كيلو متراً، وشارك فيه نحو 150 مواطناً من مناطق مختلفة في الضفة الغربية والداخل المحتل عام48، وكذلك هناك مسارات أخرى كانت إلى بلدة رافات وبيوتها القديمة، وإجمالا نُركز على المنطقة الغربية نظرا لغناها بالمعالم الأثرية من جهة، ولتعرضها المستمر للاستيطان من جهة أخرى”.

ويوضح عبد الله أن الهدف من المسارات هو الاستمتاع بجمال الطبيعة الفلسطينية خلال فصل الربيع خاصة، إضافةً للتعريف بالمعالم الأثرية القديمة في محافظة سلفيت، وجذب الزوار إليها دورياً، وبالتالي هذا يصب في تعزيز الوجود الفلسطيني داخل هذه المناطق القديمة، والتي يستهدف الاحتلال غالبيتها.

من دير بلوط إلى وادي قانا لم تكن فكرة المسارات غائبة عن بلدة ديرإستيا، حيث يشير عضو بلدية ديراستيا نظمي سلمان إلى أن لفصليْ الصيف والربيع رونقا خاصا في البلدة، حيث تجذب البلدة القديمة فيها وكذلك وادي قانا آلاف الفلسطينيين على امتداد الفصليْن، ويضيف سلمان لـ قدس الإخبارية: “منذ الآن بدأ يتواجد مئات الفلسطينيين من مختلف المناطق في وادي قانا خلال عطلة نهاية الأسبوع، وهؤلاء يتواجدون إما بمساراتٍ وجولاتٍ رسمية أو مجموعات شبابية تُنظم نفسها لهذا الغرض، أو عائلاتٍ تريد قضاء وقتٍ ممتع في أحضان الطبيعة الخلابة”.

ويتابع سلمان: “هناك جهود شبابية سابقة لا يمكن اغفالها بخصوص المسارات، ونتمنى تحسينها للأفضل، وبلدة ديرإستيا ترحب بكافة الزائرين، والمسار المُفضّل المعتمد لأي رحلة يستهدف البلدة القديمة ذات التاريخ العريق ثم وادي قانا مشياً على الأقدام، وهناك مسارات وطرق أخرى تمر بمعالم أثرية في بلدة ديرإستيا وما حولها من البلدات المجاورة”.

من جهته، يبيّن مدير السياحة والآثار في سلفيت أن المسارات تهدف للتعرف على المواقع الأثرية، والتمتع بسحر الطبيعة المحيطة بها، إضافةً لظهور نوعٍ من المسارات “البيئية” التي تهدف للتجوال في الطبيعة بقصد التعرف على التضاريس المميزة والنباتات البرّية، وأيضا تهدف المسارات ككلٍ لتعزيز صمود المواطنين في المناطق القريبة والمصنفة “ج”، وتأتي ضمن خطة رسمية أطلقتها المحافظة بالتعاون مع مديرية السياحة.

أما على صعيد التساؤلات حول مستوى الاهتمام الرسمي بالمعالم الأثرية، فيعقّب موسى:”نحرص على التنسيق مع المسارات الرسمية المختلفة، لترويج المعالم الأثرية في سلفيت، بهدف استقطاب الجمهور من شتى المحافظات، ويأتي ذلك كخطوةٍ بديلة عن حظر الاحتلال العمل في المعالم الأثرية لوقوع غالبيتها في تصنيف “C”، ونبذل جهدنا ما بين فترة وأخرى لتسيير رحلات لطلبة المدارس والجامعات للمناطق غير الخطرة نسبياً، لكن مع اتخاذ كافة احتياطات الطوارئ والسلامة قدر الامكان”.

ويؤكد موسى أن مديرية السياحة تبذل كل ما تستطيع من جهد على صعيد صون الموروث الأثري، لكن الوزارة تعاني من نقص الموارد البشرية والمالية، نظراً للظروف العامة التي تمر بها فلسطين، فيما يشدّد موسى على دور المديرية في رصد انتهاكات الاحتلال بحق المعالم الأثرية وتوثيقها لرفعها لمنظمة “اليونسكو” بعد انضمام فلسطين لعضويتها.

وعن إمكانية تنفيذ مشاريع الترميم يتحدث موسى:”إن الجهات المانحة لها نظام خاص وشروط ومعايير هي تختارها، وأيضاً خطة للترميم، حيث تعمل وفق الحقب الزمنية وتختار مواقع الترميم بشكل يلائم مشاريع قسم الآثار بجامعات دُوَلِها، وبذلك تكون هذه المشاريع غير دائمة”.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى