تقارير وملفات خاصة

ماذا أخفى “حسين ماضي” في هاتف “الجدة” قبل استشهاده؟

غزّة- خاص قُدس الإخبارية: صبيحة الجمعة، السادس من نيسان، الساعة تشير إلى السادسة وخمس دقائق، والجدة أم حسين ماضي وحدها تشق سكون النِيام بصوت حذائها يمشي متثاقلاً نحو صالة الجلوس.

“حسّون!!”، قالتها بنبرة المندهش حين رأت حُسين “حفيدها البِكر” يجلس وحيداً هناك على أريكة وفي يده هاتفها المحمول الذي يُعَد “الملكية المَشاع” لكافة الأحفاد الصغار.

“ماذا تفعل في هذه الساعة المبكرة؟”، سألَته بينما كانت تتحرك ناحيته كي تجلس، أما هو فكان كمن يسابق إيقاع الوقت حتى يطفئ الشاشة! وضع الهاتف جانباً، وأجاب بعد أن ابتسم ورفع أكتافه: ” أشاهد الصور فقط”.

نظرت إليه جدته ملياً، كانت هذه أول مرةٍ تشعر بأن الطفل الذي أخذته من أمه “ابن أيام” كي تربّيه في بيتها منذ خمسة عشر عاماً “شخصٌ غريبٌ” عنها.

ابتلعت ريقها، وبدأت تمسح على رأسه، “ستأتي معنا اليوم صحيح؟ اليوم عيد ميلاد ابن عمّك الصغير، وعمُّك يريدك أن تحضر”، قابلها بصمتٍ استمر عدة ثوانٍ ثم أجاب، “لا تقلقي علَي، سأبقى هنا”.

كيف لا تقلق الجدة؟! كيف لا ينشق قلبها نصفين، وهي التي سمعت منه بالأمس حديثاً ردَم كل أحلامها التي زخرفتها ليلةً بليلةٍ من أجل أن تراه طبيباً، عريساً يقبّل جبينها في صورةٍ مؤطّرةٍ تضعها قرب السرير.

كيف لا تخبّئ في جعبة الحسرة دمعاتها؟ وهو الذي قال البارحة، “ستي.. أنا بطلت بدي أسافر ألمانيا عند عمتي علشان أتعلم، شو بدها تعمل شهادات العالم كله ووطني محتل؟”.

تقول الجدة وهي تحاول انتشال ذلك المشهد من تحت ركام الذاكرة: “قلت له، خارج غزة يا حسين، هناك كل المستقبل”، ردّ بصوتٍ كَبُر فجأة: “بل المستقبل.. هو الوطن”.

مرّت الدقائق ثقالاً بعدها على الجدة، هي لا تستطيع إجباره على الذهاب معها إلى بيت عمه، وفي نفس الوقت لا تريد أن تتركه وحده في البيت لأنها كانت على يقينٍ بأن “حسين” منذ أسبوعٍ تغيّر، حتى عندما جاءها الجمعة التي سبقت هذه (جمعة العودة الأولى) متأخراً بعد الصلاة بوقت، ووجهه تملؤه الخدوش، ثم أخبرها بأنه سقط عن “دراجته الهوائية” لم تكن تصدق سوى حدسها الذي أنبأها بأن “الحسين” لم يعد طفلاً، وأنه كان هناك عند الحدود الشرقيّة برفقة أصدقائه من جيل العابرين في طريق الأمنيات نحو يقين العودة.

“ألن تغيّر رأيك؟”، سألته الجدة للمرة الأخيرة وهي عند الباب، فهزّ رأسه مجدداً أن “لا”، أغلقت الباب لكنها عادت: “نسيتُ هاتفي” مدّت يدها ناحية الطاولة حيث وضعه آخر مرةٍ “حُسين”، التقطَته مسرعةً وغادرت إلى حيث لم تكن تعلم أن القصة هنا تبدأ.

شهيدٌ في حلم العمة

في الطرف الآخر من المشهد، وفي بيت العمة الصغيرة “انتصار” التي تزوّجت قبل عامٍ ونصف، بعد أن سَقَت “حسين” من الحبِّ لم تسقِهِ من قبلُ “عمّة”، كانت هناكَ أنفاسٌ تتسارع! على وسادتها اهتزَّ الرأس بحملٍ ثقيل، وغفى القلب على مشهدٍ لجنودٍ إسرائيليين يطلقون النار! همهماتٌ لم يفهم زوجها منها شيئاً، اقترب منها وهزّ كتفها برفق: “انتصار.. إنتِ بتحلمي؟”، تفتح العمة عيونها لتنهمر منها دموعاً حجرت عليها الأهداب طيلة الحلم، تسند ظهرها إلى السرير فترتعش وهي تحدث زوجها: “رأيت جنوداً ونار”.. قرأ على رأسها ما تيسّر، ولما لم يتبقّ لصلاة الجمعة وقتٌ قال لها: “أكملي نومك.. ارتاحي الآن، عندما أعود نتناول الطعام” -وكانت قد أعدته صباحاً.

وبين بيت “العمة” وبيت “العم” الذي تمكث فيه الجدة “أم حسين” انتظاراً لحفل حفيدها، مرّت مسافةٌ من القهر قصيرةٌ جداً انتهت باستشهاد حُسين.

إحدى حفيداتها من بنات عم “حُسَيْن” كانت تعبث بهاتفها الذي أخذته خلسةً عندما تركته الجدة على الطاولة، لتأتي إلى جانبها وهي تضحك، قائلةً: “أتريدين أن تستشهدي يا جدة؟”، نظرت “أم حسين” إلى حفيدتها وردت دون أن تلقي بالاً لما وراء السؤال: “اللي بيستشهد الله بيختاره لأنه بيحبه، بس إيش هالسؤال؟”، قالت الصغيرة وهي تشير إلى الهاتف: “هذه الصورة؟”.

أمسكت الجدة الهاتف، فلما رأت ما فيه ارتعش قلبها، كانت صورةً لم ترها أبداً حتى مساء الأمس عندما وضعت هاتفها قرب رأسها قبل أن تنام، صورةٌ لعلم فلسطين، كُتب عليها (احتمال أكون بكرة شهيد… ادعولي)، صرخت دون وعي: “حسيـــــــن”.

اتصلت بابنها الأصغر “سمير” وكان في البيت قد عاد لتوه من صلاة الجمعة، سألته على عجل: “وين حسين يا سمير؟” أجابها: “قال لي سيذهب إلى البقالة ويعود سريعاً بعد الصلاة”.. هدأ عقلها لكن قلبها هاج، مرت بضع دقائق أخرى: “سمير.. أين حسين؟”، ردّ مرةً ثانية: “أنتظره يا أمي سأحضره بمجرد أن يعود ونأتي معاً”.

حدس الجدة

على طاولة العيد بدأت الحلويات تتزاحم، وفي عيون الجدة كانت تكتظ العبَرات: “أين حسين؟”، كانوا يجيبونها “لا تقلقي.. إنه بالتأكيد يلعب هنا، أو هناك”، لكن شيئاً ما كان يهمس في قلبها وتصدُّه في كل مرة، “حسين لن يعود”.

قبل أن تشتعل الشمعات فوق الكعكة الكبيرة، رن هاتف العم، تغيّر لون وجهه كمن ابتلع ناراً” لتوّه، أغلق السماعة، فسألته: “وجدوا حسين؟” فقال: “لا، يقولون إن طفلاً استشهد أثناء إشعال الكوشوك، لا يحمل هوية”.. سقطت الجدة أرضاً، وهي تحاول أن تكذّب حدسها: “بالتأكيد ليس حسين، حسين سيسافر إلى ألمانيا، وسيعود عريساً”.

والد “حسين” رفض أصلاً أن يسمع الخبر، وذهب تاركاً إخوته الذين قرروا الذهاب إلى المستشفى للتعرف على هوية الشهيد الصغير، متجهاً نحو الحدود يبحث وينادي، “حسين”.. لكن “حسيناً” لم يرد! كان هناك وحده مسجىً في كيسٍ أزرق مغلق، ينتظر الجدة “أمه” كي تطبع على جبينه قبلة.

في تلك الرقعة من الوقت بين الخبر ومسافة الطريق، نحو مستشفى الشفاء غرب مدينة غزة، يدخل زوج العمة انتصار البيت بعد انتهاء الصلاة، ويركض مسرعاً نحو الغرفة بعد أن سمع صوتها تهمهم وهي نائمة، أيقظها من جديدٍ فلما فتحت عيونها صرَخت، “الجنود، الجنود قتلوا حسين”! لم يترك له القدر فرصة تهدئتها أو حتى إيهامها بأن ما تقوله “محض كابوسٍ ألّفه شيطان” رنّ هاتفه، فإذا بالمتصل يخبره بصوتٍ يختنق: “قل لانتصار، حسين الآن في طريقه إلى الجنة”.

داخل المستشفى، فتحوا الكيس، وعرفوه كل أعمامه، هنا ربّوه مع أمه، هو آخر عنقودهم وأول عنقود أحفادهم، استشهد حسين، ولم يترك لجدته تلك الصورة وحسب.. بل صوراً أخرى له يبتسم، تماماً كمن يقول: “أنا الآن أحلق في الجنة يا جدة، وسأنتظر هناك كل الأحبة”.

في بيت عزائه المقام بشارع الجلاء وسط المدينة، وقرب أمه التي أنجبته، كانت الجدة “أم حسين” تجلس، تذرف مع كل دمعةٍ ناراً تصب في قاع قلب كل المتحلقات حولها، بكتا معاً (أمه) و(أمه)، ففي حضرة “صورة الشهيد” لا فضل لإحداهما على الأخرى إلا بـ “الحب”.

عمه الأصغر سمير (صديق حسين المشاكس) كان يجلس في زاويةٍ وهو يحاول أن يداري دمعه، أخبرنا بأن “حسين” اشترى له زوجاً من عصافير الكناري قبل ثلاثة أشهر كهدية، فلما تعلق بها وبدأ بتربيتها بحق قرب حافة النافذة، هبت رياحٌ قوية فأسقطت القفص، وطارت العصافير إلى حيث لا رجعة.

يقول، “لما رآني حسين حزيناً لأجلها، وضع يده على كتفي وقال ضاحكاً: تخافش يا عمي، بتعاود ترجع”، ليرد عليه العم مبتسماً: “متأكد؟” فأجابه: “العصافير بترجع.. أنا متأكد”، ولعل سمير الآن ينتظر، عودة الكناري وحسين معاً.

لم يعرف أحدٌ ما حدث مع “حسين محمد ماضي” في تلك المنطقة، سوى أنه أصيب برصاصةٍ متفجرةٍ في بطنه، وصورة التقطها له أحدهم قبل أن يستشهد بلحظات وقد رفع علامة النصر عهداً بعودةٍ قريبة.

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى