آراء

دير ياسين.. هوية الضحية ونسيان نصف الحقيقة

التصق تعريف المجزرة والمذبحة فلسطينيًا بقرية دير ياسين، عرفناها على أنها المجزرة أو المذبحة للدلالة والترميز على حجم الكارثة والظلم وسعيًا إلى تشكيل هوية الضحية وخطابها.

منذ أن سقطت دير ياسين في التاسع من نيسان في حرب احتلال فلسطين عام 48 ونحن نصفها فقط بالمذبحة، حتى أننا بالغنا وما زلنا في تقديرات الشهداء والقتلى من أبناء القرية من 100 شهيد إلى مصادر تشير حول 600 شهيد، يُذكر أن تعداد أهالي القرية في العام 1945 وصل إلى قرابة الـ610 نسمة. وحسم موضوع العدد وليد الخالدي “100 شهيد فقط – 36 من حمولة دار عقل، و49 من حمولة شحادة، و12 من حمولة دار حميدة، و3 من غير أهالي القرية. ( مجلة الدراسات الفلسطينية – المجلد 10، العدد 40 )خريف 1999، ص 203”.

بُنيت خطة “الإتسل” و “لحي” بهدف احتلال دير ياسين عبر ضرب الروح المعنوية لأهالي القرية والقرى المجاورة لتكون عبرة لمن يحمل سلاح في وجه الصهاينة. وما فعله العدو بالقرية من قتل وقصف وتمثيل بالجثث واغتصاب للنساء وإلقاء للجثث في بئر القرية انتشر كالنار في الهشيم حينها في محيط قرى القدس والقرى والمدن الفلسطينية الأخرى، وأدى انتشار المعلومات والحقائق حول ما حدث إلى هروب ولجوء العديد من العائلات الفلسطينية إلى مناطق أكثر أمانا بحسب رأيهم، نجحت خطة العدو في ضرب الروح المعنوية وخلق بنى نفسية مهزومة ليس فقط إبان الحرب، بل لتمتد بعدها حتى يومنا هذا.

قمنا بقبول هوية الهزيمة في دير ياسين مؤطرينها بخطاب سياسي يبحث في تفاصيل الضحية ليؤكد لنفسه وللعالم أن العدو “إسرائيل” مجرم وبشع ويرتكب مجازر ومذابح بحق سكان البلاد. يغرق هذا الخطاب بالسعي المتواصل نحو إثبات أن المجرم مجرم، وأن الضحية ضحية. نعلق في نفسيتنا “المهزومة” وفي دوامة الكسل الفكري والبحثي حول معرفة ودراسة الحقيقة الكاملة. تبقى المعرفة الشعبية راكدة حول دير ياسين في إطار إثبات أن المجرم ارتكب مجازر في الضحية. وتقوم النخب الأكاديمية بدراسة حالة الضحية مقارنة إياها بحالات أخرى قريبة، “الهولوكوست” على سبيل المثال لتذهب وتحاول إيجاد قواسم مشتركة لضحايا غير متساويين وتخلق عبره خطاب سياسي متنازل ومتهاون، نتسامح في إطار ضحايانا ونفكر سويًا بالمستقبل، متجاهلين نصف الحقيقة، فعلنا المجيد في النكبة.

وفي هذا الوقت نتجاهل نصف الحقيقة، الحقيقة التي تقول إن ما جرى في دير ياسين من مجازر ومذابح كان نصف الحقيقة، فهناك قصص الشهداء والمقاتلين، عن الدفاع عن النفس بكل الأدوات، عن النساء ودورهن في الدفاع عن القرية، عن حامية البلد ومتطوعيها، عن خطط الدفاع والإستراتيجيات، عن أرواح قاتلت في القسطل وقالونيا واستشهدت بلا نصب تذكاري أو قصيدة أو صورة، ولا يعرف اسمها ولم تنتج حولها فيديوهات قصيرة، عن أطفال قُتلت ولم تترك خلفها رسومات وخربشات نعلقها في المتاحف.

الكسل في التفكير والبحث والتقاعس عن تخليد معركة دير ياسين ووصفها بالمجزرة فقط هو إنكار للدماء الزكية والنفوس الطيبة التي حملت شبريتها أو بندقية الـ”برين” أو حتى تحدثت بلغة تشفير وكلمات سرية لليل تتبدل كل يوم دفاعا عن البلاد، متى نوفيهم حقهم؟!.

لن نخلق مستقبلا لنا ما دمنا لم نفهم ما جرى وكل ما جرى!

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى