تعرضت الحكومة الفلسطينية لضغوط كبيرة بعد مصادقتها على القرار بقانون رقم (١٦) للعام ٢٠١٧ بشأن الجرائم الإلكترونية والذي جوبه بمعارضة كبيرة من قبل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية الدولية ومؤسسات الحقوق الرقمية والإعلامية بالإضافة إلى الصحفيين/ات والحقوقيين/ات والنشطاء، التأمت المؤسسات ذات العلاقة والأشخاص ذوي العلاقة ليرفعوا أصواتهم ضد هذا التكميم والانتهاك للخصوصية والحريات المنصوصة في القوانين الدولية، حيث اعتبر القانون الجديد مصدراً جديداً لتكميم الأفواه وحد لحريات الرأي ومخترقاً للخصوصية عدا عن كون بعض مواده فضفاضة ويمكن تفصيلها على مقاس المدَّعى عليه، وطولبت الحكومة في حينها بتعديل القانون ومواءمته مع القوانين والمعاهدات الدولية التي كانت قد انضمت لها فلسطين في السابق، وارتفعت بعض الأسقف للمطالبة بإلغاء القانون بعد ذلك للتخلص من القيود الجديدة التي سيفرضها، ما أجبر الحكومة وصناع القرار بتعديل قانون الجرائم الإلكترونية ليصدر بنسخته المعدلة الجديدة في جريدة الوقائع الفلسطينية الرسمية في الثالث من أيار الساري. 

 مشكلات قانون الجرائم الإلكترونية بنسخته الأولى، 

وبشكل أساسي جابهت مؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات الحقوقية الدولية ومؤسسات الحقوق الرقمية والإعلامية والأفراد ذوي العلاقة هذا القانون نتيجة لما يحمله من نصوص غامضة ومصطلحات فضفاضة ضبابية بالإمكان تفصيلها على مقاس الحدث والشخص، وخير مثال لذلك ما حملته كل من المواد ١٦ و٢٠ و٥١ من معاقبة للأفراد بالغرامة و/أو السجن ومن الممكن ان تصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة والمؤبدة بناء على تهم عامة وفضفاضة قد توجه لهم مثل “تهديد أمن الدولة وسلامتها، المساس بالآداب العامة، الإضرار بالوحدة الوطنية، زعزة السلم الاهلي، …. الخ) وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية المتبعة ومع القانون الأساسي الفلسطيني المعدل وتحديداً مع المادة رقم ١٥ والتي تؤكد أن لا جرم ولا عقوبة إلا بنص قانوني، كما هدد القرار بقانون بنسخته الأولى وتحديداً في المادة رقم ٤٠ منه بحجب المواقع بشكل كامل أو بشكل جزئي بناء على التهم الفضفاضة السالفة الذكر. 

 وبحسب الهيئة المستقلة لحقوق الانسان فقد تم الاطلاع على محاضر اجتماع مجلس الوزراء الفلسطيني بتاريخ ٢٠ حزيران للعام الماضي ولم تلحظ أي معلومات بخصوص تنسيب القرار بقانون “قانون الجرائم الالكترونية” لإحالته للرئيس للمصادقة عليه، والذي نشر لاحقا بنسخته الاولى في التاسع من تموز، وعليه فقد تم نشره بسرية تامة ولم يتم طرحه للنقاش المجتمعي قبل إقراره ولم يتسن لمؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية ذات العلاقة بالاطلاع عليه ونقاشه قبل طرحه، عدا عن كون هذا القانون اعتُبِرَ سارياً فور صدوره خلاف ما يحدث مع القوانين الطبيعية حيث تأخذ مدة ستة أشهر ليطلع عليه المواطنون ويكيفون أفعالهم بالنسبة له، ولم تقتصر الملاحظات على ما ورد اعلاه بل تعدتها لتبرر المادة رقم ٣٣ للنيابة العامة او من تنتدبه من مأموري الضبط القضائي بتفتيش الأشخاص وممتلكاتهم بعد اتهامهم بخرق إحدى مواد القانون وهي لا تشترط إخطار الشخص بمراقبة اتصالاته ومحادثاته الإلكترونية مسبقاً، وهو ما يعد استباحة لخصوصية المستخدمين/ات. 

 تعديل القانون 

تنوعت أساليب الحوار مع الحكومة والضغط عليها بين جلسات عقدت بحضور المجتمع المدني والجهات الحكومية في عام ٢٠١٧ بشأن تعديل القانون وحملات من النشطاء والصحفيين/ات والحقوقيين/ات بذات الشأن، لتصدر الحكومة القرار بقانون الجديد رقم (١٠) للعام ٢٠١٨ بشأن الجرائم الإلكترونية، والذي يبقي على بعض القوانين ويعدل بعضها بعدما تعهدت الحكومة بمواءمة القرار بقانون السابق ليصبح ملائماً للقوانين والمعاهدات الدولية التي كانت قد انضمت لها فلسطين في السابق، ويسقط القرار بقانون الجديد المواد التي تمس بشكل مباشر بحرية التعبير وانتهاك الخصوصية واستخدام المصطلحات الفضفاضة حيث استجابت الحكومة لبعض ملاحظات مؤسسات المجتمع المدني التي تقدمت بها وخصوصاً فيما يتعلق بالموائمة التامة مع المعايير الدولية الفضلى. 

 سلبيات هذا القرار بقانون 

يرفض القرار بقانون المعدل العدول عن بعض المواد التي تم الاعتراض عليها، حيث يستمر القانون في مادته (٣٩) بسياسة حجب المواقع خلال ٢٤ ساعة كما يهدد في مادته الرابعة كل من يدخل عمداً لهذه المواقع و/أو يستمر في التواجد فيها بعد علمه بذلك بمعاقبته بالحبس أو الغرامة أو كليهما وهذا يعد مساساً مباشر بالحريات الإعلامية، عدا عن الاثار التي ستترتب على مثل هذا القرار من وقف العاملين في هذه المواقع عن عملهم وبالتالي له تأثير بشكل مباشر ليس فقط على الحريات وإنما على الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها الشعب، كما يبقي القانون المعدل على صلاحيات النائب العام ومأموري الضبط القضائي: “الشرطة، والمخابرات العامة، والأمن الوقائي، والاستخبارات العسكرية، والدفاع المدني، ووزارة الاتصالات، والنيابة العامة، ومزودو خدمة الانترنت” وبالاطلاع على القانون نرى البند الثاني من المادة (٣٤)  يتعارض مع البند الأول من نفس المادة ومع البند الأول من المادة رقم (٣٦) حيث ينص البند الأول من كلتا المادتين على توكيل قاضي الصلح أو المحكمة المختصة بالإذن بمراقبة الاتصالات والمحادثات الالكترونية وتسجيلها والتعامل معها والاعتراض الفوري على محتوى الاتصالات بينما البند الثاني من المادة الأولى يعطي هذه الصلاحية للنائب العام او أحد مساعديه وهذا يشير إلى أنه لا يزال هناك توسع في الصلاحيات الممنوحة لهذه الاجهزة، وهذا من شانه إعطاء صلاحيات للنيابة العامة أكبر من القضاء في عملية جمع البيانات والمعلومات.

للوهلة الأولى؛ اقتصرت المصطلحات الفضفاضة في القرار بقانون المعدل على “الأمن القومي، النظام العام والآداب العامة” وقد علق منسق اعمال مجلس منظمات حقوق الإنسان الاستاذ محمود إفرنجي على هذا الموضوع “بالرغم من أن هذه المصطلحات موجودة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة رقم (١٩) منه إلا أن تلك المادة تعطي مساحة من الحريات على أن لا تتعارض هذه الثلاث مصطلحات مع القانون في دولة ذات نظام ديموقراطي وفيها ضمانات محاكمة عادلة”، فهل تتشابه الظروف في فلسطين لتوفير النظام الديموقراطي وضمانات المحاكمة العادلة لاستخدام هذه المصطلحات؟

كما أن المادة رقم (٤٥) في القرار بقانون المعدل تحول “كل من ارتكب جريمة بموجب أي تشريع نافذ باستخدام الشبكة الإلكترونية أو بإحدى وسائل تكنولوجيا المعلومات، او اشترك فيها او تدخل فيها أو حرض على ارتكابها ولم ينص عليها في هذا القرار بقانون، يعاقب بالعقوبة ذاتها المقررة لتلك الجريمة في ذلك التشريع” ويقصد بذلك التشريع قانون العقوبات، وتعد هذه المادة مبطنة بحسب الدكتور عصام عابدين، رئيس وحدة المناصرة المحلية والإقليمية في مؤسسة الحق، حيث ينقل كل المصطلحات الفضفاضة والموجودة  في قانون العقوبات مثل “الجرائم التي تنال من هيبة الدولة، وتوهن هيبة الأمة، وإثارة النعرات الطائفية” لتفعل في هذا القرار بقانون دون ذكر المصطلحات الفضفاضة بشكل مباشر وهذا يخالف المعاهدات والقوانين الدولية التي انضمت لها فلسطين في السابق.

كما أن القرار بقانون الجديد شرعن عملية جمع الأدلة بطرق غير شرعية، مع العلم أن ما يجمع بطريقة غير شرعية يعتبر دليل غير شرعي بالقانون وبالتالي لا يمكن استخدامه، وهذا يتعارض مع المادة (٣٧) التي اعتبرت هذه البيانات أو المعلومات من أدلة الثبات،  والتي تنص على ان “يعتبر الدليل الناتج بأي وسيلة من وسائل تكنولوجيا المعلومات أو أنظمة المعلومات أو شبكات المعلومات أو المواقع الإلكترونية أو البيانات والمعلومات الإلكترونية من ادلة الإثبات”، وتمتد الملاحظات على القرار بقانون الجديد لتصل المادتين (٤٢ و٤٣) والتي تختص بتيسير التعاون مع الدول الأخرى، وهذا قد يوقعنا بفخ التعامل مع سلطات الاحتلال، والتهم التي قد توجه من قبلهم للفلسطينيين بخصوص قضايا التحريض عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقد أشار افرنجي إلى ان “هذين البندين مرهونين بإفصاح الحكومة الفلسطينية عن بنود اتفاقية اسلو والاتفاقيات الثنائية الأخرى للشعب”، وبهذا تبقى هاتين المادتين في منطقة ضبابية ليس بالإمكان الحكم عليها إلا بتوضيح الحكومة لهما بناء على اتفاقيتهما. 

 إيجابيات هذا القرار بقانون 

بشكل عام وبالرغم من كل الملاحظات فإن القانون الجديد يحمل في طياته بعض النقاط الإيجابية التي تكفل حرية الرأي والتعبير والنشر، وحماية الخصوصية، وحماية الأطفال والمراهقين وذوي الإعاقة كما تحمي البالغين أيضاً، عدا عن اهتمام القانون الجديد بالتركيز على مكافحة قضايا الإرهاب وغسيل الأموال، كما يحمي الملكية الفكرية، إذ تم التأكيد على حرية الرأي والتعبير والنشر من خلال المادة (٢١) والتي كانت من أوائل المواد التي جوبهت في القرار بقانون القديم حيث تكفل هذه المادة ببنودها الأربعة حرية الرأي والتعبير بكل أشكالها (القول، الكتابة، التصوير، الفن) كما تكفل حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقي والمرئي والمسموع والالكتروني هذا من شأنه إعلاء قيمة الحريات في فلسطين والتكفل بالحفاظ عليها، كما أن المادة (١٦) من القرار بقانون الجديد تحمي الأطفال والمراهقين والشباب دون السن القانوني وذوي الإعاقة حيث تعاقب كل من يستغلهم جنسيا أو يقوم بإرسال مواد إباحية لهم لغايات التأثير عليهم واستغلالهم بالغرامة و/أو الحبس أو بكلتا العقوبتين وتشمل هذه العقوبات كل من يقوم بإرسال مواد مسموعة او مقروءة أو مرئية تتضمن أعمالاً إباحية لمن هم فوق سن الثامنة عشر دون رضاهم، كما يجب تسليط الضوء على المادة رقم (٢٧) من القرار بقانون الجديد حيث تهدد أي موظف يستغل صلاحياته وسلطته أثناء تأدية عمله أو يسهل لغيره هذه المهمة فإن له عقوبة تزيد بمقدار الثلث عن المواطنين العاديين وهذا من شانه المساهمة في زيادة الخصوصية والحرص عليها. 

 ما هي الخطوة القادمة؟ 

صحيح أن الحكومة تجاوبت جزئياً مع ضغط مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية الدولية والحقوقية الرقمية والإعلامية خلال الحملات التي شُنَّت على القرار بقانون الأول في العام الماضي وقامت بتعديل القرار بقانون ليصدر بحلته الجديدة التي يراعي فيها بعض التشريعات والقوانين الدولية إلا أن بعض مواد القرار بقانون لا زالت تشكل تهديداً لحرية الرأي والتعبير وهذا يتعارض مع الرسالة الرسمية التي ردت بها الحكومة الفلسطينية على المقرر الخاص في الأمم المتحدة المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير السيد دافيد كاي والتي تضمن بندها الخامس عشر “تعهد من الرئيس ورئيس الحكومة بتعديل أي نص من القرار بقانون لا ينسجم بالكامل مع المواثيق والمعاهدات الدولية”، عدا عن كون الطريقة التي صدر بها القرار بقانون والتي تتشابه مع ما حدث في المرة الأولى حيث تم تمريره دون إشراك المواطنين ذوي العلاقة والمؤسسات ذات العلاقة فيه ليصدر في الوقائع الفلسطينية الرسمية بتاريخ ٣/٥/٢٠١٨ ويتفاجأ به المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية وغيرها من المؤسسات ذات العلاقة.
لعل البعض يري الجانب الإيجابي في هذا القانون أكثر من الجانب السلبي ولكن رد الحكومة على السيد دافيد كاي حول مواءمة كافة المواد بالكامل لتنسجم مع المواثيق والمعاهدات الدولية التي انضمت لها فلسطين يضعنا أمام تحدي جديد للضغط عليها لتعديل المواد المتبقية والتي تتعارض مع المواثيق والمعاهدات الدولية، فهل يتكاتف المجتمع المدني مرة أخرى للضغط على الحكومة لتعديل المواد الغير مواءمة مع القوانين والمعاهدات الدولية كالمادة ٣٩ والتي تأذن بحجب المواقع خلال ٢٤ ساعة ولمدة ستة أشهر قابلة للتجديد بناء على طلب النائب العام؟ والبند الثاني من المادة رقم ٣٤ والتي تعطي صلاحيات المحكمة المختصة للنائب العام؟ وهل سيضغط هؤلاء على الحكومة لحذف المادة رقم ٤٥ والتي تعيدنا لكابوس المصطلحات الفضفاضة مرة أخرى؟ وماذا سيفعل هؤلاء أنفسهم مع المادة رقم (٣٧) التي تشرعن الأدلة المتأتية بطريقة غير شرعية وتعتبرها من ادلة الثبات؟  

   

*القرار بقانون: بحسب المادة (43) من القانون الأساسي الفلسطيني “لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، أما إذا عرضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون.”  

**التصميم المرفق من تقرير ستوديو كونسبتس
المصدر: مركز حملة