تقارير وملفات خاصة

شارع الزهراء: مقاومة التهويد وشهادة المناضلين

القدس المحتلة- خاص قُدس الإخبارية: تغزل الشوارع في القدس خيوطاً تميّز محيط طريقها، فلكلٍ منها قصته، وتاريخه، وحجارته التي باركتها السماء لتكون جزءاً من المدينة المقدّسة. فمن المصرارة، مروراً بشارع السلطان سليمان، ومنه إلى شارع صلاح الدين، وابن بطوطة، وصولاً إلى بُعد 300 مترٍ عن سور القدس الشمالي وبموازاته، حيث نرى شارعاً يخترق سهل الساهرة من الغرب إلى الشرق.

سميّ هذا الشارع عام 1956 -أي أثناء العدوان الثلاثي على مصر- بـ”شارع بورسعيد” تخليداً لبطولاتها، ثم أعادت الحكومة الأردنية عام 1959 إعادته لاسمه الأصلي، “شارع الزهراء“. ويقال إن الانجليز أطلقوا اسم الزهراء على الشارع بسبب وجود “قصر الزهراء” فيه، وهو الاسم الذي أطلقه “آل الدقاق” على بيتهم.

الكاتب عزام أبو السعود وثّق تاريخ هذا الشارع في كتاب “عتبات شارع الزهراء”، فقال إن “التاريخ المكتوب لا يقل أهمية عن التاريخ الشفوي، لأنه مرجع أساسي، ونجد في غرب القدس كتبًا باللغة العبرية تحتوي على معلومات أكثر من الكتب العربية، فهي توثّق المباني والمؤسسات والبيوت وسكانها بعد 1948، وهنا تكمن أهمية هذا الكتاب”.

إن أول بيت موثّق في هذا الشارع هو مبنى الشيخ الخليلي، بجانب حديقة روكفلر “كرم الخليلي”، انتهى بناؤه عام 1711م، ويستعمل الآن كمكاتب ومخزن لمتحف روكفلر. والشيخ الخليلي هو عالم فقه، ومفتي، وقدرت مكتبته بنحو 7 آلاف مجلد، كما أن له أملاكاً ضخمة جداً، فإلى جانب أملاكه في القدس، لديه أيضاً في الخليل وبيت لحم وأريحا وغيرهم، كما يوجد في ساحات المسجد الأقصى قبةً تحمل اسمه.

في شارع الزهراء سكن أيضاً فريد الحسيني، تحديداً في منزل آل قليبو، الذي خرجت منه جنازة حاشدة لأخيه قائد قوات الجهاد المقدس، الشهيد عبد القادر الحسيني، بعد استشهاده عام 1948م، في معركة القسطل، وهو الآن مركز ثقافي تركي.

كانت جنازة عبد القادر الحسيني عظيمة مهيبة، تحدثت عنها الصحف العالمية، ووصفتها صحيفة فلسطين في عددها الصادر في اليوم التالي العاشر من نيسان عام 1948، بقولها إن “الأمة التي افتداها عبد القادر الحسيني بدمه، مشت أمس تستودعه الله في موكبه”.

شارك في الجنازة 50 ألف مشيعاً من الوجهاء والشيوخ والرجال والنساء والأطفال، ساروا من شارع الزهراء حتى البلدة القديمة، ليصلّوا عليه في المسجد الأقصى المبارك، حيث أطلقت المدافع في القدسِ تحية للشهيد، نعاه المؤذنون في المآذن، وقرعت أجراسُ المعابد حزناً عليه.

مبانٍ وتاريخ

من الشرق يلتقي بشارع الرشيد، ومن الشمال الغربي يلتقي بشارع صلاح الدين، هنا تماماً، عند نقطة التقائه مع شارع صلاح الدين تجد مبنىً يعود لحقبة العشرينات من القرن الماضي، مبنى “معهد أولبرايت للدراسات الأثرية”، وهو معهد أمريكي للكشف عن آثار فلسطين.

إلى جانبه، مع أصوات أقدام طلاب المدارس في المنطقة، سترى مجموعة محلات تجارية تغطي منزل عائلة معتوق، سكن في هذا المنزل موسى كاظم باشا الحسيني، والد عبد القادر الحسيني، الذي تولى رئاسة بلدية القدس في بداية الانتداب البريطاني، ثم تركها، وشارك في العديد من المظاهرات، من أشهرها مظاهرة ضد الانتداب البريطاني أمام باب الجديد، ومظاهرة أُخرى في يافا، قيل إن وفاته كانت إثر تعرضه للضرب فيها.

وإذا ما تتبعت رائحة الفلافل، ستجدها تقودك الى الرصيف المقابل تماماً على منحنى الطريق، هذه عمارة الترهي، التي تتكون من عدة محلات تجارية في الجزء الأول منها، وهو يقع معظمه في شارع صلاح الدين، بالإضافة إلى “ثمانية غرف مكاتب” استولت عليها حكومة الاحتلال الإسرائيلي لفترة، بحجة أنها وصلتها من الحكومة الأردنية حيث شغلتها مؤسسة الإقراض الزراعي الأردنية حينها، لكن العائلة استطاعت استعادتها قضائياً، وإخلاء الاسرائيليين منها.

وعندما تلتفت إلى الخلف، لن تغفل عينك عن رؤية الفندق الوطني، الذي تأسس في منتصف القرن الماضي، بدءاً ببضع غرف قبل أن يتوسع، ويشتهر بمطعميه الأرضي والروف، وكانت الغرفة (311) فيه محجوزة دائماً للملك حسين (ملك الاردن) عند حضوره أيام الجمعة.

سيشرد عقلك قليلاً، لتتذكر كيف كانت النكبة محطة مفصلية في تاريخ هذا الشارع، فبعد أن كان شارعاً سكنياً، اضطر سكان القدس لاستحداث منطقة تجارية، وبناء محلات تجارية أمام بيوتهم، لسوء الوضع الاقتصادي.

لكن بعد الانتفاضة الأولى عام 1987، فقد الشارع بريقه نتيجة الاضرابات المتكررة، فضعفت السياحة، وزاد الضغط الضريبي على التجار، وما زاد الأمر سوءاً كان إغلاق سينما القدس، وما أن بدأ الشارع باستعادة نشاطه في أوائل التسعينات، حتى عادت أحداث انتفاضة النفق والانتفاضة الثانية، مما أعاد الشارع إلى وضع اقتصادي سيء، وأصبحت المؤسسات الثقافية فيه هي الأمل الوحيد.

سنكمل جولتنا بين هذه المؤسسات الثقافية، ونبدأ بشركة سينما القدس حين تأسست عام 1952م، بعد دعوة روحي الخطيب، أمين القدس حينها، لبعض المدخرين في القدس على المساهمة في الشركة، وشراء قطعة الأرض من ورثة فؤاد الدجاني بالشراكة مع عائلة بركات.

كان الاتفاق حينها، أن يكون اسمها سينما “دنيا”، لأنهم أرادوا تصميمها مشابهاً لسينما “دنيا” في بيروت، لكن بعد الانتهاء من البناء وتشغيل السينما عام 1956، قرر مجلس الإدارة أن يكون اسمها “سينما القدس”.

استمرت السينما بعرض مختلف أنواع الأفلام التجارية، العربية والأجنبية، التي تتناول مواضيع اجتماعية ودينية، حتى عام 1989. وقد حاول فيصل الحسيني تطويرها، كما حاول من بعده بيت الشرق الحصول على منحة لتطويرها بعد استئجارها، وأخيراً، تم تأجيرها لمؤسسة “يبوس” الثقافية، التي عملت على ترميم المبنى ليصبح مركزاً ثقافياً للمدينة، نظراً لأهمية دور الثقافة في مواجهة محاولات الاحتلال المستمرة للتهويد وسلب الهوية.

يطل على السينما من مكان ليس ببعيد، “حوش الفن الفلسطيني”، الذي كان منزل عائلة يونس الحسيني سابقاً. كلمة “حوش”-بضم الحاء وتفخيم الواو وتسكينها- باللهجة الفلسطينية تعني ساحة وفِناء، و”حوش الفن” هو مؤسسة فنية متخصصة بالفنون البصرية تأسست عام 2004، يعرض فيه الفنانون أعمالهم لفئات المجتمع المختلفة، لتتعرف عليها، وتكسر الحواجز بينها.

يتربع إلى جانبه بين الأشجار، معهد “ادوارد سعيد” الوطني للموسيقى، الذي تأسس بهدف ربط المواهب المقدسية الموسيقية بمدرسة مركزية، سميت “المعهد الوطني للموسيقى”، وتم تعديلها فيما بعد تقديراً للإسهامات الفكرية والثقافية التي قدمها ادوارد سعيد، افتتح عام 1996 في مقر “جمعية الشابات المسيحية YWCA” ثم انتقل إلى فندق الريجنت شارع الزهراء، ومنه إلى مقرّه الحالي (مبنى الشهابي التاريخي) عام 2012.

وبالعودة إلى تاريخ هذا المبنى، نجد أن أهم من سكنه كانت السيدة زليخة الشهابي، وهي مناضلة فلسطينية، كانت أول من شكّل اتحاداً نسائياً فلسطينياً لمناهضة الانتداب البريطاني، وشاركت في مظاهرة 1929، ومقابلة المندوب السامي بعد ثورة البراق، كما مثلت فلسطين في اجتماع نساء العرب في القاهرة.

وبعد وفاتها عام 1992 سُرق من المنزل بلاطه القديم، والمغسلة الفنية الأثرية التي تم استعادتها. وبعد صراع على ملكيته تم الاتفاق بين الورثة وسامي ابو دية الذي أصبح شريكهم بعد شرائه حصصاً منهم، بتأجير المبنى لمعهد ادوارد سعيد، بينما تتبرع العائلة بحصتها من الإيجار لمؤسسة التعاون.

كان شارع الزهراء الذي نمشي فيه ونراه يعج بالمتسوقين والطلاب والسياح، طريقاً ترابياً حتى مابعد الحرب العالمية الأولى، حيث تم تعبيده بعد انتقال المندوب السامي عام 1927 للسكن في منزل عائلة الدقاق هناك “قصر الزهراء”، بعد أن تعرض مقره “قصر اوغستا فكتوريا” لبعض الدمار نتيجة الزلزال الذي ضرب المنطقة في ذلك العام.

نستطيع أن نتخيل أمام هذا المنزل كيف كانت تجمعات أول مظاهرة نسائية في فلسطين في تشرين الأول من عام 1929، حيث توزعت (300) سيدة من أنحاء فلسطين، على 100 سيارة، جئن للاجتماع مع المندوب السامي وحرمه.

كما امتاز الشارع قديماً بالحياة الليلية، فكان مقهى “فيلادلفيا” ملكاً لضابط يهودي كردي، وكان على طرف الشارع مقهى آخر هوجم كثيراً بالحجارة والقنابل والزجاجات الحارقة، وهو ملك ليهودي أيضاً، كما كان في الشارع ملهى ليلي ثالث مالكه عربي، ومع وجود سينما القدس كان الشارع لا يهدأ قبل منتصف الليل.

“لم يعد الشارع كما كان سابقاً!” قال زياد الحموري، وهو عضو سابق في الغرفة التجارية، وأضاف “لو عدنا إلى الشارع بعد خمسة سنوات لن نجده على نفس الحال، من الصعب أن تجد هنا محلاً قائماً منذ 50 عاماً مثلاً”.

كان الحموري يملك محلين تجاريين في هذا الشارع حتى العام 1997، ولكن الضرائب المتراكمة كانت حجة جيدة لسلطات الاحتلال لملاحقته والسيطرة على أملاكه، مما دفعه لترك التجارة وتأسيس مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وأضاف، “قبل الحرب كان للشارع مكانة مرموقة، لوجود وكالتين للسيارات، ومقاهٍ بمستوى جيد، وشركات سياحة، كما كان الفندق الوطني بمثابة مركز للحركة الوطنية”، متابعًا “لا شيء في القدس يتغير نحو الأفضل، المباني كما هي، الحجارة على حالها، والشارع لم يرمم، المشكلات وحدها هي التي تكبر”.

يعاني شارع الزهراء ككل بقعة في القدس من محاولات التهويد الممنهجة، يتجسد ذلك بافتتاح أفرع لشركات تجارية اسرائيلية في الشارع بهدف توسيع نطاق خطة الأسرلة، وتشويه المعالم الفلسطينية فيها.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى