مدوّنات

في الخامس من حزيران 1967: هذا ما حدث

يقول أريئيل شارون في مذكراته: عادةً يُعتبر تاريخ 5 حزيران، ابتداء حرب الأيام الستة، هكذا هو الأمر رسمياً، لكن في الواقع كانت هذه الحرب قد بدأت قبل سنتين ونصف، أي يوم قررت الحكومة الإسرائيلية منع مشروع تحويل مياه نهر الأردن بالقوة، فابتداءً بذاك اليوم نشأ توتر صامت ومستمر على امتداد الحدود الإسرائيلية السورية، ولم يبقَ إلا الشرارة التي ستفجر برميل البارود.

ملخص هذه الحرب أن “إسرائيل” قامت في صباح الخامس من حزيران 1967 بالهجوم على القوات العربية المصرية والسورية والأردنية واحتلال أجزاء من أراضيها فيما عرف بعد ذلك بـ”عدوان الخامس من حزيران”، أو “نكسة 1967”.

في الوقت الذي كانت “إسرائيل” تنطلق من قاعدة قوية مأمونة وتعمل باستمرار على تطوير القدرة الحركية والقتالية للهجوم العسكري لتعويض النقص البشري، وفي الوقت الذي كان هدفها واضحاً وهو وضع المنطقة في حالة ضعف لا تسمح بتكامل القدرات العربية لمهاجمة “إسرائيل” رابطةً ذلك بمعرفة دقيقة للظروف الدولية والإمكانات العربية، في نفس هذا الوقت اتصفت الإستراتيجية العربية بالالتزام بالعقيدة الدفاعية وانعدام التنسيق بين القيادات وعدم وضوح الهدف لديها، وضمن هاتين الإستراتيجيتين المتناقضتين جرت الحرب عسكرياً وسياسياً واستراتيجياً.

أما الأسباب التي أدت إلى الحرب فكان أهميها تعاظم المد الوطني العربي بعد ثورة 14 تموز 1958 في العراق وانتصار ثورة الجزائر 1962 وقيام م.ت.ف 1964 وانطلاق العمل الفدائي 1965، يضاف إلى ذلك الارتباط العضوي بين “إسرائيل” وأمريكا ومطامعها في الشرق الأوسط، كانت هذه هي الأسباب غير المباشرة لقيام الحرب، أما الأسباب المباشرة فكانت رغبة إسرائيل في ضم الأراضي المجردة من السلاح في شمال فلسطين، ورد “إسرائيل” على مشروع الدول العربية لتحويل روافد نهر الأردن، وقد أنشأت الدول العربية هيئة خاصة لاستثمار موارد هذه الروافد وبدأت فعلاً في أواسط عام 1964 بنقل المعدات والحفارات إلى هذه الروافد بنية تحويل المياه إلى نهر اليرموك، الأمر الذي اعتبرته “إسرائيل” اعتداء على حصتها من مياه نهر الأردن، واعتبرت أن ذلك سيؤثر على احتياطي المياه لديها في المدى البعيد، فما كان منها إلا أن أمعنت في تنفيذ ضم الأراضي وتحويل الروافد بقوة السلاح. وصعّدت استفزازاتها بضرب المعدات الخاصة بهيئة استثمار الروافد، وتحرشت بالمزارعين السوريين مما أدى إلى زيادة حدة الاشتباكات حتى وصلت إلى الاشتباك الجوي يوم 7/4/1967.

تواترت الأخبار عن التجهيزات الإسرائيلية للحرب، فأعلنت مصر حالة التعبئة القصوى لالتزامها باتفاقية الدفاع المشترك مع سوريا والموقعة في 4/11/1966، وطلبت مصر من قائد قوات الطوارئ الدولية UNEF سحب قواته يوم 16/5 من سيناء، وتم ذلك يوم 19/5، وأعلن عبد الناصر إغلاق مضائق ثيران يوم 23/5 في وجه الملاحة الإسرائيلية، وهذا ما اعتبرته “إسرائيل” بمثابة إعلان حرب لأن هذه المضائق الواقعة مقابل شرم الشيخ المصرية هي منفذ إسرائيل الوحيد إلى أفريقيا، وشرعت بعدها القوات المصرية والسورية بالتوجه نحو جبهات القتال، ووصلت فصائل من القوات الكويتية والسودانية والجزائرية إلى الجبهة المصرية، وتوجه الملك حسين إلى مصر يوم 30/5 وعقد معها اتفاقية دفاع مشترك ووضعت القوات الأردنية تحت تصرف القيادة المشتركة، واتضح من التعديلات الوزارية الإسرائيلية والتدابير الاستثنائية نية “إسرائيل” بالعدوان، وعندما أشيع عن حشود عسكرية قرب الحدود الشمالية لإسرائيل بعث أشكول برقية إلى ألكسي كوسيغين وزير خارجية الاتحاد السوفياتي ينفي مثل هذه الأنباء، ويطلب منه القدوم إلى الحدود والتأكد بنفسه، رغم ذلك فقد أبلغ مندوب المخابرات السوفييتي في القاهرة مدير المخابرات العامة المصرية بوجود 11 لواء من الجيش الإسرائيلي على الجبهة السورية، وفي ليلة 4-5/6 طلب السفيران الأمريكي والسوفيتي من عبد الناصر عدم البدء بالهجوم ولم تمض ساعات قليلة حتى بدأت إسرائيل الحرب.

على الجبهة المصرية، قامت الطائرات الإسرائيلية بإخراج الطيران المصري من المعركة من الضربة الأولى إذ تم ضرب الطائرات في مهابطها قبل أن تقلع، فدمرت وعطلت 420 طائرة قبل أن تتمكن من الإقلاع، وهاجمت الطائرات الإسرائيلية جميع المطارات العسكرية تقريباً من الصعيد إلى القاهرة. وحمل مخطط إسرائيل اسم “حركة الحمامة”، وكان من الممكن استعمال صواريخ أرض جو المصريّة لإسقاط أكبر عدد من الطائرات الإسرائيلية تقليصاً للخسائر، إلا أن البيروقراطية الإدارية حالت دون استعمال هذا السلاح، وقامت البحرية الإسرائيلية بغارات على الموانئ المصرية في إطار العدوان الشامل، وهوجمت القوات المصرية في صحراء سيناء، وقتل عدد كبير من الجنود المصريين بدون أية معارك، نتيجة للفوضى وغياب التنسيق مع القيادة المركزية، وقدرت الخسائر المصرية بعشرة آلاف شهيد ومفقود وخسارة 80% من عتاد الجيش.

على الجبهة الأردنية وجهت “إسرائيل” ضربة للسلاح الجو الملكي فدمرت 32 طائرة في مطاري عمان والمفرق، وقد حدثت معارك دامية في القدس، والضفة الغربية عموماً ورغم صمود الجيش الأردني إلا أنه اضطر للانسحاب تحت الضغط الهائل للقوة الإسرائيلية يوم 6/6 مساء، وقد قدرت خسائر الأردنيين بـ “6094” شهيداً وخسارة 150 دبابة.

على الجبهة السورية، لم يبدأ القتال حتى يوم 9/6، عدا عن الهجوم السوري على مصافي النفط في حيفا يوم 5/6 والذي ردت عليه إسرائيل بتدمير 60 طائرة سورية.

بدأ الهجوم البري الإسرائيلي على الجبهة السورية صباح 9/6 بقصف جوي مركز على المواقع الدفاعية ودمرت 40 دبابة، وتابعت إسرائيل هجومها يوم 10/6 واستولت على قمم جبل الشيخ الجنوبية وشمال الجولان وخسرت سوريا 1000 شهيد و70 دبابة.

عدا عن انتصار “إسرائيل” فقد أكملت احتلال بقية فلسطين بما فيها القدس وأضافت إليها الجولان من سوريا وسيناء من مصر.

بقيت هذه الحرب في الذاكرة العربية كمأساة حتى هذا اليوم، ولا يبدو أنها ستزول من الذاكرة الجمعية العربية، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى الأجواء التي سادت قبل الحرب، حيث كانت الروح المعنوية العربية عالية جداً، والأمل في هزيمة إسرائيل قوي إلى درجة الثقة المطلقة، ومن يتابع ما كانت تبثه الإذاعات والصحف والمجلات في تلك الفترة، من أغانٍ ومقالات وتحليلات، لاعتقد أن إسرائيل لن تصمد أكثر من ساعات لتنتهي ككيان، لذلك لم يستطع الجمهور العربي استيعاب فكرة أن خمس دول عربية محيطة بإسرائيل تلقت هزيمة ساحقة في ستة أيام، دون أن تتأثر إسرائيل عسكرياً، ودون خسائر تذكر.

ما زال المحللون السياسيون والعسكريون الغربيون والعرب يصدرون الكتب عن هذه الحرب إلى يومنا هذا، وفي كل مؤلف جديد تظهر حقائق جديدة تظهر الواقع العربي المترهل عسكرياً في تلك المرحلة، إلا أن مصر على وجه التحديد أعادت بناء جيشها وقدراتها في أقل من ست سنوات حينما أعادت الكرة وهاجمت “إسرائيل” في حرب أكتوبر 1973، واستعادت قناة السويس ثم سيناء بكاملها لاحقاً في المفاوضات التي جرت بينها وبين “إسرائيل” في كامب ديفيد.

قام الرئيس جمال عبد الناصر بعد الحرب بتقديم استقالته من رئاسة الجمهورية علناً، إلا أن الجماهير المصرية والعربية رفضت ذلك، وخرجت جماهير مصر في مظاهرات عارمة أضطرته للعدول عن قراره.

كان في عدد من الدول العربيّة أقليات من اليهود العرب غير أنها واجهت الاضطهاد والطرد بعد انتصار “إسرائيل”، وأحرقت عدد من الكنس والمعابد، وفي المحصلة طرد نحو 7000 يهودي عربي معظمهم نزح دون ممتلكاته، وكانت هذه من أبرز الأخطاء التي وقعت فيها الحكومات العربية بعد الحرب.

صدر قرار الأمم المتحدة رقم 242 في الثاني والعشرين من نوفمبر 1967، وقد جاء هذا القرار كحل وسط بين عدة مشاريع قرارات طرحت للنقاش بعد الحرب. وورد في المادة الأولى، الفقرة أ: انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلت في النزاع الأخير، وقد حذفت “أل” التعريف من كلمة “الأراضي” في النص الإنجليزي من قبل ممثل بريطانيا، بهدف المحافظة على الغموض في تفسير هذا القرار. وإضافة إلى قضية الانسحاب فقد نص القرار على إنهاء حالة الحرب والاعتراف ضمنا بـ”إسرائيل” دون ربط ذلك بحل قضية فلسطين التي اعتبرها القرار مشكلة لاجئين. ويشكل هذا القرار منذ صدوره صُلب كل المفاوضات والمساعي الدولية العربية لإيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي.

نص القرار:
إن مجلس الأمن إذ يعرب عن قلقه المتواصل بشان الوضع الخطر في الشرق الأوسط وإذ يؤكد عدم القبول بالاستيلاء علي أراض بواسطة الحرب. والحاجة إلي العمل من أجل سلام دائم وعادل تستطيع كل دولة في المنطقة أن تعيش فيه بأمن وإذ يؤكد أيضاً أن جميع الدول الأعضاء بقبولها ميثاق الأمم المتحدة قد التزمت بالعمل وفقاً للمادة 2 من الميثاق.

1ـ يؤكد أن تحقيق مبادئ الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط ويستوجب تطبيق كلا المبدأين التاليين:
أ ـ سحب القوات المسلحة من أراض (الأراضي) التي احتلتها في النزاع.
ب ـ إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب واحترام واعتراف بسيادة وحدة أراضي كل دولة في المنطقة واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها وحرة من التهديد وأعمال القوة.

2ـ يؤكد أيضا الحاجة إلى:
أ ـ ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية في المنطقة.
ب ـ تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.
ج ـ ضمان المناعة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة عن طريق إجراءات بينها إقامة مناطق مجردة من السلاح.
د ـ وقف إطلاق النار

الأكثر مشاهدة خلال الأسبوع

إلى الأعلى