تقارير وملفات خاصة

بانتظار زفّة “نسر باب العامود”.. عن الشّهيد محمد علي

الشهيد محمد علي

القدس المحتلة – خاص قُدس الإخبارية: عندما كان في الصّف الثّامن، ترك محمد التّعليم المدرسيّ، وانطلق إلى حواري القدس وشوارعها وأهلها يتعلم منها ما هو أصدق. انضم في سنٍ مبكرةٍ إلى والده وأعمامه في سوق اللحامين الأثري في البلدة القديمة يتلقى منهم أصول المهنة.

في يومنا هذا، اليوم الأول من العام 2016، كان من المفترض أن يكون افتتاح الملحمة الجديدة التي سيتولي هو الإشراف عليها مع والده سعيد على بعد أمتار قليلة من بيته في كفر عقب، شمالي القدس. كانت أمه حسنة محمد علي متحمسة لهذه البداية الجديدة التي تنتظر ابنها، فها هو يتقدم في مجال عمله، ومن ثم بعد سنتين أو ثلاثة كانت تخطط أن تخطِب له.

وفي يوم السبت (10/تشرين أول) الماضي، كانت القدس في حالة حداد على أرواح الشهداء في مخيم شعفاط، فلم يذهب محمد إلى عمله في سوق اللحامين. أقنع والدته أنه سيخرج للحلاق الذي لم يغلق أبوابه ومن ثم يعود، “طلع وما رجعش”، تقول أم محمد.

في ذلك اليوم، نفذ الشّهيد محمد سعيد محمد علي (19 عاماً) عملية طعن أمام باب العامود، أصاب فيها جنديين، فيما أصيب جندي ثالث بنيران “صديقة”.

عند دخول الزقاق المؤدي إلى بيت العائلة تظهر في نهايته صورة محمد مع عبارات المباركة والتمجيد على شرفة المنزل. ومن الجهة الأخرى لافتة ثانية تقول: “نطالب باستعادة الجثمان” الذي ما زال محتجزاً حتى الآن لدى سلطات الاحتلال.

وفي داخل المنزل، في كلّ ركنٍ لمحمد أثر، “هذا الدبدوب الأحمر هو اشتراه قبل بأيام قليلة من استشهاده”، وتلك الحطة الفلسطينية المزينة بصورة محمد أوصت عليها أمه ووزعتها على الأقارب والأحباب.

وعلى الحائط صورٌ مختلفةٌ له، أخرجتها أم محمد من ذاكرة الهاتف النقال وطبعتها بأحجام كبيرة. وهناك رسمٌ لوجهه هدية من طلاب جامعة بيرزيت، ورسم آخر له من أحد الشباب في مخيم شعفاط حيث مرتع صباه. وعلى الحائط كذلك بعض من ملابس محمد. “هذه المعلقة على الحائط ملابس الشغل الخاصّة بمحمد، وهذه السترة التي ألبس لمحمد”.

رغم الألم وذكرياتها الكثيرة معه المنثورة في كل مكان وزمان، تصّبر أم محمد نفسها وتستقبل الناس بقلبٍ قويٍّ ورضى وفخرٍ بابنها الشّهيد، لكن ألم الفقدان لا يتسع لتقرير صحفيٍّ أو لقاءٍ تلفزيوني. لا أحد يدري بأهالي الشّهداء حينما يفيض في قلوبهم الألم ليلاً، تقول: “أحياناً من شدّة الشوق لمحمد أفتح خزانته وأحضن ملابسه أو ألبسها كما أفعل الآن”.

قبل أن يخرج من بيته في ذلك اليوم كانت أم محمد تجهز المقلوبة. رجعت أخته فاطمة من المدرسة لتقول: “ابن صفي استشهد”، وتقصد عن الشهيد اسحق بدران الذي نفذ عملية طعن في ذات اليوم بالقرب من باب العامود. انشغلت أم محمد حينها بالدعاء لوالدة اسحق بالثبات والصّبر، تقول “كنت أقلب الطبيخ، وأدعو لها ربنا يعينها ويصبرها”، ولم تكن تعلم أنها كانت تدعو لذاتها كذلك.

نسر باب العامود

لم يصبر محمد حتى تجهز المقلوبة وانطلق إلى “الحلاق” كما أخبر والدته، لينفذ عمليته البطولية ضدّ جنود الاحتلال في نفس المكان الذي اعتاد الجلوس فيه يومياً.

كان محمد قبل ذهابه للعمل كلّ يوم يجلس في نفس المكان الذي استشهد فيه، يشرب القهوة أو الشّاي ويدخن هو وأصدقاؤه قبل بدء يوم العمل. وبعد انتهائهم من العمل وقبل العودة إلى بيوتهم، كان محمد يعود للمكان ذاته، ويجلس مرة أخرى أمام باب العامود هو وأصدقائه، يأكلون “ساندوش الفلافل أو الكباب”.

تقول أم محمد: “مستحيل يرجع من الشغل بدون ما يقعد باب العامود..عشقه باب العامود، محمد كان بموت على القدس”. وحتى في الأيام التي لا يعمل فيها، يومي الاثنين والجمعة، كان يحرص محمد على الخروج من بيته في كفر عقب إلى البلدة القديمة في القدس.

عن عمق هذه العلاقة بمدينته تتحدث أم محمد وتقول: “بس أمشي معه في القدس، كل شوي وشوي حدا بسلم عليه، حدا بحكي معه، الكل بعرفه وهو بعرف الكل”. عدا عن عمله داخل الملحمة فقد كان مسؤولاً كذلك عن توزيع اللحمة على الزبائن، ومن هنا كوّن علاقات كثيرة مع أهالي القدس. “كان مسؤولاً عن توصيل طلبيات اللحمة إلى إحدى الكنائس في القدس، وكل العاملين فيها والرهبان جاءوا لتعزيتي به”، تخبرنا.

وعن صوره الكثيرة، تقول أم محمد أنها تحب صورته هو يرفع يديه بعلامة النّصر أمام باب العامود. التقطت تلك الصّورة لمحمد في يوم عرفة من العام 2015، كان في طريقه إلى البيت بعد أن اشترى حاجيات العيد من فواكه وحلويات لعائلته ولعوائل أعمامه.

10420247_962220177154185_3772875179950013430_n

وعندما نشر محمد تلك الصّورة على الفيسبوك، فرحت بها أمه، كتبت له في تعليق: “انت نسر باب العامود”. ومن فرحتها به وضعتها على خلفية جهازها النقال، وأرسلتها إلى صديقاتها مفتخرةً بـ”نسر المدينة”. “حتى البلوزة اللي كان لابسها في الصورة غالية عليّ.. وخبيتها”. ولذلك توجهت أم محمد قبل أيام لمكان استشهاد ابنها وتصورت بنفس الهيئة، رافعة كلتا يديها بإشارة النّصر.

أما الصورة الأخرى الغالية على قلب أم محمد فقد التقطتها له بنفسها في عيد الأم من العام الماضي، إذ اصطحبها إلى الغذاء في أحد مطاعم رام الله ومن ثمّ أكلا البوظة في “بوظة ركب”، حيث التقطت له تلك الصّورة. وتظهر في طرفها الهدية التي جلبها لأمّه، وقد جلب مثلها  هدايا لجدتيه وعماته وخالاته، ومنهن خالته الأسيرة عالية العباسي التي تقضي منذ نيسان الماضي حكماً بالسّجن لمدة 26 شهراً بتهمة محاولة طعن جندي إسرائيلي.

ودّع الأحباء والأصدقاء

وعن قصته مع الهدايا والعائلة، تقول أم محمد إن ابنها الشّهيد اعتاد أن يخصص جزءاً من راتبه الشّهريّ لتقديم الهدايا لأقاربه وأحبائه. في عيد الأم مثلاً اشترى لجدته سترة كانت قد أوصته عليها.

وقبل استشهاده بأسبوع، رافق محمد أمّه والعائلة إلى مدينة الخليل حيث عرس بنت خالته. في ذلك العرس تصوّر محمد مع كل بنات وأبناء العائلة، لأول مرة  يتصور معهم كما تقول أم محمد. وقبلها بأيام، في عيد الأضحى اشترى 25 هدية وأهداها لكل سيدات وبنات العائلة.

أما عن أصدقائه، فقبل استشهاده بيوم كان في مخيم شعفاط يشارك في تشييع ابن المخيم الشّهيد أحمد صلاح. وعندما أتى الأهالي لتعزي أم محمد، أخبروها أن ابنها قضى الليلة الأخيرة في بيوتهم ومع أبنائهم. “ابني ودّع كلّ النّاس قبل استشهاده، لّف على كل أصحابه وأقاربه وودعهم”.

في انتظار الزفة

ذكريات حسنة مع ابنها الشّهيد محمد كثيرة، إلا أنّها لا تبقى أسيرة الذكريات والحزن، وتجعل من هذه الذكريات محركاً لها للوقوف مع بقية أهالي الشّهداء، والتّحرك من أجل المطالبة بالجثامين المحتجزة حتى اليوم. وتقول أم محمد أن كلّ ما يجري من نشاطات وتحركات من أجل الإفراج عن جثامين الشّهداء هو بجهد شعبيٍّ من قبل عائلات الشّهداء والمقربين منهم، بينما تغيب التّحركات الرسمية الجديّة والصّادقة.

وترفض أم محمد المشاركة في أي اجتماع رسميّ مع جهات فلسطينية اعتراضاً على ما تسمّيه تقصيرهم في حقّ الشّهداء، وتقول بأن “أهالي الشهداء هم من يساندون بعضهم البعض”، وأنها مستعدة للذهاب إلى كلّ مكان تدعى إليه من قبل أهالي الشهداء للمطالبة بجثامين شهدائهم، كما سبق وشاركت أهالي شهداء الخليل في اعتصامهم الشّهر الماضي.

عدم تسليم الجثمان لا يعني نجاح الاحتلال في سرقة وهج الشهيد وهيبة فعله، لذلك بادرت أم محمد بعد أسبوع من استشهاد ابنها إلى تنظيم جنازة رمزية له في مخيم شعفاط شارك فيها المئات، ووزعت فيها الشوكولاته. تقول وهي تتابع على شاشة التلفاز أخبار تسليم جثامين بعض الشهداء: “نشعر بالفرح للأهالي الذين يودعون أبنائهم، وفي ذات الوقت في داخلنا ألم ونتمنى لو نحظى نحن كذلك بتوديع أبنائنا”.

تنتظر أم محمد استلام جثمان شهيدها البطل، وهي تستذكر ما قالته عندما سمعت باستشهاد الفتى اسحق بدران، وقبل ساعات قليلة من استشهاد ابنها، قالت: “أبواب الجنة مفتوحة للشهداء.. وهي تنادي هل من مزيد؟ لماذا سموا بالشهداء؟ لأنهم قدموا الروح نفيسة، وربنا شهد لهم بذلك”.

“البيوت
إلى الأعلى