أخبار

عندما يحوّل “التوجيهي” البشر إلى أرقام!

 هذه هي السنة الأولى التي يتكشف لي المشهد من زاوية أخرى، ولعلي لأول مرة أصفع هذه الصفعة بهذا القدر من الألم. كنت أتابع من بعيد كل الأحداث بصمت عجيب. كيف نستطيع أن نعيش في “الوهم” إلى هذا الحدّ؟ هذا هو السؤال الأكثر فتكاً بعقلي منذ أن بدأت التبريكات تملأ صفحات الفيس بوك والمفرقعات النارية تجتاح سماء الوطن!

ولتستحضروا معي المشهد أدعوكم لمرافقتي في هذه المحطات الثلاثة:

المحطة الأولى:

في كل عام يدخل قرابة المئة ألف طالب وطالبة الصف الأول الابتدائي، بهدف تحصيل العلم والمعرفة. يوزعون على كنتونات صغيرة تسمى “الصفوف”، تحت إطار مؤسساتي يسمى ب “التربية والتعليم”، يفرض على العينة جميعها أن تجلس نفس الجلسة، أن تتعلم بنفس الطريقة، بنفس الأسلوب، نفس الكتب، نفس المعلومات، نفس النظريات والمعادلات الجاهزة، أن ترسم نفس اللوحات، أن تنشد معاً نفس الأناشيد، أن تسأل نفس الأسئلة، أن تستمع إلى نفس الإجابات، أن تخضع لنفس الإختبارات، أن تقييم نفس التقييم.

يفرض على كل أولئك الأطفال أن يرددوا ما لا يشعرون به، أو يمثل شغفهم الحقيقي، أن يحفظوا ما لا يؤمنون به أو يقتنعوا به اقتناعاً حقيقياً، أن يستعملوا خيالهم وعواطفهم فقط عندما يؤذن لهم -ربما في حصة التعبير وبمواضيع مختارة من قبل الأستاذ- أن يقولوا ما يرضي ثلاثة (المنهاج، الأهل، الأساتذة) حتى يحصلوا على الرضى والتكريم والمباركة المجتمعية .. أن يعيشوا في سباق مع الآخرين .. سباق لا معنى له وما هو إلا انعكاس لمصطلحات العصر الحديث (التنافس .. الأرقام .. العلامات .. المراتب .. الألقاب) مما ينتزع من الإنسان فرديته الحقيقية ويضعه دائماً في موقع المقارنة مع الآخر!

 المحطة الثانية:

في عمر السادسة عشرة يتعرض أولئك الطلاب إلى الفرز الأول، حيث يتم توزيعهم إلى فروع أربعة (علمي، علوم إنسانية، صناعي وتجاري، مهني)، وعادة من يحدد هذا الفرز هو لغة الأرقام أيضاً، لا الشغف ولا الميول ولا الحاجة. إذ وحسب ما يقتضيه المجتمع الرأسمالي- الاستهلاكي اليوم فإن الطلاب ذوي المعدلات الأعلى وجب أن يساقوا إلى الفرع العلمي مع هالة من عبارات التبجيل والتهليل على أنهم الأكثر نبوغاً وذكاءً .. ثم يساق الطلاب “الأقل حظاً” في عالم الأرقام إلى الفرع الأدبي، مع إشعارهم بالنقص الشديد وبأنهم الأقل إبداعاً واجتهاداً.

أذكر أن أحد الأساتذة أمر طلاب الفرع الأدبي بالوقوف جميعاً عندما دخل زميلهم من الفرع العلمي إلى الصف احتراماً وتقديراً له! يفعل المجتمع هذا مستغفلاً بأن ما يميزنا كعالم عربي في الحقيقة هو التنوع الحضاري والثقافي والعمق التاريخي والتنوع الجغرافي والتعددية في المنطلقات والفلسفات والأديان وأساليب العيش والزخم التعبيري والبعد الروحي… ومن تبقى دون الفرعين الأولين يخير بأن ينتقل إلى الفرعين المتبقيين أو يحمل أمتعته ويرحل .. وكأن الأفرع المتبقية هي مجرد حل للأعداد المتبقية!

المحطة الثالثة:

الناجي من تلك (النسخ) أقصد الطلاب، يصل إلى (المحطة الأخيرة) والتي يطلق عليها اسم (الثانوية العامة – التوجيهي)، ليخضع إلى (امتحان مصيري) يحدد (مستقبله) (وتخصصه المهني) – أنظروا المصطلحات- وفق نظام تعليمي من صناعة بشر مثله يرون بأنه المعيار الحقيقي لنجاح الإنسان وفشله!

ولو تأملت تلك الكتب التي يمتحن بها كل هذا الكم من البشر لأصابك صدمة حقيقية .. ومع ذلك اعتبرت هذه الكتب “معرفة ” وأصبحت معياراً للتفوق .. ولتصنيف الناس إلى ناجح وفاشل .. بل وأصبحت الحكم الأول والأخير الذي يحدد إكمال المسار واختيار التخصص الذي يتوق الإنسان إلى إشغال عقله وحواسه وعواطفه به!

 هذا العام تقدم لامتحان الثانوية 85910 طالباً. من بين ال 85910 لم نسمع سوى عن قصص أولئك الذين حطموا الأرقام القياسية ولم نر على صفحات الفيس بوك سوى أسماء من نجح بتقديرات عالية إلا أن ال 35000 طالب الذين فشلوا بمطاوعة ذلك النظام “الاستحماري” “ولم يحالفهم الحظ” في اجتيازه لم نسمع عنهم شيئاً .. أولئك الذين ألصقت بظهورهم كلمات العجز والفشل وأهدوا من المجتمع لقب “راسب” .. “ساقط” .. وهم في عمر الثامنة عشرة ربيعاً لم نعرف حتى أسماءهم .. وعلل السبب بأنهم “فشلوا” لأنهم لم “يجتهدوا”؟

ثلاثة طلاب بعمر الزهور “انتحروا” من فرط خوفهم من معاقبة الأهل أو بسبب عدم قدرتهم على تحمل كل تلك “الهزيمة” التي حملهم إياها المجتمع .. وضعت صورهم كأي خبر هامشي .. وراح المجتمع يلهث ليقيم الحفلات والمهرجانات ويبدأ حملة التبريكات “لأوائله” وكل من سجل أرقاماً تستحق بمنظوره التكريم.

آلاف الأحلام اغتيلت قبل أيام .. سواء للذين لم يجتازوا الامتحان بنجاح .. أو للذين لم يحصلوا أرقاماً تسعفهم لإكمال المشوار الذي يتمنوه .. وكل ذلك على مرأى من المجتمع والمؤسسات والناس.

 لا يجبر الناقد على استحضار حلول سحرية في العادة، فأنا أعرف بأن المنظومة التعليمية بالكامل تحتاج إلى عمل جبار من قبل الأفراد والمؤسسات والحكومات. ولكن كل كلماتي السابقة ما هي إلا دعوة لكل قارئ ليعيد تعريف معاني “النجاح” و “الفشل” وسط هذه المنظومة الجاحدة. ما هي إلا دعوة لنحاول الخروج من “الوهم” الذي ننقاد إليه في كل عام .. فتصبح قيمة شبابنا وبناتنا ذلك (الرقم) الذي يهديهم التوجيهي إياه محدداً مصيرهم وأحلامهم.

هذا المقال ما هو إلا تذكرة لإعادة قراءة الآية الكريمة (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) فطرق التعلم كثيرة وغير محصورة بذلك الطريق الذي صنعه البشر وكانوا أول ضحاياه .. ما هي إلا لفتة لنتأمل قول علي بن أبي طالب بعمق شديد ” قيمة المرء ما يحسنه”.. ما هي إلا صرخة لنتحرر من منظومة المجتمعات الأوروبية الاستهلاكية ونغوص في أعماقنا لنستخرج من رحم هويتنا وثقافتنا وروحنا ما يليق بنا وبشبابنا.

إلى الأعلى