آراء

حماس والمفاوضات المباشرة

أحدث أبو مرزوق في تصريحه الأخير حول المفاوضات بلبلة جديدة متجدّدة، تذكّرنا جيّداً بموقف حماس من الانتخابات، الهُتافات التي نسمعها من عامّة الشعب : المفاوضات زمان حرام وهسا حلال، هو نفس الهتاف الذي سمعناه عام 2006، الانتخابات كانت حرام وأصبحت حلال، مالكم كيف تحكمون يا حماس؟.

بعيداً عن كلّ هذا اللغط والحديث الفارغ المُطعّم بالمناكفات السياسيّة، ابو مرزوق كان قد ارتجل وقت المقابلة وأعطى رأيه الشخصي واجتهاده في لحظتها، من السهل جدّاً تفهم وجهة نظره، فكما نعلم عندما قالت حماس أن الانتخابات حرام، كانت بسبب نظرتها لما تحمله الانتخابات من تخطّي للحدود في حينها، حيث أن الحُكم الذاتي لم يكن مُتقبّلها بعدْ، حتّى الأناشيد الحمساوية كانت تصدح: “وما نرضى الحُكم الذاتي”، الأمر نفسه يتعلّق بالمفاوضات، المشكلة ليست في المفاوضات، الفيتنامييون شاركوا في باريس في التفاوضات المباشرة مع الأمريكان، وعمر المختار جلس مع إيطاليا في مفاوضات مباشرة، وكما يُحب البعض، فالرسول تفاوض بشكل مباشر مع الكفّار، المشكلة ليست في “المفاوضات” لإنها مفاوضات، المشكلة بما تحتويه المفاوضات، هل هي مفاوضات لتحقيق الثوابت، أم مفاوضات على الثوابت؟

ومن هنا رأى أبو مرزوق بأنّه لا مشكلة في مفاوضات مباشرة بسبب صعوبة وجود دور وسيط يكون وسيطاً وليس طرفاً من الأطرف، فعلى كلّ حال، حماس بالنسبة له، لو شاركت في أية مفاوضات -مباشرة أو غير مباشرة- لن تقدّم أية تنازلات، فلا بأس من تجربة المفاوضات المباشرة. ردّة فعل الحركة على التصريحات كانت سريعة ومباشرة، فعزّت الرشق العضو في المكتب السياسي للحركة أصدر بياناً صادراً عن المكتب السياسي، وجاء في نص البيان “المفاوضات المباشرة مع العدو الصهيوني ليست من سياسة الحركة، وليست مطروحة في مداولاتها، وهذه هي السياسة المعتمدة في الحركة”.

لماذا يا تُرى هذا الجمود والتصلب من الحركة تجاه المفاوضات المباشرة، جمود قد يكون غير مُبرّر لأبو مرزوق الذي اجتهد بعكس ذلك؟، هذا الأمر يعود إلى سببين اثنين:

1- الخطاب المِنبري الذي اعتمدته الحركة في التواصل مع القاعدة الجماهيرية وبنائها، هذا الخطاب الرديكالي الخارج من منابر المساجد يكون فضفاضاً في تعميماته واختزالاته، تجده يخطب بحرمة الانتخابات والمفاوضات، بدون التواصل مع القاعدة الجماهيرية وشرح السبب وراء هذا الحُكم بدون اللجوء الى الطريقة السلفية. هذا الخطاب يحدّ من قدرة الحركة على المناورة في السياسة ويجعلها رهينة لما تقوله على المنبر بشكل أو بآخر.

2- التفاوض المباشر مع الاحتلال يعني الاعتراف بوجوده، لنأخذ حالة عمر المختار مثلاً ومفاوضاته المباشرة مع الإيطاليين، تجد أن المشكلة هُنا ليست مشكلة اعتراف بالإيطاليين، لأن عمر المختار ليست لديه مشكلة بوجود الإيطاليين كإيطاليين، لكن مشكلته بتواجدهم على الأراضي الليبية، لذلك هو يعترف بالإيطالي، لكن لا يعترف بمستعمراته الموجودة على أرضه. أما في الحالة الفلسطينية تجد أن المشكلة هي مشكلة الإعتراف بالوجود من الأساس.

بشهر 5/ 2013، كان لدى أبو مرزوق مقابلة مع طوني خليفة، وقد صرّح وقتها باستحالة القيام بمفاوضات مباشرة، لكنّه عندما صرّح بالأمس حول امكانية حدوث المفاوضات المباشرة وأشار أيضاً إلى أنها مطلب شعبي، كان يقصد وجود تحركات من شباب الحركة تطالب فعلاً بتجاوز دور الوساطة المصرية والذهاب مباشرة للمفاوضات، هذه التُحرّكات يُمكن أن تفسر بأنها وليدة غضب جماهيري بسبب الوسيط المصري، ويمكن أن تكون ناتجة عن توجيهات من قيادة الحركة لتوجّه رسالة إلى السلطة الفلسطينية والوساطة المصرية أنه يمكن ان يتم تجوازكما معاً.

اضغط هنا للتعليق

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إلى الأعلى