ثقافة ومعرفة

قراءة في فلم: زوجي مقاوماً

في توليفة رائعة وأمام شمس الأصيل، وعلى امتداد شاطئ غزة تعانق وردة القرنفل سلاح الكلاشينكوف، ليرتسم لك بعد لوحة الافتتاح اسم الفيلم “زوجي مقاوما”.

“ما رضيت أفرط فيه” جملة تستفتح بها الفيلم ياسمين زوجة الشهيدين الشقيقين عاهد وعمار الشمالي من قطاع غزة، لتخبرك أن هذا السلاح لعاهد ورفضت التفريط به.
امرأة منقبة تعيش ذكريات زوجيها، تقوم بتنظيف السلاح، مستذكرة رائحة البارود وزيت السلاح، فهم هكذا رجال فلسطين لا يرتبطون بأذهاننا إلا بصور البارود والنار.
ينتقل بنا الفيلم إلى ميسر زوجة الشهيد يوسف السركجي من نابلس، والذي جعلها المخرج وبرفقة ياسمين حجرا الارتكاز في فيلمه لأمور سأوضحها في حينه، تبدأ ميسر حديثها بمشكلة الارتباط برجل مقاوم، وازدياد أعباء مسؤولياتها، متحدثة بعفوية مطلقة عن خوف يغشى الأسرة من اعتقال يطرق أبواب ليلها، أو صاروخ يفتت سكون نهارها.

(1)

بعد ذلك يدخل الفيلم فعليا في أولى محطاته والتي تبدأ من مخيم جنين، وفي إيقاع سريع نتعرف على أسماء زوجة الأسير جمال أبو الهيجاء، أحد قادة المقاومة الفلسطينية في حصار مخيم جنين الشهير عام 2002، ولاحظوا أنني أبرزت المقاومة الفلسطينية على حساب اسم فصيله السياسي -حماس-، وذلك تماشيا مع فترة حصار المخيم، والذي شكل أنموذجا رائعا من الوحدة واللحمة الوطنية المنقطعة النظير.
تروي أسماء معاناة أسرة بكاملها، اعتقال أبنائها بل واعتقالها هي ليلة عيد الأضحى، كيف قضت ليلتها بالدموع والتفكير بأولادها، بملابس العيد، وببيت هدمه الاحتلال، فأي عيد هذا الذي جاء على عائلة أبو الهيجاء؟!
وعلى أضواء خافتة رومانسية بعض الشيء تفتح أسماء أبو الهيجاء صندوق الحب، لنستعيد بصحبتها ذكريات زوجها من خلال صوره الشخصية، واصفة إياه بأكثر من زوج وأخ وحبيب، مستذكرة إياه في كل شؤون حياتها، ومستفقدة له على كل مائدة طعام تعدها..

(2)
يمضي قطار الفيلم إلى محطة أخرى وهذه المرة في أجواء كنيسة المهد في بيت لحم، وحصار امتد لـ 39 يوماً إبان عملية “السور الواقي” الإسرائيلية، 39 يوما حبست فيها كفاح حرب زوجة المبعد عبد الله داوود أنفاسها مع كل رصاصة قناص أطلقت من أسطح المباني المجاورة باتجاه أي كائن متحرك في الكنيسة، ومع كل بالون قناص أطلق فوق ساحات الكنيسة.
لقد نجح المخرج في هذه المحطة بانتقاء لقطات الأرشيف التي جسدت رواية كفاح بدقة متناهية، فصُوَر البالون في سماء الكنيسة، وقناصة الجيش الصهيوني المنتشرين في ساحات الكنيسة، شكلوا تناغما فنيا مع رواية كفاح وهي تروي كيفية انتظارها لساعات وأيام الفرج، والتي قدر لها أن تنتهي بضم اسم زوجها عبد الله داوود، إلى قائمة المطلوبين لدى قوات الاحتلال، والذي كان يشغل في ذلك الوقت مدير المخابرات في بيت لحم، واتهمته قوات الاحتلال بتهريب الأسلحة.
لدموع كفاح التي عانقت كنائس المهد، وهي تروي لنا عن التأثير الكبير الذي تركه عبد الله في الأسرة، وعن كيفية نقل خبر وفاته في المنفى إثر مرض عضال ألم به، لولديها يوسف وهبة بالغ الأثر في نفس المشاهد،، ولكن أكثر ما يستوقفك في هذه المحطة جملتها “يمكن لأني شخصية قوية كنت قادرة أظهر للناس قدرتي على التحمل، لكني بيني وبين نفسي كنت أعرف أنني سأذهب إلى المجهول”،، إلى المجهول تقريبا هو مصير مبعدي كنسية المهد خارج فلسطين وفي قطاع غزة، والبالغ عددهم 39 شخصا، الذين ما زالوا ينتظرون قرار عودتهم، بعد أن خرجوا على اتفاق يقضي بعودتهم بعد عام، وها هو العام يتلوه عام، ولا شيء تغير، وبقي المصير مجهولا.

(3)

إلى محطة أخرى يذهب بنا الفيلم، وتحديدا إلى الجنوب، إلى خليل الرحمن، حيث امرأة تعمل في مجال التصوير لتعيل أسرتها وتساعد نفسها على مسؤوليات الحياة.
فلاش، فلاش، وميض أبيض ثم ينقلنا المخرج بعدها لسجن هنا أو هناك، ولتجمع قوات الاحتلال خارج حاجز تارة أخرى..ثم فلاش..
رنا يغمور زوجة الأسير ياسر الشرباتي، تحكي لنا في هذه المحطة عن مصاعب فترة المطاردة، وهدم البيت والتفتيش اليومي لبيت أهل زوجها المتواجدة فيه آنذاك، تروي لنا مع تنهيدات عميقة تهديدات الاحتلال لها بإحضار زوجها “بكيس” إن لم يسلم نفسه، كناية عن التصفية الجسدية بالاغتيال..
تسهب رنا بالحديث عن كراهيتها لعيد الأضحى حيث اعتقل زوجها، فالعيد بالنسبة لها ليس لبس الجديد، وإنما العيد اجتماع الأحبة وبقائهم بجوارها، وما معنى العيد بدون زوج؟؟
يتطرق الفيلم في هذه المحطة إلى الضغوط الاجتماعية التي تمارس على زوجة الأسير المحكوم بأحكام عالية تصل إلى عشرات المؤبدات، فهذا ينصح الزوجة بالطلاق، وذاك يتساءل عن بقائها بدون زوج… الخ من مبررات يمكن صياغتها.
وككل العائلات التي تفقد عزيزا أو تنتظر حبيبا، تملأ صور ياسر زوج رنا بيتها، وأكثر ما شدني تلك الصورة التي كتب عليها بلسان حال الزوج الأسير مخاطباً أبنائه “أخبروهم يا أبنائي أنني عائد”، هو هكذا لسان حال كل أسير ومبعد عن هذا الوطن، أخبروهم أنني عائد..

(4)

نبقى في الأسر ولكن هذا المرة مع الأمل والفرحة والتفاؤل والبهجة، مع عائلة الأسير أبو علي المسلماني من مدينة القدس المحتلة، حيث ترصد لنا عدسة المخرج لحظات ليلة ما قبل الإفراج عنه من سجون الاحتلال بعد انتظار وصل لـ 22 عاما، البيت يضج بالفرحة والحبور، نسوة يحضرن الطعام، وأخريات يستقبلن المهنئات، وفي الخارج شباب يجتهدون بتعليق الزينة بسرعة، مسابقين طول ليل 18 أكتوبر لعام 2011، يوم الإفراج عن 550 أسيرا في صفقة وفاء الأحرار، المبرمة بين حركة حماس وقوات الاحتلال بوساطة مصرية، مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي المختطف “جلعاد شاليط”.
في الصباح المئات ينتظرون أقاربا لهم على حاجز بيت حنينا، زغاريد الفرح، وتكبيرات الانتصار، وتدافع للعناق، مشهد سينمائي بامتياز بصحبة أعلام الفصائل الفلسطينية تعانق بعضها البعض وهتاف الوحدة الوطنية يطاول عنان السماء، في إشارة واضحة أن لا وحدة للصف الفلسطيني إلا بمقاومة باسلة، فالخندق يوحدنا ويسعنا جميعا، والكرسي يفرقنا ولا يسع إلا واحدا..

(5)

إلى قطاع غزة الحبيب يأخذنا قطار الفيلم هذه المرة، ولكنه يحمل في عرباته عائلة خليلية مبعدة إلى هناك، عبير عمرو زوجة شقيقين شهيد وأسير، انتقلت للعيش في قطاع غزة بعد الإفراج عن زوجها الأسير أيمن عمرو في صفقة التبادل الأخيرة.
نفتتح لوحتنا هذه بأيمن الأسير المحرر المبعد إلى قطاع غزة وهو يسترجع مع زوجته عبير أيام ما قبل الاعتقال ووصيته لها بالصبر إن قدر له السجن، حديث يرافقه شرب الشاي الساخن.
وفي كادر فني وعبقري سلط تركيز الكاميرا على أيمن مقابل إنقاصه عن الزوجة الجالسة بجواره، يحكي أيمن قصة زواجه وكم الضغوطات التي واجهها في مقابل زواجه من أرملة أخيه.
ونترك هذه المحطة باجتماع أيمن وزوجته عبير مع أطفالهما على مائدة عشاء حرمت منها العائلة لسنوات طويلة.

(6)

وعودة مرة أخرى إلى الضفة الغربية، إلى نابلس، مع ميسر، ونستفتح لوحتها بقيامها بأمر جديد اعتاد عليه أهالي الشهداء، وهو تنظيف قبر شهدائهم والجلوس بالجوار.
ميسر زوجة الشهيد يوسف مرت في محطات الزوج المقاوم كلها، فمن الأسر إلى الإبعاد، إلى المطاردة فالاستشهاد.. أنموذج استند عليه الفيلم، في حالة نادرة نوعا ما..
تبدأ ميسر بسرد تاريخ حياتها كزوجة مقاوم، شارحة لنا كيف أبقت نور بيتها مضاء خوفا من العتمة في أول ليلة تقضيها بدون زوجها، فالزوج منارة بالنسبة للزوجة، وحصنها الحصين عند الشدائد.
ثم تروي ميسر قصة إبعاد زوجها لمرج الزهور في جنوب لبنان عام 1992، وعودته منتصرا بشهادة أحد ضباط الاحتلال حين استقبلهم قائلا لهم: “أهلا بالأبطال العائدين”، إقرارا منه بعودتهم منتصرين، بعد رفضهم الواضح والصريح للاندماج بالمجتمع اللبناني، والإصرار على حق العودة، لذا كان مرج الزهور رواية متعددة الفصول، ومدرسة مقاومة عريقة، تصلح لأن تروى في حكايات ألف ليلة وليلة…
ونختم هذه المحطة بخروج ميسر إلى شرفة منزلها الخارجية قبيل المغيب، والنظر من علٍ لقبر زوجها المتواجد أمام البيت، مؤكدة أنها لم تندم على ارتباطها بزوجها المقاوم يوسف، وأنه لو عاد الزمان مرة أخرى فلن ترتبط إلا به رغم الصعوبات التي واجهتها في حياتها..

(7)

إلى قطاع غزة ومع لوحة البداية مع ياسمين الشمالي، فقصتها ليست ككل القصص، استشهد زوجها الأول عاهد أثناء اشتباك مع قوات الاحتلال في غزة، وبعد أقل من عام تقترن بشقيق زوجها عمار رغم صعوبة الموقف، 40 يوما فقط على عرسها وكان زوجها الثاني عمار شهيدا في حرب غزة أواخر عام 2008.
ليس هذا فحسب، فياسمين كانت حاملا في يوم زواجها الأربعين واستشهد الزوج في أول يوم عرفت أنها حامل، وفارق عمار الحياة ولم يعلم بأن زوجته حامل.
مرة أخرى إلى قبور الشهداء، وكأنه مكان لشحن أرصد المحبة من جديد، بنات في عمر الياسمين الجميل يلعبن على قبر والدهم، هذه تضع وردة أمام القبر وتلك تقرأ فاتحة الكتاب، وأم تحمل صغيرتها تحرس بعينيها من خلف النقاب بناتها الأخريات.

وفي تناغم رائع بين توليفتي الفيلم وركيزتيه ميسر وياسمين، يأخذنا الفيلم بين هذه وتلك مناقشا وملخصا ما أراد المخرج إيصاله من أفكار.
فبين إكمال ياسمين تعليمها الجامعي بل وتفوقها اللافت فيه، وبين ميسر معلمة الفيزياء المعيلة لأبنائها والتي استطاعت بردة فعل معاكسة ومساوية لمقدار الفعل الحاصل، أن تواجه مصاعب الحياة وشقائها رغم غياب المعين من الأقارب والمحيط.
على شاطئ غزة وبين حجارتها ومد وجزر بحرها تختم ياسمين الفيلم بالحديث عن حتمية مساواة حياة زوجة المقاوم بغيرها من النساء.
وقبل الختام هذا الفيلم ربما هو حكاية كل بيت فلسطيني، فلا يخلو بيت من أسير أو شهيد أو طريد للاحتلال، أو مزيج من هذا وذلك.
وأخيرا يسدل ستار “زوجي مقاوماً” بوردة القرنفل التي شاهدناها في أول الفيلم، تجابه لوحدها تلاطم أمواج الحياة بعد غياب السند والحبيب، بعد غياب البندقية.

إلى الأعلى