تقارير وملفات خاصة

الصحفي ياسر.. سافر لوجهة لم يتوقعها

غزة- خاص قُدس الإخبارية: غابت ابتسامته المعهودة مع ساعات الفجر، فكان لنبأ استشهاده أثرٌ مدوي في نفوس أحبائه، ليفجر مشاعر الغضب والحب لحظة رحيله الصامت الذي أوجع القلوب، فالموت أعجزهم جميعاً، بعدما ذهب وأخذ معه أحلام زوجة عشرينية وطفل لم يتجاوز العامين من عمره، لتصبح قلوبهم ثكلى ومثقلة بالحزن على رحيله.

ارتقى الصحفي “ياسر مرتجى” ابن الثلاثين عامًا، شهيدًا بعد تأثره بإصابته التي أصيب بها أثناء تغطيته في مسيرة العودة السلمية على حدود قطاع غزة، مخلفاً الكاميرا ودرعه الواقي والكثير من الصور الشاهدة على ذكراه، وترك ضحكاته العالقة في قلوب أحبته المثقلة بالحزن، فالوجع المخيم على ذويه وكل من عرفه من حقل الاعلام والمقربين، يشير إلى حجم الفقد الكبير الممزوج بالألم.

فقدٌ بالغ الألم

داخل بيت العزاء، النسوة يبكين من ألم الفراق وصدمة اللحظة التي لم يتوقعن حدوثها رغم الحقيقة السوداء في بيت خيم الحزن أرجاؤه، وقلب أم يتقطع وينفطر ألماً على رحيل فلذة كبدها، وصرخات قلب زوجة فقدت سندها الفذ، وطفل ينظر ما الذي يجري حولي لا يدرك معنى الفقد، هذه هي قلوب أهل بيته الحاضرة، بعدما وارى جثمانه الثرى.

الثلاثيني مرتجى، رحل وهو مكلل بالحب والرضا من قلب أم تنفطر ألماً على رحيله، فهو ابنها البار والحبيب المقرب إلى قلبها كونه الابن الأول لها، تقول والدته بقلب مدجج بالرضى والصبر لـ “قدس الإخبارية“، “رحل فجأة دون سابق إنذار، ولم أتوقع لحظة أن يكون شهيدًا اليوم، لأنه كان يغطي الأحداث في فترات الحروب، لكن في مواجهات مسيرة العودة كان يذهب ويعود لكي يطمئننا على حالته، ذلك الأمر جعلنا نستبعد أنه سيكون في مرمى قناصة المحتل الغادر، إلى أن أوقعته جريحاً بالغ الخطورة، ومن ثم شهيداً”.

وأضافت، “صباح الجمعة، كان بالنسبة لنا مثله مثل أي يوم عادياً، خرج لعمله حاملاً كاميرته وطلب الرضا وودع فلذه كبده مع ابتسامته التي لم تفارق وجهه، إلى أن جاء خبر إصابته، فتسارع إخوانه بالذهاب للاطمئنان على حالته، التي وصفت بالحرجة وأنه بحاجة لوحدات دم تطابق فصيلة دمه، وبالرغم من ذلك استمر في العلميات لأكثر من 5 ساعات، ومع ذلك جسده لم يحتمل الطلقة الغادرة التي فجرت أحشاءه، ثم ارتقى شهيدًا.

الأم الصابرة المحتسبة التي صبرت بعد وفاة زوجها، ها هي اليوم تحتسب فلذة كبدها شهيداً، فالرضى الذي يكلل مرتجى نقله من حياة الدنيا العابرة إلى حور العين وجنات الفردوس الأعلى، بجوار والده ورفاقه الشهداء ومن ساروا على نفس الدرب وسلكوا مسلك الشهادة، كما كان يتمنى.

وتشير والدة الشهيد مرتجى، إلى أن ابنها ياسر من أقرب الأبناء إلى قلبها فهو بعد أبيه منزلة كونه أكبر إخوانه، فقد تحمل على عاتقه الكثير، ولم يكن إلا الولد البار بأمه واليافع لزوجته، والسند لولده ولأخوته وكل من عرفه عن كثب، فهو الرفيق الحبيب الذي ترك أثراً بالغاً وصدمة شديدة اللهجة في نفوس الجميع بعد سماع خبر استشهاده.

وعن اللحظات الأولى التي تم فيها إعلان نبأ الشهادة، تؤكد بأن حالته شبه استقرت وبدأ الأطباء بالتنويه إلى أن حالته تحتاج مزيداً من العناية، ذلك الأمر صرف عن مخيلتي خطورة الأمر، إلى أن عاد وضعه بالتدحرج نحو الخطورة شيئاً فشيئاً، مشيرة إلى أن استشهاده كان كحلم مزعج لا بد أن تفيق منه، لكن الحقيقة أشد من ذلك.

بين الصمت والتفاصيل

بينما زوجته غادة، التي اكتفت بالصمت ولم تنطق بحرف، فالألم الذي بداخلها أبلغ من الوصف وأعجز عن التعبير، فدموعها المنهمرة على وجنتيها، تشير بحجم الفقد والوجع الذي يقطع قلبها، فهي حاضرة ولكن ذهنها غائب حيث روحه، تفكر في مستقبلها القريب بدونه، ما الذي ينتظرني بعد؟ وهل سأحتمل غياب السند والركن والرفيق والحبيب؟ وما الذي سأقوله لعبد الرحمن حينما يسألني عن والده؟، كثير من الأسئلة كهذه تتبادر إليها.

ويحدثنا بلال شقيق الشهيد ياسر عن تفاصيل أحداث تلك الليلة المؤلمة، “في منتصف الليل، كنا ننتظر أمام باب غرفة العمليات، نترقب خروج الطبيب المشرف على عمليته الجراحية التي ستجرى له في منطقة البطن، لنسأله عن حاله؛ نأمل بسماع خبر سار عن تحسن حالته، لكن بالداخل كان عكس مما نتوقعه، فكان وضعه يزداد خطورة، وحالته حرجة، فأمضينا ليلتنا بالصلاة والدعاء العميق، ليعود إلى وضعه الطبيعي، ليحين وقت خروج طبيبه الذي كان حاملاً بين تجاعيد وجهه سراً محزناً مؤلماً، بل موجعاً ومميتاً لنا”.

“فالجميع يتساءل، ماذا عن ياسر؟ هل هناك تحسن؟ أريد كلمة، بل حرفاً، ليهدأ لهيب قلوبنا المشتعلة القلقة على حالته، لكن الصمت خيم بالمكان بشكل مخيف، إلى أن حاول الطبيب تمالك نفسه قليلاً؛ كي يستطيع نطق هذه الكلمات المدوية على مسامعنا، استشهد ياسر”.

“لا أحد يتخيل صعوبة الموقف، كيف يرحل عنا وهو يترك أمانته خلفه؟ وما الذي سأقوله لأمي؟، وبدأت التساؤلات تدور في مخيلتي، إلى أن عمّ خبره أرجاء المكان، وبدأ زملاؤه الإعلاميين بنعيه، حينها أعلنت وزارة الصحة النبأ، مؤكدة الحقيقة المرة، التي كنت أنوي تجاهلها لكن الهروب من الواقع لا محال منه”، يقول شقيقه.

الحزن لم يقتصر على عائلة الشهيد ياسر مرتجى، بل طال جميع من عرفه من حقبة الإعلاميين والمقربين له، فالوجع أصاب الجميع بفقده، فالحب المدجج له في صور اليوم أثناء تشييع جنازته أبلغ من التعبير، المشاعر كلها ممزوجة ما بين مرارة الفقد والألم.

لم تكن المرة الأولى التي يتعرض لها صحفيو قطاع غزة لعنجهية المحتل وغدره، في سعي منهم بطمس الرأي وحرية نقل الصورة، حيث لم تشفع كاميراتهم ولا دروعهم لهم أمام قناصة الاحتلال، ففي الحروب الثلاثة الماضية تعرض العشرات من الصحفيين للاستهداف المباشر فمنهم من ارتقى شهيداً، وأخر مصاباً، ليسطر الوطن بطولات في ميدان نقل الحقيقة.

فيما استنكرت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، الجريمة النكراء بحق الزملاء الصحفيين الذين أصيبوا بشكل مباشر على خط المواجهة، رغم إبراز إشارة الصحافة، فيما دعت لوقف كافة الإجراءات والانتهاكات المتواصلة ضدهم، مطالبين بالتحقيق مع الاحتلال وإيقافه، ورفع الملف إلى المحاكم الدولية.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى